الثلاثاء 27 يونيو 2017 م - ٣ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مستقبل “الكوزموبوليتانية” في الحواضر العربية

مستقبل “الكوزموبوليتانية” في الحواضر العربية

حرص جمال عبدالناصر بعد ثورة الـ23 من يوليو على اتباع سياسة المساواة وعدم التمييز بين عنصري الأمة، وأكد على قيم المواطنة، وازدادت مشاركة الأقباط في تولي المناصب العسكرية والمدنية, بينما في عصر السادات حدثت انتكاسة لأحوال المسيحيين في مصر, بسبب تشجيع السادات الجماعات الإسلامية المحظورة على العودة للحياة السياسية…

محمد عبد الصادق

“الكوزموبوليتانية” كلمة يونانية تتكون من مقطعين “كوزموس” والتي تعني العالم و”بوليس” وتعني مدينة, وهو مصطلح يطلق على المدن والعواصم المنفتحة على العالم بثقافاته المتعددة, ويتعايش فيها جميع الأجناس دون تمييز, على أساس ديني أو عرقي أو لون، ومن أشهر المدن “الكوزموبوليتانية” في العالم: باريس ولندن ونيويورك؛ حيث ترى فيها أجناس وألوان من كل الدنيا, وتسمع فيها لغات ولهجات من كل بلاد العالم.
وقديما كانت مدينة الإسكندرية المصرية من أهم المدن “الكوزموبوليتانية”؛ حيث تعايش على شواطئها في بداية القرن العشرين المصريون والعرب بجوار الأوروبيين؛ وخصوصا اليونانيين والإيطاليين والأتراك، وامتزجت على أرضها الثقافة العربية بالأوروبية، وأنتجت ثقافة البحر المتوسط المتفردة؛ بموسيقاها وفنونها التشكيلية, وأنماطها وطرزها المعمارية الفريدة, حالة الازدهار استمرت قرابة خمسة عقود وانتهت مع تحالف الغرب والصهاينة لضرب مصر في نكسة يونيو 1967.
كما أُطلق على بيروت “باريس الشرق” في خمسينيات وستينيات القرن الماضي وانتقل إليها كثير من الفنانين والمثقفين العرب للاستفادة من مناخ الحرية والانفتاح على الآخر, وكانت تربطها بالثقافة واللغة الفرنسية علاقة وطيدة, استمرت حالة التوهج في بيروت حتى منتصف السبعينيات, حتى اندلاع الحرب الأهلية التي أطفأت شمس بيروت، وأجبرت آلاف اللبنانيين على ترك مدينتهم الجميلة والهجرة إلى أميركا وأوروبا.
للأسف الشديد تدفع الحواضر العربية, ثمنا باهظا لحالة عدم الاستقرار التي تعيشها بعض دول المنطقة, وأصبحت الأقليات هدفا للجماعات الإرهابية, ولا يختلف الأمر بين الموصل والرقة والعريش, ولن تختلف إجابة العراقي الهارب من جحيم “داعش” في الموصل عندما يُسأل عن رغبته في العودة إلى داره أو الهجرة إلى مكان آمن ـ عن إجابة المصري الذي اضطر لترك منزله ومصدر رزقه في مدينة العريش خوفا من أن يلقى مصير أقرانه الذين نحروا على أيدي إرهابيي بيت المقدس في سيناء, ستجدهما يرددان نفس الإجابة: لا أمل في العودة, علينا البحث عن وطن جديد.
حتى لو نجح الأمن العراقي في تحرير الموصل وطهر الجيش المصري سيناء من الإرهابيين، ستظل الأفكار المتشددة التي شقت طريقها لكثير من حواضرنا العربية تحت ستار العودة لصحيح الدين, هذه الأفكار عششت في العقول وشرعنت لمعتنقيها العنف والإقصاء, فالمنضمون لتلك الجماعات لا يؤمنون بالاختلاف ولا يعترفون بالتعايش السلمي ولا بوجود الآخر, هذه الأفكار للأسف وجدت لها حواضن في كثير من المدن والقرى العربية التي تعاني الإهمال والفقر والتهميش وتراجع التعليم، وتدني الخدمات وانعدام التنمية، واستفحال البطالة وانتشار العشوائيات، مما حولها لبؤر خطيرة تعيش خارج الزمن, تنمو فيها الخرافة وتعشش فيها جماعات التطرف والإرهاب، تضطهد الأقليات وتتهمهم بالخيانة والعمالة للأمن, لتبرير حرق منازلهم واستحلال دمائهم وأموالهم.
