الثلاثاء 11 أغسطس 2020 م - ٢١ ذي الحجة ١٤٤١ هـ

عين

حين تدخل البيت ستجده عاديًا جدًا، يبدو ضيقاً وأثاثه متهالكًا ومرقعًا. ستمشي عدة خطوات وتصعد الدرج الذي يأخذك للسطح، ستجد بابًا أنيقًا لا يشبه أبواب المنزل الأخرى. ادخله، ستصيبك الدهشة أعلم، أعلمُ ذلك؛ فالغرفة التي تدخلها كبيرة، جدرانها مطلية بلون اللؤلؤ المرشوش بالذهب مع خطوط سوداء عريضة وأنيقة أعلى سقفها. قف أمام الباب مباشرة، سيواجهك السرير الفخم المطرز بالفضة مع كريستالات صغيرة مرصعة على الخشب المغلف بطبقة ملساء. المصابيح كالنجوم تسكب ضوءها على الغرفة وعلى عينيك بغزارة، والرائحة العطرة ستلتصق في ثيابك وأنفك وربما ستبقى تشمها لساعات قادمة بعد خروجك.
أنت حين تدخل الغرفة سوف تجذبك تلك الأناقة وستظل مأخوذًا تحدق في الاثاث، تتلمسه، تقدّر سعره وتتخيل لو أن هذه المملكة كانت لك، لك وحدك، تدخلها بثيابٍ أنيقة، ترتمي على السرير بجانب حبيبتك وتتابعان فيلماً ممتعاً حتى تنامان. سوف تلاحظ كل ذلك لكنك حتما لن ترَ أية تفاصيل صغيرة أخرى رغم أنه يجدر بك رؤيتها فهذا هو عملك. اممم لكن لن ألومك، إنها تفاصيل غير متوقعة في مكان مثل هذا…
سأخبرك… سر بضع خطوات متجها نحو الزاوية على يسار السرير، نم على الرخام الذي يغطي الأرضية، أنا أعلم أنه بارد جدًا وقد تتقلص أطراف قدمك مثلما حصل معي لكن لا عليك، أنت تؤدي عملك. حدق جيدا أسفل الجدار، ربما ستحتاج أن تقرِّب عينيك أكثر، ستجد ثقبًا صغيرًا لن يخرج منه النمل فقد أحس بوجودك وربما شم رائحتك التي تفوح بالمواد الكيميائية المخصصة لقتل الحشرات.
هناك مئات الثقوب على طول هذه الجدران وهذا ليس كل شيء، ربما ينط فأر من أسفل السرير أو الدولاب فيعضك أو يمزق بنطالك، ولو أنك دهسته فحتما ستخرج بقية عصابة الفئران وتهاجمك، أما إن كنت لا تخشى الفئران ـ وهذا ما أتوقعه منك ـ فقد تنهي عملك بسرعة. مهلًا، لن أنسى الرمة التي بدأت تسبح وتصعد للأعلى بخطوطها القبيحة؛ فتشوه الجدران التي اخترنا ألوانها بعناية.
أرجوك تخلص من كل هذا بسرعة، فزوجتي غادرت إلى منزل أهلها في صباح ليلتنا الأولى التي لم نهنأ بها. فحين كانت تجلس على السرير حافية القدمين بفستان الزفاف الأبيض وباقة الورد على يدها ، أحست بقرصات مؤلمة في أطراف أصابع قدمها، انزعجت ولم تهدأ إلا بعد أن رشَشتُ أصابعها بالعطر الذي أهدته لها أختي ودفعت أنا ثمنه. كانت خائفة فهدَّأتُ من روعها مبررًا: ربما كان الحذاء ضيقًا.

حين دخلتْ لتغسل وجهها رأت فأرًا كبيرًا يسير بمحاذاة الجدار؛ فصرخت خائفة. قتلتُ الفأر وليتني لم أفعل، فقد ظهرت عصابة الفئران وارتعدت أوصال زوجتي التي خرجت من الغرفة وظلت تبكي في فناء السطح حتى صباح اليوم التالي حين أدارت محرك سيارتها وغادرت بعد أن أقسمت أنها لن تعود حتى تختفي تلك الأشياء المريبة.
تخلص منها أرجوك يا رفيق. فالفئران هذه عددها لا نهائي، كنت قد قررت مواجهتها بمفردي. تسلحتُ و حملتُ المكنسة والمبيدات السامة. حاولت أن أهاجم لكن عوضا عن ذلك صرت أدافع وأصرخ كالجبان فقد كانت الفئران كثيرة ومقززة، لا أعلم من أين تخرج، تارة من أسفل السرير، مرة من أسفل الدولاب ومن فوهة جهاز التكييف. تسلقت ساقي وعضتني فخرجت و كأنني قد خضت شجارا مع مجموعة مراهقين، حين دخلت لأستحم شاهدت جسدي ملتهبا ومحمرا يتساقط منه النمل مع الماء.
أنا لا اقصد إخافتك وربما أنت معتاد على هذا النوع من المواجهات فهذا هو عملك، هيا أسرع فأنا محرج من زوجتي وأهلها الذين رضوا تزويجي رغم أنني رجل فقير، أعيل أبي وأمي وثلاثا من أخواتي غير المتزوجات، كما أنني غير مهندم وسيارتي ابتعتها مستعملة وقديمة من نوع هيونداي أكسنت. أعتقد أنك تفهم معنى أن تكون فقيرًا. تفهم…
في المقابل، زوجتي من عائلة ميسورة الحال، تعمل ممرضة وسيارتها فارهة. لا تشبهني في شيء لكنها أحبتني، لا أعلم كيف ولماذا ولكنني مؤمن أن الله رزقني بها جزاء صبري؛ فأنا أعمل منذ عشرة أعوام ولم أفكر في الزواج سوى مؤخرا؛ فقد عجزت سابقا عن توفير متطلبات الزواج. أنا الإبن الوحيد ودخل أبي المالي لا يكفي لتلبية غلاء الحياة المستمر. تقاسمت راتبي مع أبي بالنصف، رممت المنزل كاملًا كما كلفني علاج أختي الكبرى في الخارج الكثير. ولم يكن يهدأ لي بال حين يحتجن أخواتي شيئا ولا أتمكن من توفيره. أحمد الله أنني بعد كل هذا حصلت على زوجة ترضى بي وبمشاكلي.
حين تزوجنا اشترطت علي أن نخرج لنعيش في منزل خاص وقد وعدتها بذلك حين تتحسن أوضاعي المالية وقد يحدث ذلك قريبا فأنا أنتظر ترقية. وحتى لا تشعر زوجتي أنها انتقلت من منزل أبيها الكبير إلى منزلي القديم؛ بنيت غرفة كبيرة في السطح وابتعت أثاثا راقيا. أخواتي الثلاث رأين أن هذا تبذير واسراف غير مبرر وعلّقنَ قائلات: “هذا كله حالها! عساها للدود وللفئران”.
لكن يا رفيق أنت قم بعملك الآن و تخلص من النمل و الرمة و الفئران فأنا أريد زوجتي … لم أصدق أنني تزوجت بعد تضحية كلفتني الكثير من عمري واستمرت طويلا جدا … و ما زالت.

حمد المخيني

إلى الأعلى