الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / إشكاليات التقليد الفقهي وإمكانيات التجديد (4 ـ 5)
إشكاليات التقليد الفقهي وإمكانيات التجديد (4 ـ 5)

إشكاليات التقليد الفقهي وإمكانيات التجديد (4 ـ 5)

الأدبيات الفقهية تتعلق باستمرارية الدين والحياة في العبادات والمعاملات وبالقضاء وبالثقافة ورؤية العالم الإصلاحيون سُرعان ما استندوا إلى مقاصد الشريعة، إنما أرادوا الإفادة من منجزات الحضارة الحديثة

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(إشكاليات التقليد الفقهي وإمكانيات التجديد) للدكتور رضوان السيد.
يقول الباحث: تتضمن سائر كتب الفقه العام المطوَّلات والمختصرات كما هو معروف ثلاثة أبواب رئيسية: العبادات، وهي تحتلُّ نصف هذه الكتب، ثم المعاملات، وأخيراً الحدود والجنايات. وتضيف بعض الكتب باباً في الآداب والأخلاق. كما أنّ بعض كتب المتأخّرين تفتتح بتقديم طويل نسبياً في أصول الاستنباط والفتيا. إنما في العادة؛ فإنّ هذه الاُصول تستقلُّ بها كتب أصول الفقه. والمعروف أنه بعد ظهور المذاهب؛ فإنّ التأليف في بعض الموضوعات الفقهية دون غيرها قلَّ دون أن ينعدم. وبالطبع هناك مؤلَّفات في أحكام القرآن ظهرت منذ القرن الثاني ثم استمرت بعد نشأة المذاهب. ويقدّر علماء التراث الإسلامي التراث الفقهي المكتوب بين القرنين الخامس الهجري والثالث عشر الهجري، بما لا يقلُّ عن المليون ونصف المليون كتاب بين متونٍ ومختصرات وحواشٍ ومؤلَّفات تقع في عشرات المجلدات. والذي وصلنا منه يقلّ عن نصف المليون وبالطبع فإنّ العناوين أو رؤوس الموضوعات أقلّ من ذلك .. ماذا يعني هذا كلُّه؟ هذا يعني أنه كانتهناك احتياجاتٌ اجتماعيةٌ غلاَّبة للفقه والفقهاء. فالمجتمعات هي التي اتبعت المدارس الفقهية ورعت الفقهاء بشتّى المذاهب وذلك لأنّ الأدبيات الفقهية تتعلق باستمرارية الدين والحياة الدينية في العبادات والمعاملات، كما تتعلق بالقضاء، وتتعلق أولاً وأخيراً بالثقافة ورؤية العالم، المتضمنة رؤية المسلم لدينه ومجتمعه والأخلاقيات الفردية والعامة.
ثانياً ـ أزمة التقليد الفقهي ومآلاتها:
وقال الباحث في هذا الجانب: عندما كان الطهطاوي في مطلع ثلاثينات القرن التاسع عشر يُشيد بالمختار الكنتاوي (يسميه الموريتانيون: الكنتي) تدليلاً على الحيوية الباقية للتقليد الفقهي، كانت الآراء قد انقسمت بشأن هذا التقليد ومظاهره وإمكانياته. ففي حين كان الأزهريون يتمدحون بالحيوية الفقهية مستشهدين بموسوعية الزَبيدي(ـ1803م) الذي ما ترك فناً إلاّ وألّف فيه، وعرفته مصر من أقصاها إلى أقصاها، وبدأت كتبه تُدرَّسُ بالأزهر في حياته. ويتمدح القرويون المغاربة بأبي شعيب الدكالي والكتاّني وقدراتهما الموسوعية الموروثة وتجديداتهما في الوقت نفسِه؛ فإنّ الشيخ حسن العطار (ـ1835م) أستاذ الطهطاوي، وشيخ الأزهر، والذي تركت فيه التجربة الفرنسية بمصر (1799 ـ 1802م) أثراً