الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تركة مبارك

تركة مبارك

محمد عبد الصادق

”.. النظام هو من أعطى الضوء الأخضر للفساد، فمبارك كان كلما سئل عن خططه لرفع العبء عن الموظف محدود الدخل، كان رده: “اتركوا الموظف في حاله وهو بيحل مشكلته بنفسه”، وتلقف الموظفون ضعاف النفوس هذه الرسالة من الرئيس ليفتحوا الأدراج على مصراعيها ويرفعوا الحرج عن المواطن راغب الخدمة بطلب الرشوة (ببجاحة) دون أن يهتز لهم رمش.”
ـــــــــــــــــــــــــ
في الوقت الذي ثار فيه المصريون على نظام مبارك بسبب الفساد والتوريث، اكتشفنا للأسف الشديد انتقال هذه العدوى البغيضة إلى قطاعات كبيرة من المصريين، استمرأوا الفساد ومارسوه على أنه أمر واقع، ورغم مرور 4 سنوات على سقوط النظام ما زالت خفافيش الفساد تعشش في دهاليز الجهاز الإداري للدولة المصرية، وكثيرون ممن عانوا من التوريث في عصر مبارك، أصبح كل همهم الآن أن يورثوا أبناءهم وظائفهم بأي شكل بغض النظر عن التخصص أو الكفاءة.
وأذكر أنه في أواخر التسعينيات، جاءتني إحدى النساء تطلب مساعدتي باعتباري صحفياً لي علاقات واتصالات مع المسؤولين، وكانت تشكو من نقل زوجها الذي يعمل بإحدى إدارات المرور بالقاهرة إلى إدارة نائية ليس فيها تعامل مع الجمهور، بعد ضبطه متلبساً بتقاضي رشوة من أحد المواطنين مقابل إلغاء المخالفات المرورية على سيارته، واكتفى رئيسه في العمل بنقله من الإدارة وعدم تصعيد الموضوع رأفة به لأن في رقبته “كومة عيال” وأنها السابقة الأولى له.
قلت للمرأة الشاكية: أين المشكلة ألا يتقاضى زوجك راتبه كاملاً في المكان الجديد؟! .. نظرت إلي ّ المرأة بامتعاض مستنكرة وارتفع صوتها : “عن أي راتب تتحدث أنه كان يكسب ضعف هذا الراتب يومياً من عمله السابق، رددت عليها: ولكنه مال حرام ..رشوة صريحة .. لم تطق المرأة كلامي وصاحت في وجهي بتحدٍ ونزق: بل رزقي ورزق أولادي، وانصرفت غاضبة، وهي تتمتم بعبارات أقرب إلى السباب، مبدية ندمها على اللجوء لأمثالي من “الأفندية” الذين يعيشون في أبراج عاجية ولا يحسون بمعاناة الناس المطحونين.
جلست أضرب كفاً بكف، وتذكرت أيام زمان عندما اختفى أحد الجيران هو وأسرته من الحي، وعندما تقصيت عن السبب أخبروني، أنه اتهم بالاختلاس وخوفاً من الفضيحة، وتسرب الخبر بين الجيران، لم يتحمل الرجل ولم يجرؤ على المواجهة وآثر الانسحاب من الحي بأكمله والهجرة لمكان بعيد لا يعرفه فيه أحد.
أما في عصر مبارك فتحولت الرشوة إلى شطارة، والاختلاس إلى تفتيح مخ، والنصب إلى فهلوة، وأصبح نهب المال العام والاستيلاء على أراضي الدولة دليلا على السطوة وقوة النفوذ، وصل بنا الحال إذا أمسكنا الحرامي وهو يضع يده في “جيب” الضحية .. نجد الأغلبية تقول: اتركوه “دا راجل غلبان بيجري على كوم لحم”.
وفي عصر مبارك لم يعد المزارعون ولا الصانعون ولا التجار الشرفاء هم من يمتلكون المال والجاه كما كان في السابق، بل استقرت الأموال في جيوب مافيا الأراضي، وسماسرة العقارات، وكبار المهربين والمحتكرين وظهر وسطاء لتسهيل المصلحة، بين أجهزة الدولة الفاسدة ورجال الأعمال الطامعين في مكاسب ليست من حقهم.
انتشرت مصطلحات ومهن لم نكن نعرفها من قبل مثل “السبوبة ” و”المخلصاتي” و” الكومسيونجي” و” السيلزمان” و”الماركيتينج” هؤلاء يتقاضون أعلى المرتبات ويركبون أفخر السيارات، حتى لو لم يحصلوا على مؤهلات دراسية، بينما الأطباء والمهندسون والمدرسون الشرفاء ينظمون وقفات احتجاجية واعتصامات من أجل الحصول على راتب 1200جنيه ( 160 دولاراً) ويعانون الأمرين لتكملة الشهر بالراتب الحكومي الهزيل.
