الخميس 24 أغسطس 2017 م - ٢ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: التاريخ المتكرر

باختصار: التاريخ المتكرر

زهير ماجد

هكذا يتكرر التاريخ .. لا شيء أهم من الجيوش، ومن السلاح، ومن الاستعداد الدائم للدفاع أو الهجوم .. إنها حالة المنطقة، بل حالة العالم الذي يحاول جاهدا أن لايغضب كالعرب، بل يعيش صمته كي تظل أنفاسه مرتفعة.
قبل أسبوع من حروب الآخرين على لبنان عام 1975 كتب زميل مصري كان يعمل في إحدى المجلات اللبنانية مقاله الشهير بعنوان “اللهم إني بلغت” تحدث فيه ماهو مقبل على لبنان من أزمة. أنهى مقاله وعاد إلى مصر، لكن نبوأته تحققت ومشى لبنان في أصعب محنه، عاش خمسة عشر عاما على حافة حرب أهلية مرة ينقلب إليها ومرة يراوح. كتب الكثير عن تلك الحروب التي طاولت الفلسطينيين واللبنانيين، كانت موجهة ضد المقاومة الفلسطيية، لكنها أيضا دخلت في متن العصب اللبناني وقررت تدميره وجرى ما جرى.
تعلمنا أن كل حرب هي بقايا حرب حدثت، لكنها تبقى تجربة لما سيلحق. الشكل العسكري للحرب اللبنانية طبق في سوريا والعراق، لكن الأهداف اختلفت وكذلك المضامين. في سوريا والعراق اليوم، حرب وجود بين عالمين وفهمين وقوتين، هنالك دفاع عن الوجود، لكنه أيضا هجوم من أجل هذا الوجود. الدولة السورية هي الثورية التي تعمل على تحرير المكان والأرض وتحمي العرض، ويتسابق رجالاتها إلى الموت من أجل هدف ثوري. ومثله في العراق، حيث القوى العسكرية النظامية تقدم أسلوبا ثوريا هو خلاصة تجاربها العسكرية.
يتكرر التاريخ ليرسم في أعوام قليلة ما صنعه العربي خلال زمن ظن فيه أن الخير القائم ثابت وأنه بخير دائم، والذين كانوا يظلمون الأنظمة باتوا اليوم على دراية بأن بقاءهم رهن ببقائها، وأن مصيرهم معلق بثباتها، وأن حربتهم من خلال انتصاراتها. نعم اليوم مطلوب الدفاع عن أنظمة سوريا والعراق ومصر وغيرها، لأنها باتت تمثل روح الأمل الواقف في وجه الريح والأعداء المتشكلين بألوان مختلفة.
هي إذن حروب إلغائنا وشطبنا، وليس تعديل، الشعوب هي المستهدفة بثقافتها وتاريخها وإرثها الوطني وبقيمها وبرموزها بجغرافيتها الثابتة. حروب وجه البشاعة فيها أنها تريد محو الثوابت وليست عابرة، احتلال خطير للمجتمع والإنسان العربي ومحو سني عمره وأجياله، وتصفية مستقبله بتدمير حاضره. نحن أمام هجمة بربرية أقل مايقال فيها إنها إطفاء كل معالم الحياة العربية، وممارسة أبشع الانتقام من الماضي والحاضر، ومن مفهوم الحرية والعدالة والإنسانية والأخلاقية .. إنها سطوة حاقدين على كل شيء له مظهر الأنسنة.
لهذا نفخر باسترجاع تراثنا التاريخي في إعادة الاعتبار للجيوش، بل في خبرتها الجديدة التي تجاوزت حالة صدئها الذي وصلته حين بدأت الهجمة عليها، وكانت علاماتها الواضحة هزيمة الجيش العراقي أمام الأميركي.
صحيح أن المجد والخلود لكل شهيد عربي وما أكثر الشهداء في هذه الأيام، وصحيح أكثر أن هؤلاء الكرام هم جسور المرحلة التي نراهن عليها كونها قادمة، ليس فقط بانتصارات عسكرية على الجبهات وفي المدن والأرياف، بل في القيم الجديدة التي سوف تحدث انقلابا مؤكدا في المجتمع والدولة كما نرجو.

إلى الأعلى