الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / أسلحة الليزر .. من أفلام الخيال العلمي إلى الواقع
أسلحة الليزر .. من أفلام الخيال العلمي إلى الواقع

أسلحة الليزر .. من أفلام الخيال العلمي إلى الواقع

طارق سرحان

لطالما شاهدنا تلك الأسلحة القاتلة التي يخرج منها شعاع من الليزر يفتك بكل من يقف عائقاً في طريقه، كتلك التي استخدمت في سلسلة أفلام حرب النجوم أو”Star Wars”، والتي تتنوع أشكالها وأحجامها، وأبرزها تبدو كقطعة خشبية ملساء لا أهمية لها، لكنها تتحول بضغط زر لسلاح ليزر مرعب.
لوقت ليس ببعيد، توقعنا أن تلك الأسلحة ستظل جزءا من أفلام الخيال العلمي الهوليودية، الا أنها حاليا تقترب من ساحة المعارك الحقيقية وذلك بفضل الألياف البصرية. حيث باتت في طريقها اليوم لان تصبح جزءا فعليا من معدات الجيش الأميركي وإن كانت قدراتها لا تصل إلى ما هي عليه في السينما. وبذلك ستبقى سيوف الليزر المضيئة المفضلة لدى محاربي “جيداي” في عالم الخيال في الوقت الحالي، وإن كانت سنوات من العمل والتطوير أتاحت البدء بتزويد طائرات وعربات الجيش بعض أسلحة الليزر.

