الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: ريما خلف تطلق رصاصة الرحمة على الحيادية الأممية

في الحدث: ريما خلف تطلق رصاصة الرحمة على الحيادية الأممية

طارق أشقر

باستقالة ريما خلف رئيسة لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) من منصبها الخميس احتجاجًا على طلب الأمين العام للأمم المتحدة منها بحذف تقرير للجنة يتهم إسرائيل بممارسة الفصل العنصري “الأبارتايد” ضد الفلسطينين، تكون ريما خلف قد أطلقت رصاصة الرحمة على الحيادية الأممية.
تعتبر تلك الاستقالة ضربة قاصمة لظهر المنظمة الأممية التي ما فتئت تتشدق بقيم عليا تتطلع إليها المجتمعات الإنسانية في كافة أرجاء الأرض والتي أهمها العدالة والمساواة في الحقوق، وهي نفس المبادئ التي أنشئت على أساسها (الإسكوا) استنادًا إلى ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على ضرورة “توفير عوامل الاستقرار والرفاه اللذين يعتبران عنصرين أساسيين لإقامة علاقات سليمة وودية بين الأمم، وذلك على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق”!
ولن يقتصر أثر الاستقالة على الوصف بالضربة القاصمة، بل إنها حقًّا أشبه برصاصة الرحمة للمنظمة الأممية التي ظل قطاع عريض من المحللين والسياسيين يصفونها بأنها تكيل بمكيالين خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضايا المنطقة العربية التي تكون إسرائيل طرفًا فيها, فجاء طلب أمينها العام بسحب تقرير ريما خلف كدليل قاطع يؤكد صحة ما سبق أن ذهب إليه متهمو المنظمة الأممية بالكيل بمكيالين، حتى انبرت رئيسة إحدى لجانها لتحسم الأمر وتبصم على صحة ذلك الاتهام وذلك بمنطق شهد شاهد من أهلها.
وبنفس ما أكدت مطالبة الأمين العام بسحب تقرير الإسكوا انحياز المنظمة الأممية لإسرائيل على حساب حقوق الفلسطينيين المهضومة على رأس الأشهاد، فإن المطالبة نفسها وممارسة الضغوط على رئيسة لجنة إقليمية مكونة من ثماني عشرة دولة عربية هي إشارة أخرى قد يذهب المشككون اليائسون من مناصرة الأمم المتحدة لهم إلى مساواتها بنفس الوصف الذي وصمت به ريما إسرائيل بشأن تعاملها مع إسرائيل، لتشير بدلالاتها للمنظمة بشكل غير مباشر وذلك بشأن تعامل المنظمة الدولية مع القضايا العربية، وهي دلالة نرجو أن لا تقوى قرائنها كون المنظمة هي المنبر الذي حققت من خلاله قطاعات واسعة من شعوب العالم مصائرها وحرياتها، ونأمل أن تحرص على نزاهتها وريادتها على مر العصور.
والسؤال هنا: هل كان بالإمكان أن تطالب الأمانة العامة للأمم المتحدة بسحب ذلك التقرير لو كانت قد أعدته لجنة أخرى من ضمن اللجان الإقليمية الخمسة التي أنشأتها المنظمة الدولية للقيام بنفس وظائف وأدوار لجنة الاسكوا لغرب آسيا؟ فلتكن تلك اللجنة الافتراضية (اللجنة الاقتصادية الاجتماعية لأوروبا)، أو (اللجنة الاقتصادية الاجتماعية لأميركا اللاتينية والبحر الكاريبي) وجميعها تتبع للامم المتحدة، ومنوط بها نفس الدور الذي ينبغي أن تقوم به الإسكوا وهو “العمل على توفير الفرص المتساوية بما في ذلك تحقيق مستوى معيشة أفضل للجميع من خلال تحفيز النمو الاقتصادي والاجتماعي في نطاقها الجغرافي”.
لو كان ذلك الطلب موجهًا لإحدى تلك اللجان، فإن الموقف سيكون مختلفًا، وردود الأفعال ستكون أيضًا مختلفة، وكذلك النتائج والتداعيات التي قد لا تقف في حدود استقالة رئيس لجنة. ولكن كيفما كانت استقالة ريما خلف رئيسة الإسكوا تحمل من مضامين بشأن مستوى حيادية المنظمة الدولية وشفافيتها ومستوى استقلاليتها، فهي توجه رسالة للمنظمة الدولية أقسى وأعنف من تلك التي سبق أن وجهها لها أحد الزعماء السابقين الذين كانوا مثيرين للجدل في العالم أجمع، وذلك عندما قام بتمزيق ميثاق الأمم المتحدة وهو على منصتها وأمام عضويتها. ولكن في حالة الإسكوا فإن استقالة رئيستها ريما خلف تحسب من جهة أخرى لصالح المنظمة الدولية بأنها ظلت طوال السنوات السابقة تختار شخصيات قيمية لها وزنها وأخلاقها مثل ريما خلف لشغل مناصبها التي تتعلق بحياة الناس.

إلى الأعلى