السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مسيرة العقل (2)

مسيرة العقل (2)

أ.د. محمد الدعمي

”.. إذا ما كان من الواجب “النبش” في التربة التي تجذرت بها أنظمتنا التربوية اليوم، على سبيل استمكان الخلل، فإن علينا، في المشرق العربي خاصة، أن نلاحظ بأن الأنظمة التربوية القائمة اليوم، بغض النظر عن تقلباتها وافتقارها لفلسفات تربوية متجانسة ورفيعة وبعيدة النظر، إنما انطلقت من ردود أفعال مؤقتة واندفاعية لا يمكن اعتمادها للتنشئة بالمستوى الرفيع المطلوب.”
ـــــــــــــــــــ
إذا ما اضطر المرء إلى تأشير التقلبات الاعتباطية والعشوائية أحياناً، التي تشوب مناهجنا الدراسية والفلسفات التربوية الكامنة خلفها، بعضاً من أسباب غياب الاتساق وتفاوت المخرجات التي تقدمها مؤسساتنا التربوية والتعليمية على مستوى العالم العربي، فإن للمرء أن يدعي بأن هناك جذوراً تاريخية لهذه الظواهر التي تركت آثارها على شخصيات النشء والشبيبة وأدوارها في مختلف الدول العربية.
وإذا ما كان من الواجب “النبش” في التربة التي تجذرت بها أنظمتنا التربوية اليوم، على سبيل استمكان الخلل، فإن علينا، في المشرق العربي خاصة، أن نلاحظ بأن الأنظمة التربوية القائمة اليوم، بغض النظر عن تقلباتها وافتقارها لفلسفات تربوية متجانسة ورفيعة وبعيدة النظر، إنما انطلقت من ردود أفعال مؤقتة واندفاعية لا يمكن اعتمادها للتنشئة بالمستوى الرفيع المطلوب.
بدأت هذه الأنظمة التربوية على نحو ارتدادي عاطفي، رد فعل للنخب الثقافية العربية ضد سياسة التتريك التي اعتمدتها روح مرحلة “التنظيمات” Tanzimat في الدولة العثمانية، أداة لفرض التركية العثمانية على الأقوام غير التركية أو غير التركمانية التي تقطن الأقاليم العثمانية، ومنها الأقاليم العربية في العراق وبلاد الشام. والحق، فإن كامل ما يسمى بـ”الحركة القومية العربية” يضرب بجذوره في هذه التربة، لأن العرب بطبيعتهم يعتزون بلسانهم أيما اعتزاز، ليس فقط لأنه لسان نبي الإسلام وكتابه المقدس ولسان أهل الجنة، ولكن كذلك لأن اللغة العربية هي إناء ما يسمى بالحضارة العربية/الإسلامية التي كان جلها منجزاً لفظيًّا، من الشعر الجاهلي إلى قعقعات الشعراء العباسيين، ومن ثم المحدثين.
كان رد الفعل العربي ضد قسرية “الروح الطورانية” التي أرادت فرض التركية بدرجة من القوة أنها جعلت النخب العربية في المشرق العربي تندفع على نحو متعام لاحتضان النماذج والفلسفات التربوية الأوروبية الوافدة، بدائلاً عن التركية وثقافتها وأدواتها التربوية.
وإذا كان ذلك قد تجايل مع صعود الروح القومي في أوربا، خاصة بعد الوحدة الألمانية والوحدة الإيطالية، فقد استحالت اللغة القومية آصرة قومية (كما يحدث اليوم في الأجزاء الشرقية من أوكرانيا إذ يطالب سكان هذه الأقاليم بالانضمام إلى روسيا تأسيساً على وحدة اللغة).
لهذه الأسباب اندفع التربويون العرب الأوائل نحو العربية بوصفها العمود الفقري لأمة، افترضوا أنها قوية وموحدة بفعل اللسان المشترك، متجاوزين الأقليات وشخصياتها الثقافية. إلا أن أخطر ما قاد إليه هذا الموقف “القومي” الانفعالي يتمثل في اختلال التوازن في الأولويات من ناحية الفلسفات التربوية، زد على ذلك الميل القوي إلى الإقلال من شأن الدرس الديني الإسلامي، لأنه تذكير بـ”الرابطة الإسلامية” التي رفع السلطان العثماني شعارها لتكريس ضم الأقاليم غير التركية إلى سلطة “الباب العالي” تأسيساً على آصرة الدين، خاصة عندما راحت التطلعات الكولونيالية الأوروبية في الأقاليم العربية تنحو نحواً استفزازيًّا جاداً، بل ومسلحاً في أحيان عديدة.
وإذا كان هناك من التربويين العرب الذين انغمسوا بالتأثير الأوروبي حد تقديس اللغات القومية الأوروبية وتفضيلها على العربية، فإن هناك منهم من “انكمشوا” ضد هذا التأثير حد مقاومته وكراهيته.
وكانت النتيجة النهائية لهذه التفاعلات نوعاً من “مركب نقص” قاد إلى نمط من الذيلية التربوية القائمة الآن على نحو واضح المعالم، وأقصد بها الذيلية للأنظمة التربوية السائدة في دول العالم الغربي، الأوروبي خاصة: كل ما هو ألماني أو فرنسي أو أميركي أو بريطاني يبدو متفوقاً في الأعين العربية، بالرغم من أن البريطانيين والأميركان راحوا يستعينون بالصينيين والهنود وبعلومهم على سبيل الاستفادة منهم ومنها في كل مضمار!
في الوقت الذي راح الغرب فيه ينتزع التقليدي، رحنا (متأخرين، للأسف) نتسابق إلى ما ينزعه الغرب، وكأننا سعداء بـ”الملابس المستعملة”!

إلى الأعلى