ــ تقنية الليزر

ظهر أول ليزر واقعي في عام 1960، وذلك بعد أن تعرف عليها البشر من خلال ألعاب الفيديو
وأفلام الخيال العلمي، فهي عنصر أساسي فيهما.
وتستخدم أسلحة الليزر، أشعة بدلًا من الذخيرة العادية لإصابة الأهداف الانعكاسية.
ويرجع الفضل في تطوير نماذج عديدة من هذه الأسلحة في السنوات الأخيرة بالولايات المتحدة، وأوروبا، إلى ظهور ليزرات محمولة، وقوية، ورخيصة نسبيًّا، يمكنها توليد أشعة ليزرية باستخدام الألياف البصرية.
وتُقاس قدرة أسلحة ليزرات الألياف بوحدة “كيلواط”، وهي أقل كثيرًا من قدرة أسلحة الليزر المُقدَّرة بوحدة “الميجا وات”، والمتصورة لمبادرة الدفاع الاستراتيجي الأميركي، وهي خطة الحرب الباردة التي باءت بالفشل، حيث كانت تسعى إلى استخدام الليزر في تعطيل الصواريخ الباليستية التي تحمل رؤوسًا نووية حربية.
أما الأسلحة الحديثة، فهي أقل طموحًا، وعلى شفا الانتشار في العالم الواقعي. فالاختبارات المماثلة لتلك التي أُجريت على منظومة “بوينج”، تبيِّن أن تلك الليزرات لديها ما يكفي من القوة للتغلب على تهديدات المجموعات الإرهابية، بجزء صغير من تكلفة الدفاعات التقليدية.
ــ عصر جديد من الحروب
في بداية الامر، قامت شركة “بوينج” للصناعات الجوية العملاقة في شيكاجو، إيلينوي، بتطوير نموذج محمول من أجهزة الليزر عالية الطاقة “HEL MD”، وهو نموذج أوّلي لسلاح لِيزَرِي تم تطويره للجيش الأميركي، عبارة عن جهاز مكعب الشكل ويُطلق حزمة أشعة تحت حمراء غير مرئية؛ لتدمر هدفًا تلو الآخر.
تصف ستيفاني بلونت، وهي مهندسة فيزياء إلكترونية في “بوينج” التجربة وتقول: “إنها حل فعال جدًّا من حيث التكلفة لإنتاج وتطوير أسلحة رخيصة، كأنك تصنع مَدافع الهاون الصغيرة، أو الصواريخ من أنابيب الصرف الصحي”.
في أواخر عام 2014، أعطت قيادة سلاح البحرية الأميركية أوامر لسفينة الإنزال “يو إس إس بونس”، وهي سفينة دعم برمائية في منطقة الخليج، ترابط على ظهرها قاعدة القوات الخاصة، باستخدام مدفع الليزر المعروف باسم “إل. إيه. دابليو. إس.” للدفاع عن نفسها، يمكن لهذا المدفع، الذي يعمل بقوة 30 كيلواط، أن يدمر قوارب صغيرة مثل التي يستخدمها الإرهابيون والقراصنة، وجاء هذا القرار بعد نجاح اختبار منظومة الليزر الذى استغرق بضعة أشهر حيث صيغت أيضا قواعد استخدام السلاح الجديد. وجرت عملية اختبار سلاح الليزر فى الخليج العربى، حيث دمر مدفع الليزر بنجاح طائرة بدون طيار، وأحرق زورقا مطاطيا فى عرض البحر.
ووفق ما أذاعه سلاح البحرية لوسائل الإعلام فإن سلاح الليزر تم نصبه فى أحد أبراج سفينة الإنزال. ولم تذكر تفاصيل أخرى. بل اكتفت بالقول إن البحرية الأميركية تعتزم البدء فى اختبار منظومات ليزر أخرى خلال عامى ٢٠١٦ و٢٠١٧ تبلغ قوتها ١٠٠ـ ١٥٠كيلواط.
ليست أميركا وحدها هي من تعمل على تطوير تلك النوعية من الاسلحة، وإن كانت كافة الشركات الكبيرة للصناعات العسكرية، من بوينج إلى لوكهيد مارتن ونورثروب جرومان ورايتيون، تعمل على تطوير نماذج للبنتاجون.
فلم تمر سوى ساعات حتى خرجت روسيا عن صمتها. حيث تسربت أنباء عبر وسائل الإعلام الروسية قالت بأنه وفقا لمعلومات الخبراء، تعمل روسيا أيضا، بالتوازى مع الولايات المتحدة الأميركية، على صنع سلاح الليزر، لكنها ستضع سلاحها فى الجو، بينما يضع الأميركيون سلاح الليزر على متن السفن البحرية.
يقول الجنرال يوري بالويفسكى، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، فى تصريح صحفى، إن روسيا أيضا تعمل على اختراع سلاح الليزر.
ويوضح الجنرال بالويفسكى “أستطيع أن أقول إن جميع الدول القادرة على اختراع السلاح تعمل على ابتكار أسلحة جديدة”.
وتشير بعض وكالات الانباء الاجنبية، أن التنافس الأميركي الروسي جاء على خلفية ما أعلنته الصين عن نجاحها فى تجربة لتطوير نظام جديد ودقيق يعمل بأشعة الليزر يمكنه إسقاط الطائرات الخفيفة بدون طيار التى تحلق على ارتفاعات منخفضة وذلك فى بداية شهر نوفمبر 2014. فقبل وقت طويل من التجربة الأمريكية الأخيرة، وتحديدا فى شهر ابريل عام ٢٠١٣، إتجهت الأجهزة الدعائية الروسية إلى إثارة دول الشرق الأوسط ضد النشاط الأميركي الليزري في المنطقة وذلك بنشرها لفيلم فيديو وتعليقات وتحليلات تشير إلى وجود برنامج أميركي لتدمير الشرق الأوسط بالليزر.

ــ نموذج “لوكهيد مارتن”