عاش المسيحيون على مر العصور في أمان بجوار المسلمين, واستفادوا من عصور النهضة مثلما عانوا من عهود الظلام, فعندما تولى محمد علي حكم مصر وكان رجلا إصلاحيا, قضى على مظاهر التفرقة والتمييز التي كانت سائدة أيام الحكم العثماني, فساوى بين المصريين في الحقوق والواجبات، وعين أقباطا في منصب المأمورين (المحافظين), كما ألغى الزي الذي فرضه المماليك على الأقباط، وألغى كافة القيود على ممارستهم لشعائرهم الدينية، ولم يرفض أي طلب تقدموا به لبناء أو إصلاح الكنائس, وكان أول حاكم مسلم يمنح الموظفين الأقباط رتبة البكوية.
واستمرت مصر تحت حكم أسرة محمد علي في انتهاج روح التسامح والمساواة بين الجميع, فتم تطبيق الخدمة العسكرية على الأقباط وإلغاء الجزية التي كانت مفروضة عليهم مقابل الدفاع عنهم, وفي عصر إسماعيل باشا تقلد الأقباط الرتب العليا في سلك الجيش والقضاء وابتعث المتفوقين منهم لاستكمال تعليمهم في أوروبا, وشارك الأقباط في انتخابات مجلس الشورى, حتى وصف البعض العهد الملكي بالعصر الذهبي للأقباط في مصر, فقد انتقل التعامل معهم من “نظام الملل” إلى اعتبارهم مواطنين في الدولة المدنية الحديثة, وشعر المسيحيون بالثقة واندمجوا في المجتمع وشاركوا في الحياة السياسية، وتحسنت أوضاعهم المعيشية والاقتصادية.
كما ساهم الأقباط في النهضة الثقافية التي شهدتها مصر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وظهر من بينهم كبار الشعراء والأدباء والفلاسفة والمفكرين والكتاب والصحفيين والفنانين التشكيليين والممثلين والمؤلفين والمخرجين الذين ساهموا في تأسيس المسرح والسينما والإذاعة والتليفزيون، وشاركوا في صناعة القوى الناعمة لمصر في القرن العشرين والتي امتد تأثيرها إلى سائر البلاد العربية.
في مصر الخديوية جرى العرف على تعيين قبطي واحد في كل وزارة منذ عام 1883م, ارتفع العدد إلى اثنين عام 1924م, عندما شكل سعد زغلول وزارة الوفد, وخلال العهد الملكي (فؤاد وفاروق) تم تعيين قبطيين رئيسين للوزراء هما بطرس باشا غالي الذي قتل في 20 فبراير 1910م، وأثبتت التحقيقات أن الجريمة سياسية وليس لها أي بعد طائفي, كما تم تعيين يوسف وهبة باشا من 1919 حتى 1920م رئيسا للوزراء، وهو الأمر الذي لم يتكرر بعد ذلك في مصر حتى الآن خوفا من التيارات المحافظة.
حرص جمال عبدالناصر بعد ثورة الـ23 من يوليو على اتباع سياسة المساواة وعدم التمييز بين عنصري الأمة، وأكد على قيم المواطنة، وازدادت مشاركة الأقباط في تولي المناصب العسكرية والمدنية, بينما في عصر السادات حدثت انتكاسة لأحوال المسيحيين في مصر, بسبب تشجيع السادات الجماعات الإسلامية المحظورة على العودة للحياة السياسية, لمواجهة الأفكار الشيوعية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت؛ خصوصا داخل الجامعات التي كان يسيطر اليساريون على معظم الاتحادات الطلابية بها, وكان السادات يعتقد أنهم يؤلبون الجماهير ضده, فهداه تفكيره لمواجهتهم عن طريق هذه الجماعات, ولكن الأمور فلتت من يده وتوحشت هذه الجماعات وازداد نفوذها داخل وخارج الجامعة, واعتنق أفكارها كثير من الشباب، وكان أول نشاطها استهداف الأقباط وقتلهم فيما عرف بـ”أحداث الزاوية الحمراء”, الذي أدى للقطيعة بين المسيحيين والسادات خصوصا بعد تنكيله بالأنبا شنودة وتحديد إقامته في دير وادي النطرون.
استمر الاحتقان بين الجماعات المتطرفة والأقباط, بعد أحداث الـ25 من يناير 2011م؛ خصوصا في محافظات الصعيد والمدن الحدودية, حتى وصل الأمر لما شهدناه من تهجير طوعي أو قسري للمسيحيين من العريش، واضطرت أكثر من 150 أسرة قبطية لترك منازلها، والبحث عن موطن جديد ربما تجد فيه الأمان والاستقرار المفقود.

إلى الأعلى