عميقاً، كان يرى أنه لا بد من الخروج من القديم، والالتفات إلى الجديد والتجديد في الدنيا والدين. وقد شهد التقليد العقدي والفقهي تجربةً زاخرةً وإحيائية الطابع(= سلفية) في القرن الثامن عشر ومن الحجاز ونجد، وإلى اليمن والهند ومصر، وقد ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهّاب في نجد داعياً للخلاص من المظاهر الشِركية، وخارجاً على تقاليد المذاهب بالاجتهاد. في حين ظهرت في قلب المذهب الزيدي باليمن حركةٌ تجديديةٌ تستمد أصولها من نزوعٍ سلفيٍ اجتهادي، وحتى الطرق الصوفية الفرعية التي ظهرت؛ فقد كانت إحيائيتها سلفيةً ومُحافظة ومنها الطريقتان السنوسية والمدنية. بيد أنّ التقليد ما انفتح ولا تزحزح، ومحمد علي (1805 ـ 1849م) وفي مساعيه لإنتاج دولة حديثة، ترك التعليم الأزهري على ما هو عليه، وعمد لإقامة نظامٍ موازٍ للتعليم العام الحديث أسهم الطهطاوي وزملاؤه المبعوثون إلى فرنسا إسهاماً أساسياً فيه، بيتر غران في كتابه: الأصول الإسلامية للرأسمالية، ذهب إلى أنّ إسلام القرن الثامن عشر كان يشهد نهوضاً ذاتياً، لولا أنّ الغزوة الفرنسية، ثم تحديثات محمد علي ضربته، لصالح حداثةٍ أُخرى متغربة. وعلى أي حال، فإنّ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، شهد ازدياداً للحملة على التقليد ومن مصدرين: الاتجاهات السلفية الآتية من الهند، والحاملة على التقليد والتصوف والإسلام الشعبي ـ والاتجاهات التحديثية لتيار جمال الدين ومحمد عبده وزملاء لهم في اسطنبول وبيروت ودمشقوبغداد والبوسنة والهند والمغارب العربية والإسلامية في تونس والمغرب والجزائر، وللوهلة الأولى فإنّ الطرفين السلفي والإصلاحي ما كانا مختلفين؛ في التأصيلمن جهة، وفي فتح باب الاجتهاد منجهةٍ أُخرى. كلا الاتجاهين كانا يرميان لتجاوُز التقليد والاستغناء عن القياس الضيّق، لصالح العودة للكتاب والسنة مباشرةً. أمّا في الواقع، فإنّ الإصلاحيين الذين سُرعان ما استندوا إلىمقاصد الشريعة، إنما أرادوا الإفادة من منجزات الحضارة الحديثة، أو ما قاله خير الدين التونسي إنه السيل الذي لا يمكنُدفعُهُ إلاّ السير فيه ومعه فيمجراه ومصائره. وبالفعل فإنّ التقليديين، أو فقهاء المذاهب المتشبثين بها والمنكرين لضرورات الاجتهاد والتجديد، اتهموا السلفيين بالابتداع، أي بنفس التهمة التي اتهمهم السلفيون بها؛ بينما اتهموا الإصلاحيين بالتغريب وتقليد الأجانب!
موضحاً الباحث بقوله: لقد عالجْتُ هذا الموضوع، أي تأزم التقليد الفقهي والعَقَدي في عددٍ من البحوث والكتب مثل الإسلام المعاصر (1987)، وسياسيات الإسلام المعاصر (1997)، والصراع على الإسلام (2004) وأخيراً: أزمنة التغيير، الدين والدولة والإسلام السياسي (2014). وقد درستُ الأدوات التي لجأ إليها دُعاةُ الاجتهاد من الصنفين، وبخاصةٍ الذي سُمُّوا فيما بعد بالإصلاحيين.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى