الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الاحتفاء بالتجربة “السردية” و”الشعرية” لمبارك العامري في ندوة علمية ـ ملخصات البحوث

الاحتفاء بالتجربة “السردية” و”الشعرية” لمبارك العامري في ندوة علمية ـ ملخصات البحوث

نظمها النادي الثقافي وجامعة السلطان قابوس
محمد زروق : العملان اليتيمان للكاتب شكّلا البدايات الحديثة الأولى للرواية في عمان والأرضيّة التي تمهّدت لجيل لاحق يتوسّع في الكتابة السرديّة ويتلوّن
شيخة البادية : التوازن على مستوى بناء “مدارات العزلة” يؤكّد لنا وعي الشاعر ودرايته بممارسته الإبداعيّة
أحمد يوسف : عوالم بسالة الغرقى تحاصرنا بالسؤال : كيف يقابل الشعر العوالم المتضخمة بالمعنى؟
فاطمة الشيدية : قصيدة “العامري” تحقق المعادلة الصعبة بين العمق والبساطة وتتسم بالتجديد والتجريب المستمر في المضمون والتنويع في أغراض القصيدة
حميد الحجري : الدراسة تستكشف الأدوار الأسلوبية التي تؤدِّيها الأفعال في ديوان “بسالة الغرقى” باستخدام منهج أسلوبي إحصائي
احتفى النادي الثقافي مؤخرا بالأديب مبارك العامري في ندوة علمية حول “تجربة مبارك العامري الأدبية”، بالاشتراك مع جامعة السلطان قابوس ممثلة في قسم اللغة العربية بكليّة الآداب والعلوم الاجتماعية، وبمشاركة خمسة باحثين قدموا خمس أوراق عمل تناولت الجانبين الشعري والسردي في تجربة مبارك العامري الإبداعية.
ويعود اختيار دراسة تجربة مبارك العامري إلى عدة أسباب تتمثل في عمق تجربة الكاتب الذي ترجع أعماله الإبداعية إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتداخل الأنواع الأدبيّة بشكل فارق أو ضمني في كتاباته، إذ كتب في السرد من خلال عملين هما: “مدارات العزلة” و “شارع الفراهيدي”. كما كتب في الشعر أيضا وقدم أعمالا قيمة تم جمعها في ديوان بعنوان “بسالة الغرقى”.
أقيمت هذه الندوة استمرارا لمشروع النادي الثقافي وقسم اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس لدراسة التجارب الإبداعية العمانية من خلال تنظيم ندوات علميّة مصغّرة تُوجّه فيها اهتمام الأكاديميين إلى الأدب العماني، وتوفّر أعمالا أكاديميّة حول بعض التجارب الأدبيّة العمانية، من أجل تحقيق آثار عينيّة، وترك بصمة موثّقة، والخروج بالدرس الأكاديمي إلى مجالٍ أوسع وعالم أرحب، وقد بدأ هذا المشروع بندوة مماثلة تناولت “عالم علي المعمري السردي”.
حيث سيتم جمع أوراق العمل وتحريرها علميا ثم يقوم النادي الثقافي بإصدارها في كتاب ضمن إصدارات البرنامج الوطني لدعم الكتاب، على غرار الكتاب الذي صدر مؤخرا بعنوان: “عالم علي المعمري السردي”.

التجربة السردية

وتناولت الندوة التي ترأستها الدكتورة عائشة الدرمكية محورين الأول “التجربة السردية عند مبارك العامري” وضم ورقتي عمل، الأولى قدمها الدكتور محمد زروق بعنوان “الشخصيّاتُ الكتبيّةُ في قًصص مبارك العامري” جاء في ملخصها ” نُدرك من العنوان نهجَ العمل الذي يقوم على الفصل بين شخصيّات مرجعيّاتُ تكوّنها ونمائها وتطوّرها ولغْوها ورقيّةٌ ذهنيّة، إذ تتشكّل قياسا على نماذج قرائيّة، تغيب فيها المحليّة والارتباط جوهرا وصفةً بالمكان والتاريخ, وشخصيّاتٍ أخرى مرجعيّاتها واقعيّةٌ، تعتمد في بنائها على خصالها وفعالها المحدّدة لجوهر ارتباطها بالمكان والتاريخ ، وهي آليّة بها نعمل على الدخول إلى عالم قصصيّ بناه مبارك العامري وفارقه، وكأنّ نفَسه لم يطب لها المُقام في هذا الجنس الأدبيّ الذي بشّر له ونظّر. ويضيف “زروق” : عملان في السرد نعتمدهما، وهما العملان اليتيمان للكاتب، ولكن ـ بالرغم من بساطتهما السرديّة – قد شكّلا البدايات الحديثة الأولى للرواية في عمان والأرضيّة التي تمهّدت لجيل لاحق يتوسّع في الكتابة السرديّة ويتلوّن.لقد اعتبرت العملين أدْخلَ في باب القصّة التي يمكن أن نسمها بالطويلة، وأعلقَ بها، من ارتباطهما بالرواية، ذلك أنّ السرد كانت عُقَده ثابتة، وشخصيّاته ـ تقريبا – واحدة، وانسياب نهاياته بيّنّا. حيث يتأسّس السرد في “مدارات العزلة” وهي القصّة الأولى، على شخصيّة محور، لا يُدرك القارئ لها وجها ولا صفة ولا تقلّبا إشكاليّا، هي شخصيّة نمطيّة، يستعملها الراوي للبوح وعرض ثقافته، ويُحمّلها من رؤيته، ومن علمه، الشخصيّات الكُتبيّة هي صفة غالبة على شخصيّات العملين، شخصيّة بسيطة في تكوّنها وعلاقاتها، تتأسّس بناء على صراع خفيف بين الذاتي والأسري، تسير بانسياب نحو النهاية، هي شخصيّة معتلّة، متحقّقة في وجودها نكاد ندرك الشخصيّة من تشكيلها الثقافي الغالب على العملين، مرجعيّات كتبيّة متعدّدة تساهم في صناعة الشخصيّات وتحديد مواقفها”.

البنية ومكوناتها

وفي الورقة الثانية قدمت الباحثة شيخة البادية محاور البنية ومكوّناتها في روايتي مدار العزلة وشارع الفراهيدي لمبارك العامري بعنوان “في البنية السَرْدِيَّـة فـي مدارات العزلـة” قالت فيه : النصُّ، كما يكتب أُمبرتو إيكو، “آلة كسولة”، وحسب رأيه، دور القارئ ضروري في “التعاون التأويلي” لسدِّ ما في القصّة المحكيّة من فراغات وبياضات . وهذا ما تطمح هذه المداخلة لبلوغه من دراسة البنية السرديّة في قصة “مدارات العزلة” لمبارك العامري، ومحاولة الوقوف على مضمونها، وتأويل علاقة هذه البنية بما هو خارج النص. وغنيُّ عن القول، إنّ التحديد المُشار إليه سابقًا، قصّة، خاضعٌ لحدودِ الفرق بين مفاهيم وأَشكال الأنواع: الرواية من جهة، والقصة من جهة ثانية، والقصة القصيرة من جهة ثالثة. ولعلّ التوازن الحاصل، بشكل عام، على مستوى بناء “مدارات العزلة” يؤكّد لنا وعي مبارك العامري ودرايته بممارسته الإبداعيّة، نعني بهذا عدم غلبة الاهتمام بالتفصيل في الوقوف على حدث جزئي معيّن دون غيره، وعليه فقد بدأ النص، عمومًا، على درجة واضحة من التماسك. وبالإضافة إلى الإشارة إلى الأحداث، فإنّ هذه الورقة تستنطق العنوان “مدارات العزلة”، وما يكتنف مفردتيه من تضاد، ومثّلت بعنوان أحد المقاطع السرديّة في النص، للدلالة على عناية الكاتب بانتقاء عنواناته بعينٍ لا يرفدها الإِحساس باللغة فحسب، بل باهتمام واضح ببناء شبكة من العلاقات بين فضاء العنوان من جهة، ومضمون النصِّ من جهةٍ أُخْرى. كما أوّلت عمومية عبارة الإهداء، واهتمت بدراسة الشخصيات: نبراس الغزوي (شخصية رئيسة)، والشخصيات الثانوية، وحاورتها.
وتضيف “البادية” : حضر الاهتمام أيضًا بتأويل ضبابية الزمان والمكان، والوقوف على لغة النص، وبعض تقنيات السرد الأخرى كالحكاية والسرد الاسترجاعي، والحوار. كما تناولت ورقة الباحثة شيخة البادية الإنصات لنص “مدارات العزلة” عبر دراسة بنيته، والتحرر من التلقي السطحي والمباشر له، غير أنّها آيبة لكثير من القصور والنقص، الذي يسوّغ لوجود دراسات نقديّة، تقول كلمتها، أدبنا في أمسِّ الحاجة إِليها.

عوالم بسالة الغرقى

أما المحور الثاني فتناول التجربة الشعريّة عند مبارك العامري واشتمل على ثلاث أوراق عمل الأولى قدمها الدكتور أحمد يوسف وتحمل عنوان “عوالم بسالة الغرقى الممكنة لمبارك العامري” وجاء فيها “عندما نقرأ بسالة الغرقى يحاصرنا السؤال الآتي: كيف يقابل الشعر العوالم المتضخمة بالمعنى؟ ولهذا نتصور فعل القراءة وهو يقارب العوالم الممكنة لبسالة الغرقى حالة من حالات انتهاك قداسة القصد وحرمة الحقيقة، بل نصحو على فهم عميق وسؤال قديم. لماذا كانت دهشة هيدجر بشعر هودرلين عظيمة؟ ولماذا ألقى الفلاسفة مفاتيح الوجود على جدران الشعر والشعراء؟” . ويضيف “أحمد يوسف” : تنبثق الممارسة النقدية من القدرة على الوقوف على ينابيع العنف الجمالي في اللغة الشعرية وهي تتخلق في فضاء العوالم الممكنة. إن شعر بسالة الغرقى نصوص صنعتها هوامشنا المنسية، كما أن قراءتنا لهذه النصوص قد تغدو تهميشا لهذه الهوامش التي تصر عوالم مبارك العامري على استدراجها إلى وعينا الشقي. وعلى ضوء هذه التوطئة تتضح مقاربتنا لعوالم بسالة الغرقى الممكنة.

بلاغة السؤال وأفق الدهشة

فيما قدمت الدكتورة فاطمة الشيدية ورقة بعنوان “النص الشعري عند مبارك العامري ـ بلاغة السؤال، وأفق الدهشة، وحمى التجريب” حيث تذهب الورقة في ثلاثة اتجاهات مفصلية في حياة ونص مبارك العامري وهي : أولا “مدخل/ مبارك العامري،حياة في اللغة” ، و”قصيدة مبارك العامري: بلاغة السؤال، وأفق الدهشة، وحمى التجريب” ، و” مبارك العامري في حياة افتراضية” وتقول في ورقتها :كتب مبارك العامري الشعر منذ شعر بتلك الحكة التي تصيب الروح والأصابع، والحرقة التي غافلته وتربعت على قلبه، كتبه نصا رائعا رائقا لا يشبه إلا صاحبه، ونشر نصوصه في الملاحق الثقافية، فكانت ملاذ محبي الشعر الجميل، والعميق والبسيط، فكان الجميع يبحث عن نصه المختلف النوازع بين الحب والوصف والجمال والإنسان، واستمر مخلصا لفعل الكتابة ولروحه وأفكاره، حتى أدركه الألم، ليجد نفسه مرضوضا ومكدودا، مرهق الجسد، خائر القوة، فلم يجزع ولم يتقهقر خارج روحه المسكونة بالجمال، بل توحد بها، وحمى نفسه بالشعر، وداوى روحه المرهقة بالقراءة والفن والمحبات، واستقوى بالكتابة والشعر والجمال، مدركا أنه منذ البدء كان مريضا بالمختلف الجميل والنبيل, لذا أخلص للكتابة أكثر، وتشبث بفعلها الرفيع والحميم أكثر فأكثر، وكأنه تمثّل قول أبي نواس ” داوني بالتي كانت هي الداء”. وتضيف “الشيدية”: تشكل قصيدة مبارك العامري بصمة جمالية وإبداعية مميزة في الشعر العماني المعاصر، حيث تتسم بتحقيق المعادلة الصعبة بين العمق والبساطة في نفس الوقت، كما تتسم بالتجديد والتجريب المستمر في المضمون، والتنويع في أغراض القصيدة، فهو شاعر التفاصيل الحياتية بامتياز، وشاعر الوعي الذي يشعل شرارته بمحبة، ويحفّز عليه بقوة ومبدأ جسور. فمبارك العامري يكتب قصيدته برفق وليونة منسكبة من روحه، لذا فهي سهلة وواضحة وتخاطب الروح مباشرة، ولا يشكل على القارئ فيها أي معنى، لأنها بريئة من الغموض الفج، أو التصنع المصنوع، ومع كل تلك البساطة فهي مدهشة بفكرتها المتسمة بعمق وشعرية عالية، وهي عميقة بصورتها الفنية المستنبطة من روح البيئة والشاعر والوجود الأكبر، وهي جادة في طرحها وتناولاتها وأفكارها الجزئية والعامة. ووتضيف الدكتورة فاطمة الشيدية “يمثل التحليق الروحي الشفيف، والاعتناء بمظاهر الجمال العميق والبعيد أهم مضامين قصيدة العامري، فهو في الضمني والعميق منه شاعر الحب والبياض، شاعر الروح المتهادية والمأخوذة بالفتنة بخفة ورقة. يقول عن نفسه: ”
“شغوف بالبياض
بانبجاس المطر من رحم الغيم
باليمام خارج السرب
بندف البرَد ومكعبات السكر
شغوف بالتقاء البياض بالبياض”
ومبارك العامري إنساني النزعة يكتب عن الإنسان باتساع وشمول منحازا له، وللخير والحق والجمال، معريا القهر والظلم الذي ينشب مخالبه في روح، ووجه، ورغيف الإنسان، والقيد الذي يوغل في أحلامه وأعصابه، والعِصابات المتشكلة حول الرؤى والرؤية، يكتب عن الجوع والفقر والمرض، تماما كما يكتب الحرية وضرورتها للروح لترتقي وتتنفس، يكتب بشعرية مشبّعة بالألم والحزن، بعيدة عن التجلي والإفصاح خارج الشعر الذي يمكن أن يقول كل شيء بحذر وبلاغة. يقول : ”

“غَشِيَتْهَا إِغْفَاءَةٌ نَاعِمَة
وحِينَ أَفَاقَتْ بَكَتْ كَثيرَاً
لِأَنَّ نِهَايَةَ الحُلْمِ
كَانَتْ مُوْغِلَةً في الحُزْنِ
كَوَجْهِ مُواطِنٍ عَرَبي”

الأدوار الأسلوبية

كما قدم الباحث حميد الحجري الورقة الثالثة التي ناقشت موضوع “الأفعال ووظائفها الأسلوبية في ديوان “بسالة الغرقى” للشاعر مبارك العامري” حيث سَعَتْ الدراسة إلى استكشاف الأدوار الأسلوبية التي تؤدِّيها الأفعال في ديوان “بسالة الغرقى” باستخدام منهج أسلوبي إحصائي. وقد اعتمدت – في سبيل تحقيق هدفها – سلسلةً من الإجراءات البحثية توالَتْ في الكشف عن طريقة توزُّع الأفعال في الديوان المذكور -من حيث التصنيف الزمني المعروف: (ماض ، مضارع، أمر)-عن طريق الإحصاء واستخلاص النسب المئوية.، وتحديد كثافة الأفعال في مجمل الديوان وفي كل قصيدة من خلال قسمة عدد الأفعال على مجمل عدد الكلمات (ونفهم الكلمة إجرائياً على أنها كل مجموعة أحرف مسبوقة ومتبوعة ببياض، أي الكلمة بمفهوم الحاسوب). ، واستخلاص جذور الأفعال كلها في الديوان، وفرزها من حيث: ما تكرر مرة واحدة، وما تكررت مرتين، وما تكرر ثلاث مرات … إلخ، لإضاءة معجم الشاعر اللفظي وتحديد المواد التي تحظى بحضور أكثر من غيرها.،وتحديد معدل تكرار الجذر للكشف عن التنوع اللفظي للأفعال، عن طريق قسمة عدد كلمات الديوان على عدد الجذور المستخلصة.، وتطبيق الخطوات السابقة جميعها على ديوان “كلما ظهر ملاك في القلعة” للشاعر زاهر الغافري، لتوفير معيار خارجي للمقارنة يجعل عملية التحليل والاستنتاج أعمق وأصدق. وقد أسفرت الإجراءات البحثية السابقة عن عدد من النتائج يقول عنها الباحث حميد الحجري : سجَّلت نسبة الأفعال إلى مجمل الكلمات رقماً متماثلاً في الديوانيْن المدروسيْن، وهو 16%. ومعنى هذه النسبة –في قراءتنا المبدئية- أن الشعر – في طابعه العام – بعيدٌ – إلى حدٍّ ما- عن الحركة والدراما التي تقتضي شيوع الأفعال وارتفاع نسبتها. إلا أن هذه النتيجة تحتاج للتحقُّق منها إحصاءً مماثلاً للأفعال على عمل سردي كامل كإحدى الروايات أو المجموعات القصصية.، وتتوزَّع الأفعال في مدوَّنة قصيدة النثر بطريقة تجعل الغلبة للفعل المضارع، ففي ديوان (بسالة الغرقى) حقَّق الفعل المضارع نسبة63% في مقابل نسبة 31% للفعل الماضي، ونسبة 6% لفعل الأمر. وفي ديوان (كلَّما ظهر ملاك في القلعة) جاء التوزيع متماثلاً على نحو تقريبيٍّ، إذْ حقَّق الفعل المضارع نسبة 75%، في مقابل نسبة 21% للفعل الماضي، ونسبة 4% لفعل الأمر.، وغلبة الفعل المضارع نتيجة لتنوُّعه الدلالي، إذ أنه يرد في الأصل للدلالة على الحاضر والمستقبل، كما أنه يدل على الماضي إذا سبقته بعض حروف النفي مثل (لم، لـمَّـا). كما أنه صالح لأداء وظائف الأسماء (المصادر) إذا سبقته الحروف المصدرية مثل (أنْ)، فهذا التنوُّع الدلالي يجعله قابلاً للحضور بكثافة أعلى من قرينيْه: الماضي والأمر.، بالإضافة إلى ما سبق، للفعل المضارع قدرة عجيبة على تجميد اللحظة العابرة، وإخراجها من نطاق الحالة الجزئية الخاصة إلى الحالة الكلية العامة، وهذه القدرة نفسها هي التي ينشدها الشعر، لذلك نجد الأخير يتكئ -بشكلٍ أساسيٍّ-على صيغة الفعل المضارع مقارنةً بالصيغ الأخرى.، غَلَبَتْ على ديوان “بسالة الغرقى” نزعتا “الوصف” و”التأمل”، وهاتان النزعتان تناسبان الفعل المضارع، فأسهم ذلك في تعزيز حضوره العددي، إلا أننا لا نعدم “نزعة السرد” في بعض القصائد التي غلَّبت الفعل الماضي للتعبير عن توالي الأحداث والتصاعد الدرامي. أمَّا فعل الأمر فجاء استجابة لارتفاع درجة الانفعال في بعض القصائد والتعبير عن المشاعر الحادة.، مقارنةً بديوان “كلما ظهر ملاك في القلعة”، نلحظ أن ديوان “بسالة الغرقى” أكثر تنوُّعاً في الخطاب الشعري والأساليب التعبيرية المتعلقة بالأفعال، وهو ما يوحي بأنه مكتوب على امتداد فترة زمنية طويلة، حيث تتعدَّد اهتمامات الشاعر وأدواته التعبيرية، بخلاف الديوان الأول الذي يبدو محكوماً بنَفَسٍ شعريٍّ واحدٍ وجوٍّ دلاليٍّ متماثل.، وتتأكد النتيجة السابقة بدراسة جذور الأفعال في الديوانين، حيث تكثر الجذور في ديوان مبارك العامري، بينما تقلُّ نسبياً في ديوان زاهر الغافري، فقد كان معدل تكرار الجذر الواحد في الأول 1.8، بينما كان معدل تكرار الجذر الواحد في الديوان الثاني 2.1. ومعنى هذه النتيجة أن الثروة اللفظية في ديوان مبارك العامري أغنى وأكثرُ تنوُّعاً، إلا أنَّ ذلك على حساب الجوِّالشعري المتناغم الذي نفتقده في هذا الديوان، ونجده واضحاً في ديوان “كلما ظهر ملاك في القلعة”.، وتؤدِّي الأفعال في ديوان بسالة الغرقى وظائف أسلوبية متعددة، بعضها متصل بالدلالة، وقد أشرنا إليه في النتائج السابقة، وبعضها الآخر متصل بالصورة والإيقاع.، والصورة في ديوان “بسالة الغرقى” متنوعة ومتعددة المشارب، وهو ما يتناسب مع تعدُّد الجذور وتنوُّعها.، والإيقاع في ديوان “بسالة الغرقى” خافت إلى حد ما، وتتناسب هذه النتيجة مع نتيجتيْ تنوُّع الصيغ النحوية وتنوُّع الجذور المعجمية التي أشرنا إليهما فيما سبق من نتائج، ومردُّ ذلك إلى أن الإيقاع تكرار منتظم أو شبه منتظم للأصوات والصيغ والمفردات، والتكرار المنتظم أو شبه المنتظم يقتضي التقليل من التنوُّع لصالح التماثل.ومع ذلك فإننا لا نعدم مظاهر للإيقاع تنشأ عن الصيغ والتراكيب النحوية أكثر مما تنشأ عن المفردات والتراكيب المعجمية. تأتي هذه الندوة استمرارا للمشروع الذي بدأه النادي الثقافي وقسم اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس لدراسة التجارب الإبداعية العمانية من خلال تنظيم ندوات علميّة مصغّرة تُوجّه فيها اهتمام الأكاديميين إلى الأدب العماني، وتوفّر أعمالا أكاديميّة حول بعض التجارب الأدبيّة العمانية، من أجل تحقيق آثار عينيّة، وترك بصمة موثّقة، والخروج بالدرس الأكاديمي إلى مجالٍ أوسع وعالم أرحب.

إلى الأعلى