الأربعاء 18 سبتمبر 2019 م - ١٨ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الكلب الذي أطاح بعرش رئيسة كوريا الجنوبية

الكلب الذي أطاح بعرش رئيسة كوريا الجنوبية

فوزي رمضان
صحفي مصري

مجمل القضية ليس في الصديقة ولا كلب الصديقة، التي تسببت في انهيار حكم الرئيسة بارك حسنة النية، التي لم تَعُزْها السلطة ولا النفوذ ولا الأموال، فهي ابنة المؤسس الفعلي للنهضة الكورية الجنوبية، رغم استبداده وهي الزاهدة في الحياة فلم يكن له زوجا ولا ولد، وهي المصنفة ضمن أكثر السيدات تأثيرا في العالم حسب مجلة فوربس، لكنها الديمقراطية يا عزيزي، التي كافحت كوريا الجنوبية من أجلها مرارا وتكرارا، للوصول إلى حكم ديمقراطي شفاف…

كلب وشغل نسوان … زلزلا عرش الحكم وسحب الثقة والعزل والخضوع للمحاكمة…. لأول امرأة يتم انتخابها ديمقراطيا لرئاسة كوريا الجنوبية .. المهندسة الإلكترونية ذات الـ65 عاما وغير المتزوجة (بارك كون هي) ابنة الزعيم السابق (باك تشنج هي).
ايه الحكاية…؟ يحكى أن الشاب الوسيم (كو يونج) لاعب منتخب بلاده السابق في رياضة المبارزة ارتبط بعلاقة وثيقة مع سيدة الأعمال المدعوة تشوي الصديقة المقربة لرئيسة كوريا الجنوبية، وكان كو يدير شركة للحقائب والملابس تسمى (فيلو ميلو)، عندما طلب منه أحد أصدقائه أن يحضر بعض المنتجات لمكان محدد، وكانت هي المرة الأولى التي شاهد فيها تشوي التي أعجبت بوسامته وبمنتجاته، والتي كان ينتهي بها المطاف إلى خزانة ملابس الرئيسة بارك، وتعمقت العلاقة بين تشوي وكو حتى أصبحت العلامة التجارية (فيلو ميلو) هي الأبرز في عالم الترفيه.
ونظرا للعلاقة الحميمة… طلبت تشوي من كو الاعتناء بكلب ابنتها، ونقل كو الكلب إلى منزله ثم تركه وحيدا وخرج كي يمارس رياضة الجولف في الخارج، وحين عودته وجد تشوي في منزله تشتاط غضبا، بسبب تركه الكلب وحيدا ودار شجار حاد بينهما، ومنذ ذلك الحين ساءت العلاقة بينهما، حيث أكد كو في شهادته أمام جلسة خاصة للبرلمان الكوري الجنوبي قائلا إن تشوي أصبحت تعامله كعبد وتكيل له الشتائم مرات عدة، وبدأ الغضب يملأ صدره، عندها قرر أن ينتقم منها، ويفضح علاقتها المشوبة بالفساد مع الرئيسة بارك، وبدأ جمع الأدلة والوثائق والتسجيلات، وعن طريق الاتصال بوسائل الإعلام بدأت تتكشف الحقائق وتنقلب الدنيا على رأس بارك وتنتهي بعزلها، ويصبح كو بطلا قوميا في نظر الشعب الكورى الجنوبي لكشفه واحدة من أكبر قضايا الفساد تطول زعيمة الحكم في البلاد.
ولكن كيف تقربت تشوي إلى الرئيسة بارك؟؟… من المعروف أن تشوي وهي ابنة زعيم طائفة دينية وزوجة أحد مساعدي الرئيسة، استطاعت أن تستغل قربها من دوائر السلطة في تكوين شركات مالية خاصة بها، وبدهاء النساء تقربت أكثر من بارك إلى أن توثقت العلاقة بينهما، وأصبحت مصدرها الموثوق للأفكار والمشورة، واستغلت الرئيسة حسنة النية لتحقيق منافع لها ولأسرتها وشركاتها.
استطاعت المرأة الداهية تشوي أن تجمع 70 مليون دولار أميركي من بعض الشركات، بمساندة اتحاد رجال الأعمال الكوري الجنوبي، وحولت تلك الأموال بشكل سري إلى حساباتها البنكية، عن طريق المؤسسات غير الربحية، وتمعن تشوي في الدهاء حتى أصبحت تتلقى يوميا تقارير من الرئاسة الكورية الجنوبية، وتقوم بإعطاء التوجيهات لمساعدي بارك، بل كانت المحرر والمراجع لكافة خطابات بارك الرئاسية، كما كشفت المعلومات والأدلة عن معلومات مشبوهة لتشوي أثارت غضب الرأي العام، وخروج المظاهرات الحاشدة والمطالبة بالتحقيق في قضايا الفساد وعزل الرئيسة بارك من منصبها لشبهة الفساد وسماحها لصديقتها بالتدخل في شؤؤن البلاد بغير ذي صفة.
قدمت بارك اعتذارها للشعب ثلاث مرات متتالية، وقالت في خطاب متلفز (أقدم اعتذاري لكل الكوريين الجنوبيين عن كل هذه الفوضى الوطنية التي سببتها بإهمالي فيما تواجه بلادنا صعوبات كبيرة). وعلى الرغم من ذلك لم تتوقف المظاهرات والاحتجاجات الشعبية ضدها، وانخفضت نسبة التأيد لها إلى 4% فقط، إلى أن اجتمع البرلمان وقرر سحب الثقة منها، وانتقال السلطة إلى رئيس وزرائها هوانج كيو، وأيدت المحكمة الدستورية العليا قرار البرلمان وقرر عزلها من منصبها، على أن تغادر القصر الرئاسي، وتكون تحت سلطة الملاحقة القضائية لتعود إلى نقطة الصفر.
مجمل القضية ليس في الصديقة ولا كلب الصديقة، التي تسببت في انهيار حكم الرئيسة بارك حسنة النية، التي لم تَعُزْها السلطة ولا النفوذ ولا الأموال، فهي ابنة المؤسس الفعلي للنهضة الكورية الجنوبية، رغم استبداده وهي الزاهدة في الحياة فلم يكن له زوجا ولا ولد، وهي المصنفة ضمن أكثر السيدات تأثيرا في العالم حسب مجلة فوربس، لكنها الديمقراطية يا عزيزي، التي كافحت كوريا الجنوبية من أجلها مرارا وتكرارا، للوصول إلى حكم ديمقراطي شفاف، يسمح بتداول السلطة بشكل سلمي عبر انتخابات ديمقراطية، بعد كفاح طويل ومرير مع حكومات ديكتاتورية متعاقبة، وبعد الاستقلال عن الحكم الياباني، أصبحت الآن من الدول التي تحقق تراكما ماليا كبيرا ومبهرا، وخلال ثلاثة عقود ماضية حققت طفرة اقتصادية مذهلة، وفي نفس الوقت تحارب الفساد حتى رأس الدولة، لتكون كوريا الجنوبية ملء السمع والبصر… فعندما يتساوى الجميع أمام القانون ترتفع قامة الدولة.. خذوا الحكمة من دولة كوريا الجنوبية.

إلى الأعلى