الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م - ١٣ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / المؤمن وجمال الأدب مع الله عز وجل (1 ـ 2)

المؤمن وجمال الأدب مع الله عز وجل (1 ـ 2)

القرآن حدثنا عن أناسٍ عرفوا كيف يخاطبون ربهم ويتأدبون عند دعائهم وتلهج أنفسهم بشُكره وينطق لسانهم بحمده صلاح الآباء مكتنَز ومحروس من الله للأبناء، فالخير والصلاح أثره لا يُنتسى وبه تمضي الحياة

د جمال عبد العزيز أحمد:
المسلم أو المؤمن ذو قلب رقيق، وفؤاد رفيق، وعقل حصيف، وحس رهيف، وعين قريبة الدمع، وأذن مرهفة السمع، وخاصة عندما تحدثه عن ربِّه، أو يتحدث هو عن ربه، وحين تذكِّره بفضله، وتكلِّمه عن واسع عطائه، وكبير مَنِّهِ، وشامل رحمته، وتامِّكرمه، وهو كذلك إذا تكلم عن ربه، أو دعا مولاه، فتجده قد ذرفت منه الدموع، وبدا على وجهه تمام الخشوع، وظهر على جسده كمال الخضوع، وارتجف فؤاده، وارتعدت فرائصه، واقشعرَّ بدنُه، وهو يسمع آياتِ ربه، تملأ مسامعه، وتتغلغل في حَناياه، ويرى دلائل قدرته تسطع في الآفاق، وتلاحقه بالغدو والرواح، وتلازمه في المساء والصباح، وهو إذا رفع يَدَيْهِ بصدد الرجاء انسدلتْ دموعه تغرق خَدَّيْهِ، فهو يسأل الكريم المنَّان، ويستمطر رحمة الرحيم الحَنَّان، وتراه عندما يعرض مسألته يرجع كل شر إلى ذاته، ويعترف بكل خير لربه، ودائماً يُقِرُّ قلبه بأن الله كريم، وحليم ورؤوف ورحيم، فكل خير منسوب إليه، وكل نعمة نازلة منه، وراجعة إليه، يتنزَّل بالنعم، ويتفضل برفع الأذى والنِّقم، لا يرضى لعباده الكفرَ، والشكرَ يرضاه لهم، والمسلمُ تجاه ربه يتأدب معه في كل حديث، ويقول ما يظهر إخباتَه، ويبدي ما تكنُّه لربه ذاتُه، وقد حدثنا القرآن عن أناس عرفوا كيف يخاطبون ربَّهم، وكيف يتأدبون عند دعائهم، وكيف تلهج أنفسهم بشُكره، وكيف ينطق لسانهم بحَمده، وهنا نقتبس أدبًا مما وصف به القرآن الكريم أهل الإيمان، وأرباب التُّقَى والإحسان لنتعلم منهم معنى العبودية لله، وكامل الانكسار له ـ جلَّ في علاه، حتى في ألفاظهم التي تظهر باكية لربها، مرتجفة بين يدي مولاها، فهم كما قال القرآن الكريم عنهم:”إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينهُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون 57 ـ 61).
دأب المتصلين بالله
يقول القرآن الكريم واصفاً عبادَه برقة القلب، وأن الواحد منهم ينسب العيب إلى نفسه عندما، وينسب الخير إلى ربه، فهذا هو العبد الصالح عندما تحدث عن نفسه في سورة الكهف، قال:(فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَها) (الكهف ـ ٧٩)، فأضاف العيب الذي أمر بصُنعه وإلحاقه بالسفينة إلى نفسه، مع أن كلَّ شيء يحدث في كون الله بمشيئة الله، ورهن قيُّوميته، وطوع أمره، وهذا يعلِّمنا دأب المتصلين بالله، وشأنهم في أنهم دائماً ينسبون العيب والنقص إلى ذواتهم، حتى في ألفاظهم ونطقهم، وفي الحقيقة فإن هذا العيب الذي أحدثه العبد الصالح في السفينة كان سبباً في بقائها مع أصحابها الفقراء، أولئك الذين يعتاشون منه، وتدور حياتهم بناء على ما تسهِّله هذه السفينة لهم من المخر في عُباب البحر لصيد السمك وتحصيل الرزق، والتعايش على بيعه والأكل منه، فهو عيب مؤقت حتى يَمُرَّ الملك الظالم الذي يأخذ كلَّ سفينة صالحة غصبا، فلما مَرَّ، فوجدها معطوبة