الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / فضاء لارماتان دمعُ ما قد مرَّ وفرحُ الآن

فضاء لارماتان دمعُ ما قد مرَّ وفرحُ الآن

الرابع من ديسمبر 2013 باريس
شتاءً
في عمق الحي اللاتيني فضاء لارماتان…
لارماتان حبلُ مشنقةٍ يتدلى فوق اﻷدب والفن والحرية ..
لارماتان عتمةُ الماضي القاتلة ﻷحلام الكلمات،لارماتان المسدساتُ الكاتمة للصوت والحرية.
ها هي حجارةُ هذا القبو المظلم تتجرد من رطوبتها وأحزانها وأنفاس من عبروا تاركين آلامهم ضوءا أخضر يُبصروه من يأتي بعدهم بالظن.
في الرابع من ديسمبر كانت الكلماتُ أكثرَ انعتاقاً وأشدَّ تمرداً لتمسِّدَ شَعرَ القصيدةِ وهي تبتكرُ طريقاً للحزن الجميل ومغسولةً بأمطارِ الحبِّ.
هكذا كان فضاءُ لارماتان المعتقلُ السابق ووسيلة الكنسية لقمع الكتاب والأدباء في الماضي يفتح مساحاته لشعراءِ قافلةِ أثير الثقافية، فذاك القبو الضيق قد اتسع ليصبحَ بمساحة كلِّ الدنيا وحجارتُه النازفة ـ دمعَ ما قد مرَّ ـ صارت كمنجاتٍ تُعزفُ في سماءٍ ورديةِ اللون، كنتُ أشعرُ أن اﻷرضَ تأخذ شكلاً هندسيا آخر، وأني رغم ضيق المكان أنشدُ قصيدة حبٍّ موسيقاها هاربةٌ من السماء لتعبرَ أكثر من سماء، وأن الكلمات تَطيرُ كملائكةٍ بيضٍ في فضاءٍ مفتوحٍ للمحبةِ والسلام.
في الرابع من ديسمبر كان حدسُ اﻷشياء يقودها إلى لارماتان، المطر الناعم.. الفلسفة .. الشَعر اﻷشقر.. العيون المفتوحة والمسافرة إلى ما لست أدري.. الشاب العماني “فراس” الصامت ببلاغة والمتحدث بخجل هادئ. هل كانت تدري باريس أن تلك اللحظة عمرٌ كامل، وأن كلَّ فردٍ صار قبيلة.. وأنها تملأ الذاكرة بامتدادٍ جمالي لانهائي.
كلُّ أشياء الجمال كانت تتواطؤ مع لارماتان في ذاك المساء البارد لتصيّره انتصاراً على تاريخهِ وتمنحه اعترافاً بكونه كائنا كونيا أكبر من حدود الجغرافيا. فلنعترفْ إذن أن باريس أنثى لا تقف على حيادٍ إزاء الشعر وأن الشعرَ أنثى تَرقصُ حافية في الشوارعِ المغسولةِ بالفرح وأن الفرحَ قصيدةُ حبٍّ تسافر في المدى المملوءِ باﻷلوان وأن اﻷلوانَ أيقونةٌ تُعلِّم الإنسانَ أولَ حِصصَ الحبِّ وأن الحبَّ .. كلُّ الحبِّ نحن .. حين نسكن لحظةً عابرة في باريس

عبدالله العريمي

إلى الأعلى