الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / جبل الشيخ سمعون

جبل الشيخ سمعون

الخوف من الريح العاصفة.. يجتاح النفوس القلقة.. الأكف ترتفع .. والدعوات تختلج.. ومضات بروق هائلة في الأفق.. الطوفان ملك رهيب يغزو بجنوده أوساط المحيط.. والبحر أمير من أمرائه ظلوم غشوم يصب جام غضبه فيجلد الشاطئ بهدير مرعب يصم الآذان.. السفن والمراكب التي أوت مبكرا لترسو في الخور.. تتراقص رغما عنها في إعياء.. ومع أنها في أمان من غضبة البحر.. فإن صواريها تصدر أنينا حزينا يقطع نياط القلوب.
كل شيء في القرية الساحلية الخائفة من طغيان البحر ينبئ الليلة بحدث ما لكن ما هو؟!!
طرقات تتعالى بقوة على أبواب الدور بعصا غليظة.. قنديل عتيق يطوف على بيوت العريش والطين.. مسبحة خشبية تتدلى من بين أصابع ضعيفة مرتعشة وخطوات ثقال تحفر آثارا على رمال الشاطئ سرعان ما تمحوها الأمواج.
الشيخ الهرم لا ييأس من طرق الدور ..قليلون هم الذين تجرأوا على رفع المزاليج وفتح الأبواب.. أما الذين تحملوا الإصغاء إلى كلامه فكانوا أقل :
- إني أسمع صرخات الأشباح .
- تسمع ماذا؟
- أسمع بكاءات تأتي بها الريح وصرخات يحملها الهدير وأسمع الاستغاثات التي جعلت صواري السفن الراسية في الخور تئن هذا الأنين الحزين أسمع وأسمع وأسمع
- كفى (خرفا) أيها الشيخ المجنون أتفزعنا بجلبتك في هذه الليلة المخيفة لتسرد علينا حكاياك عن صيحات الأشباح واستغاثات الصواري.. هيا اغرب عنا .. وعد إلى مغارتك وشاتك العرجاء.
- لا … لا أنا لست خرفا ..هيا اخرجوا جميعا يا قوم.. واقلعوا بمراكبكم.. سيروا إلى غبة البحر وهنااااااااااك..هناك ستجدون ما أقول لكم.. وستسمعون ما أسمع…حريق حريق ..زعيق زعيق ..أنين وحنين.. أشباح تحمل أتراحا.
ومضى يخترق الرمل بعصاه ذلك الشيخ “الدرويش” فحديثه لا تشتهيه سفن القوم ولا عقولهم فليعد إذن إلى مغارته الجبلية وشاته العرجاء فقد أرضى ضميره وأدى ما عليه فلا يلومنه بعدها أحد.
في صبيحة اليوم التالي سرت في القرية حركة غير عادية .. وسرعان ما تناقل الناس النبأ الأليم.. فخرجوا إلى الساحل زرافات وأفرادا . . يشاهدون بأم أعينهم .. آثار الفاجعة .. لقد ساق البحر إليهم عشرات الجثث لأطفال ونساء غرقى وبعض الرجال .. غدر البحر بهم كعادته.. والبحر غدار.. التهمهم جميعا في أعماقه ثم لفظهم بعد أن سلب منهم الأرواح وزفر بهم زفراته المشؤومة إلى البر.
وبعد أن تلاشت آثار العاصفة تماما وانحسرت الأمواج.. ودفن الناس غرقاهم الغرباء.. ظهر في الأفق حطام “السنبوق” المنكوب وأبحر الصيادون لينظروا إلى بقاياه المتناثرة في عرض البحر ولم يشك أحد ممن تفقد الحطام في كونه شهد حريقا كبيرا ليلة الطوفان .. ما أدى إلى احتراقه وغرق جميع الركاب الذين حاولوا النجاة من النار .
- “يا إلهي إذن فلقد صدق الشيخ سمعون .. وبانت لنا كراماته” ” إنه حقا لشيخ مبارك عارف بالله .. أراد لفت أنظارنا للفاجعة كي نتداركها .. وكم قسونا عليه وكنا ظالمين” ” هلموا بنا نتبرك به .. نقبل أقدامه .. ونستسمح منه..
صعدت جماعة إلى مغارته في الجبل لاسترضائه والتبرك بآثاره الشريفة.. لكنها لم تعثر عليه هناك ..كما اختفى الشيخ سمعون تماما منذ تلك الليلة من سائر قرى الساحل .. ولم يعد أحد يسمع عنه شيئا أبدا.. “والشيّاب” المعمّرون يزعمون أن الذين زاروا مغارته يومها وجدوا فيها عصاه ومبخرته ومسبحته التي لا تكاد تفارقه بل وحتى شاته العرجاء الأثيرة إلى قلبه أما هو فلم يكن له أي أثر فلربما لحق سباحة بركاب السنبوق محاولا إنقاذهم أو لعله غادر القرية على قدميه حاجا إلى بيت الله الحرام .. لكن ما هو حتمي وأكيد كونه حيا لا يزال إلى يومنا هذا في ذاكرة الأحياء من سكان قريته الساحلية التي استحالت مدينة .

سمير العريمي

إلى الأعلى