الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / المدينة العربية وأعباء الصحراء

المدينة العربية وأعباء الصحراء

أ.د. محمد الدعمي

”عندما سمعنا لأول مرة (على سنوات القرن الزائل، على أغلب الظن) بما يسمى بـ “التخطيط الحضري” شعرنا بالصدمة الحضارية التي أتاحها لنا مخططو المدن الحضريون، فقط لأنهم رسموا لنا شوارع مستقيمة، لا متعرجة ولا ملتوية مثل السكك (الممرات) الصحراوية التي ترسمها حركة الجمال، ذهاباً وإيابا.”
ـــــــــــــــــ
تشبه المدينة العربية الإنسان العربي في انشطاره بين عصرين، الأول يسحبها إلى الوراء باسم “التراث”، والثاني يدفعها إلى الأمام باسم “المعاصرة”. وهكذا يجد المرء شرخاً ملحوظاً بين المدينة العربية، الخليجية خاصة، التي عاش بها آباؤنا وأجدادنا وبين المدينة التي يحيا فيها الإنسان المديني اليوم.
ربما كان جوهر الفرق بين ما كان وبين ما يكون كامناً في وطأة الصحراء على هذه المدينة التي تحاول جاهدة أن تخلع نفسها لتتحرر من تراثها الصحراوي ثم تنطلق متتبعة خطى المدن الأوروبية والأميركية الحديثة. ولكن، لولا الإنسان العربي الذي لا يريد أن يغادر ذهنية الصحراء بأعبائها وقساوتها وتقلباتها: بين الحار والبارد، الخشن والرقيق، الجاف والرطب، وهكذا.
المدينة التي عاش فيها الجيلان أو الثلاثة السابقة كانت مدينة “متصحرة” بحق، إذ كانت دائماً تعاني وطأة الصحراء (وهي الحقيقة الأقوى في العالم العربي) عبر زحف الكثبان الرملية والعواصف الترابية، إذ تجدها أشبه ما تكون بحسناء تمد أقدامها في المياه الباردة، ولكن تستحي أن تغتسل عارية بتلك المياه. لذا عبّرت المدينة العربية عن هذا الشرخ بين المدنية والبداوة. يتجسد هذا الشرخ في أزقتها وممراتها (إذ لا يمكن أن تسمى هذه الممرات شوارع). هي ممرات خانقة متعرجة وملتوية، صاعدة ونازلة، أشبه ما تكون مرآة للوجود البدوي في الصحراء. الإنسان البدوي لا يسير على نحو مستقيم، لأن الفضاء الأرضي مفتوح أمامه على نحو لا منته. حادي العيس ليس بحاجة لأن “يركن” جماله إلى جانب الممر أو السكة الصحراوية!
إن العمارة في المدينة العربية التقليدية التي سوغت لنا “نظرية التراث” تعظيمها والحنين إليها، فهي لم تكن لتزيد عن نتوءات ترابية، مصنوعة من الطين المشوي ناتئة من الأرض. لسنا بحاجة لسوى بضعة صور فوتوغرافية من تلك التي احتفظ بها لنا أوائل الأوروبيين الذين جاؤوا لمدننا ما بين نهاية القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين. هذه الصور، خاصة الجوية منها، تشعر المرء بالإحراج نظراً لعدم وجود أنساق هندسية معينة يمكن للمرء أن يستمكنها ليدعي بأن المعمار التقليدي كان يحافظ ويغذي نظرية عمارة مدنية: فلا شوارع مستقيمة ولا بنايات تكعيبية متسقة. هي بنايات أنشئت كما كانت تنشأ الخيم البدوية في اليباب اللا منته، حيث يطفو الإنسان، بلا حول ولا قوة، بين فضائين لا نهائيين: زماني ومكاني؛ أو ” زمكاني”!
لم تكن المدينة “التراثية” قادرة على تنشئة أجيال من اصحاب الرؤى الواسعة التي لا يمكن أن تكون بدون وجود الكتلة والضوء، الارتفاع الشاهق والظل المهول: هذه هي سجايا المدن التي تبتنيها الأقوام الجبلية لأنها تكتسب هذه الصفات من هول الجبال وغياهب الأودية والغابات.
لم تكن أعين النشء والشبيبة المحلية متدربة على الأحجام الطبيعية المهولة الكبيرة التي تحدث ثورات في دواخل الوعي المحجم بالصغير والمختصر والمحدود.
عندما سمعنا لأول مرة (على سنوات القرن الزائل، على أغلب الظن) بما يسمى بـ” التخطيط الحضري” شعرنا بالصدمة الحضارية التي أتاحها لنا مخططو المدن الحضريون، فقط لأنهم رسموا لنا شوارع مستقيمة، لا متعرجة ولا ملتوية مثل السكك (الممرات) الصحراوية التي ترسمها حركة الجمال، ذهاباً وإيابا.
قدم التخطيط الحضري للعقل العربي الذي ينوء تحت أعباء الصحراء حتى الاختناق “رجة وعي” بحق: فقد طلب منا أن نمد أنابيب صرف للمياه الثقيلة وأنابيب أخرى لتجهيز المياه الصالحة للاستهلاك البشري. في الصحراء، لم يكن هذا العقل ليتدبر مثل هذه الشبكات المعقدة، فهو ليس بحاجة للتخلص من المياه الثقيلة بفضل الطبيعة الرملية للأرض، وهو لم يكن بحاجة لشبكات المياه الصالحة للاستهلاك البشري لأنه كان يحملها معه وينقلها معه ويستخدمها بالحد الأقصى من الاقتصاد والحذر لأنها كانت سر وجوده وبقاء حيواناته.
وإذا كان البابليون والآشوريون قد اقاموا مدناً تعتمد الخطوط المستقيمة والزوايا الحادة، فإن ذلك لم يكن سوى استجابة لتوفر المياه والمشاهد الضخمة، ناهيك عن قرب مدنهم من الكتل الصخرية الجبلية المهولة، بدليل بناء نبوخذ نصر “جنائن بابل المعقلة”، التي لم يتمكن بشر حتى اللحظة من اكتشاف الطريقة التي كانت ترفع بواسطتها مياه الفرات لسقاية طبقات الجنائن العليا التي أخذت مكانها في سلسلة “عجائب الدنيا السبع”.

إلى الأعلى