والنظام هو من أعطى الضوء الأخضر للفساد، فمبارك كان كلما سئل عن خططه لرفع العبء عن الموظف محدود الدخل، كان رده: “اتركوا الموظف في حاله وهو بيحل مشكلته بنفسه”، وتلقف الموظفون ضعاف النفوس هذه الرسالة من الرئيس ليفتحوا الأدراج على مصراعيها ويرفعوا الحرج عن المواطن راغب الخدمة بطلب الرشوة (ببجاحة) دون أن يهتز لهم رمش.
والآفة الثانية التي تركها مبارك للرئيس القادم هي “التوريث” والذي كان سببا رئيسياً للإطاحة بمبارك رغم حرصه الشديد على نفي هذه التهمة حتى آخر يوم له في الرئاسة، ولكن الواقع كان يقول خلاف ذلك، فجمال مبارك كان الحاكم الفعلي لمصر خلال السنوات الأخيرة، بسيطرته على التشريع في مجلس الشعب عن طريق لجنة السياسات بالحزب الوطني المنحل أو باحتكاره تعيين رئيس الوزراء، ووزراء المجموعة الاقتصادية بينما ” الهانم” تعين وزراء الثقافة والإعلام والتعليم، وتتبقى، الدفاع، والخارجية، والداخلية للرئيس.
وانتقلت آفة التوريث من مبارك إلى معظم قطاعات ومؤسسات الدولة المصرية، بل تم تقنين التوريث في بعض المؤسسات كالقضاء، والنيابة وأصبح من حق عضو الهيئة القضائية إلحاق ابنه أو قريب له من الدرجة الأولى بسلك النيابة، بغض النظر عن التقدير الدراسي الحاصل عليه، بينما يستبعد أوائل الدفعات والحاصلون على تقدير امتياز، مما حرم القضاء المصري من كفاءات علمية وقانونية، وأثقله بكوادر متواضعة أثرت على أدائه كثيراً، وأحزن كثيراً عندما أرى قاضياً يجلس على المنصة ليتلو منطوق الحكم وحيثياته وأراه ينصب المرفوع، ويسكن المنصوب، ويعاني لقراءة جملة بشكل صحيح، وأترحم على قضاة مصر العظام، التي كانت كلماتهم، واللغة التي يديرون بها الجلسات مثالاً يحتذى في الفصاحة، وغزارة الثقافة، وسعة المعرفة، والتمكن من اللغة.
وامتد التوريث للسلك الدبلوماسي، وكلنا نتذكر حكاية الشاب المتفوق الذي تقدم لوظيفة ممثل تجاري بوزارة الخارجية ورغم اجتيازه الاختبارات الشفوية والتحريرية، تم استبعاده لأنه ابن فلاح فقير، وتم كتابة جملة “غير لائق اجتماعيا” أمام اسمه مما دفعه للانتحار.
وبسبب انتشار البطالة وندرة فرص العمل تحول كل أب إلى مبارك، يريد توريث ابنه وظيفته، فتذهب لطبيب كبير في عيادته بوسط البلد وتدفع مبلغاً معتبراً للحصول على خبرة الطبيب الشهير في التشخيص والعلاج، وعندما تدخل حجرة الكشف تفاجأ بشاب صغير السن، قليل الخبرة، وعندما تستفسر تكتشف أن الطبيب الأب تقاعد وورث عيادته لابنه الطبيب الشاب بالاسم الشهير وسعر الكشف المرتفع الذي وصل إليه الأب بعد سنين من العمل والكفاح.
وانتقلت عدوى التوريث كذلك للجامعات والشرطة والجيش، والبنوك، ودور الصحف، والإذاعة والتليفزيون والرقابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات، ولم تسلم منها حتى منشآت القطاع الخاص ضاربة بعرض الحائط قواعد المنافسة واقتصاديات السوق.
ورغم قيام ثورتين ما زال الفساد والتوريث هاجساً يؤرق المصريين ويصيبهم بحالة من الإحباط واليأس في التغيير، رغم الدماء التي سالت والخسائر التي تكبدتها مصر منذ اندلاع ثورة يناير.
وعلى الرئيس القادم إذا أراد النجاة؛ الانحياز للمواطن الفقير الذي عانى الأمرين من الفساد والتوريث، وعليه إتاحة الفرص أمام الجميع، وعدم الخضوع لابتزاز رجال الأعمال وأصحاب المصالح، والنأي بأولاده وأقاربه عن بريق السلطة، وأروقة الحكم، لأن الشعب أصبحت عيونه مفتوحة وسقط حاجز الخوف والصمت، وزالت الحصانة عن الجميع.

إلى الأعلى