تركَها، ومضى، ولم يحملها كبقية السفن المغصوبة، ثم أصلحها العبد الصالح لاحقا، وبدأ العملُعليها ثانية، والارتزاق من ورائها لتلك الأسرة التي تبيت في البحر وتعمل على طلب الرزق من خلاله، قال تعالى:(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) (الكهف 71 ـ 73)، ثم عاد العبد الصالح، وفسر لسيدنا موسى ـ عليه السلام ـ ما غاب عنه، والذي حكاه القرآن الكريم في نهاية القصة بقوله:(قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا، أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) (الكهف 78 ـ 79).
مطالب الحياة
فالعبد الصالح هنا أعلم سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ من علمه اللَّدُنِّي الذي علمه الله تعالى، وهو أنَّ مَلِكًا ظالمًا سَيَمُرُّ من هنا، وهو لا قلبَ في صدره إذ يأخذ جميع السفن التي تعمل ظلماً منه، وعدواناً على أصحابها، ولا ينظر إلى فقرهم، وشدة فاقتهم، وحاجتهم، فقام العبد الصالح، وأحدث فيها عيبًا لو رآه الملكُ الظالمُ فإنه سيستثقل إصلاحه، وسيجعله مستغنيًا عنها لأنها ستتطلب منه وقتاً طويلاً في إصلاحها، وهو لا وقت عنده، فكان تعليمًا من الله له، وحافظَاً من خلاله على هذه الأسرة الفقيرة، التي تتعايش مما يخرج من البحر ويبيعونه، ويسدُّون به جوعَهم، ويتبلغون به ويتقوون على مطالب الحياة وتكاليف أسرتهم ومتطلبات كل فرد فيها، ولكنه في مواقف الخير والعطاء يُسنِد العمل إلى الله، رغم أنه هو الذي قام به، وذلك تأدبا منه، ورقة قلب دعاه إليها إيمانُه بربه، واتصاله بمولاه، وشفافية ذاتٍ، ورهافة حس، وكمال إيمان، يقول القرآن الكريم في قصة الكنز الذي تركه الوالد لولدَيْه اليتيمين اللذين حكى القرآن عن والدهما، فقال:(وكان أبوهما صالحاً)، فقد بيَّن القرآن أنَّ صلاح الآباء يعود أثره وخيره على الأبناء، فصلاح الآباء مكتنَز ومحروس من الله للأبناء، مهما طال الصباح والمساء، وتباعدت التَّرْباء عن السماء، فالخير والصلاح أثره لا يُنْتَسَى، وبه تمضي الحياة، وبه وبأصحابه على الدوام يُؤْتَسَى، قال القرآن الكريم حاكياً السبب الذي كان العبد الصالح معه مجتهدًا في بناء الجدار، رغم لؤم الفعال من هذه القرية التي منعَتْ أقلَّ خير لديها، وحجبت أيسر الأشياء عطاءً عندها، لمَّا استطعماها العبد الصالح، وسيدنا موسى ـ عليه السلام ـ فلم يقدما لهما أيَّ طعام، مع أن علامات السفر عليهما بادية، والأمعاء منهما جِدُّ خالية، لكن اللئيم البخيل طبائعه خسيسة، ودائماً تكون عاقبته وخيمة لأن نيَّتَه دوما غيرُ سليمة، فبنى العبد الصالح هذا الجدارَ حتى يمنعَ عن أموال اليتامى تلك اليدَ التي هي في أكل أموال الناس كالمنشار، تعمل بالظلم والقهر بالليل، وكذا بالنهار، ولا تأبه لآخرة، ولا لجَنَّة، ولا لنار، فكان بناء الجدار، أدعى لأن يكبر هؤلاء الصغار، ويرون تعب واجتهاد وشقاء أبيهم ماثلا تحت جدران هاتيك الدار، فعندما يسقط الجدار يرون الغنى تحته واليسار، ويُعَوَّضُون فقدَ الأب، الصالح ، وحنين الأم الرؤوم، الذي ترتوي منه البحار، وتزخر تلك الأنهار ، قال الله ـ عزَّ في سماه، وتقدس في علاه:(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) (الكهف ـ 77).

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم ـ جمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى