السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : أغادر لأبقى

باختصار : أغادر لأبقى

زهير ماجد

اغادر السلطنة، لكني لا أغادر .. هنا القلب يظل حيث وجد هواه وحيث محبته ومحبة الآخرين .. انها مقياس في سياسة العلاقات الانسانية. اقول اني اغادر، وفي الحقيقة، اطبع قلبي على بوابات “الوطن” واشهد اني تاركه حيث علق فيها.
في “الوطن” كتبت السياسة، كما كتبت انسانيات، وفيها حاولت ان اتعب فلم استطع .. انا ملاذ راحة نفس تتوق إلى التجانس .. انها ولادة نفس تسعى منذ طلقتها الاولى إلى الحلم الذي احبته.
“الوطن” حب كبير، صار له عمر وصارت له ركائز .. منذ ست عشرة سنة وانا اكتب التاريخ.. كله تاريخ في صفحات مسجلة لي وعلي. لم اغادر هذه الصفحة يوما، ظللت ارسم الكلمات وارصفها مثل لحظاتها المتداعية .. اعرف ان الكلمات تصيب وبعضها يخيب، واعرف ان لحن الكلمات موسيقى قلب عاشق للسلطنة يريد ان يغادر لكنه يظل، يركب الطائرة لكنه يبقى، يعلو في الأجواء لكنه يحط على الأرض ويبقى.
كم تأسفت حين قررت السفر وانا اعرف صعوبة ان اغادر وهنالك الأحبة .. امبراطورية كبيرة وعلى رأسها حالم يعرف سياسة الواقع ولا يتجاوزه لحظة.
أغادر السلطنة على أسف لكني لا اغادر، هل يظل عاشق المكان واقفا حيث اراد القلب ان يظل يقظا مرتبطا بالمكان الذي يعصى على الرحيل، وان اراده فلا يرحل. هنا المشكلة، من اين تأتيني الشجاعة كي اقف في المطار مودعا اجمل الأماكن، مغادرا إلى حيث ما يقولون عنه وطن سوف يستقبل بعد ساعات .. حين تحط الطائرة لن يكون موجودا، لقد ظل هناك، في الكلمات بقي، في الحلم ايضا، في اشتهاء الحروف التي ألفت مكانا لا يمكن تركه بسهولة.
حيرة مؤرقة .. ليس سرا ذلك الحوار بين المكان الذي بقيت فيه وبين المكان الذي غادرت إليه .. في الحقيقة هي المغادرة الوهمية التي تعصى على الفهم ان حاولنا فهمها. لا يصح في هذه الحالة سوى ان يقبل المرء عصيانه على المكان.
انها المغادرة، انه الوهم، بل هو وهم الحقيقة التي قالت ان المغادر قد غادر فيما وجدوه واقفا يتأمل مشهد رحيله ولا يرحل.
لي في “الوطن” اخوة، اصدقاء من نوع الفوارس .. عالم يصنع في كل يوم ما هي الصحافة في ادق مواعيدها.
إنها المغادرة، في لحظة العمر ثمة مغادرات صعبة، قد تحصل وثمة ما لا يحصل، وهنالك ما يحصل لكنه يظل وهما إلى ان يتم ضبطه في لحظاته الأخيرة على انه غادر، لا بل بقي حيث غادر .. !

إلى الأعلى