ومنذ أسبوع واحد فقط، أعلنت شركة لوكهيد مارتن وهي أكبر شركة للصناعات العسكرية في العالم، عن سلاح يعمل بالليزر بقوة 60 كيلواط سيتم تركيبه قريبا على شاحنة للجيش لاختباره في ميدان العمليات ضد مدفعية الهاون والطائرات المسيرة الصغيرة.
والسلاح مصمم لإسقاط طائرة بدون طيار من مسافة 500 متر تقريبا من خلال تصويب شعاع الليزر عليها لبضع ثوان، وفق ما شرح جيم موردوك مدير التطوير التجاري الدولي لدى لوكهيد للصحفيين خلال لقائه معهم خلال الأسبوع المنصرم. ولكن خلافاً لما يحدث في الأفلام، لا يمكن رؤية شعاع الليزر بالعين المجردة. ولدى تركيز الشعاع على قذيفة هاون على سبيل المثال، يعمل الشعاع بسرعة على تسخينها فتنفجر في الهواء. وهو عمل رائع لأن القذيفة تنطلق بسرعة عدة مئات الأميال في الساعة. وباستطاعة شعاع الليزر كذلك اختراق الغلاف الخارجي للطائرة المسيرة وجعلها تتحطم. وتملك كل اجهزة الليزر التي يجري اختبارها في الوقت الحالي القدرة نفسها.
وعن النموذج يقول مارك جونزينجر الخبير في مركز التقويمات المالية والاستراتيجية المختص بشؤون الدفاع في واشنطن أن هناك تسارعا كبيرا في المخرجات الصغيرة نسبيا، متوقعا خلال بضع سنوات، تصنيع نماذج أقوى تصل قدرتها إلى 150 كيلواط وربما أكثر. ويمكن لسلاح بهذه القوة أن يسقط صاروخا عبر استهدافه من الجنب، حيث يكون غلافه أضعف.
ويوضح إن قوات العمليات الخاصة ترغب في اختبار مثل هذا النظام بحلول سنة 2020 على طائرة “اي سي ــ 130″ الثقيلة للهجوم الأرضي المختصة بإسناد القوات البرية. وخلال ست إلى ثماني سنوات، قد تبدأ القوات الأميركية باستخدام أنظمة ليزر بقوة تزيد على 300 كيلواط، وفق جونزينجر. ويمكن لهذه القوة أن تعترض صاروخاً في الجو باستهداف رأسه مباشرة. وبالتدريج، سيكون من الممكن الاقتراب أكثر واقعيا من عالم الخيال.
ويدرس الجيش الأميركي أيضاً امكانية تركيب انظمة ليزر على طائرات مسيرة تحلق على ارتفاع منخفض جداً لجعلها قادرة على اسقاط صواريخ بالستية بعد اطلاقها بوقت قصير. ومن مزايا أنظمة الليزر بالنسبة للجيش قدرتها على حيازة قوة نارية غير مكلفة ولا حصر لها. فخلافا للمدافع التقليدية التي تحتاج لتلقيمها، لا يحد عمل مدافع الليزر غير كمية الكهرباء التي يمكن توليدها.
ويعتبر جونزينجر الليزر واعدا بشكل خاص على الطائرات الحربية التي يمكن نظرياً تزويدها بخزان لا ينضب من القوة النارية لمواجهة الصواريخ المعادية. ويضيف “لا يتعين على الطائرة العودة إلى قاعدتها للتزود مجدداً بالذخيرة”.
ــ تحديات
هناك تحديات كثيرة مازالت تواجه استخدام أنظمة الليزر على نطاق واسع، حيث يشدِّد المطوِّرون على الحاجة إلى تعزيز قوة السلاح، خاصة في الأجواء التي يعمل فيها الليزر بصعوبة، مثل الضباب والغيوم. وبرغم ذلك، بدأ المتخصصون في مجال الدفاع والأمن في أخذ الليزر على محمل الجد. وصدر تقرير في هذا الصدد عن أسلحة الليزر في مؤخرا، كتبه بول شار، وهو متخصص في مجال التكنولوجيا المتقدمة، في «مركز الأمن الأميركي الحديث» CNAS الموجود في العاصمة واشنطن. ومما ذُكر فيه: “بعد نصف قرن تقريبًا من السعي، فإن الجيش الأميركي اليوم على أعتاب إرسال أسلحة موجهة للطاقة، ذات صلة من الناحية العملية”.
قوة الليزر لا تزال مشكلة أيضا يجب حلها، فقوة الليزر الـتجاري فئة 10 كيلواط هي الحد الأدنى لسلاح ليزر فعَّال، حيث إن استخدام الألياف البصرية يضع قيودًا على قوة وجودة الشعاع، لعدة أسباب، ليس أقلها أنه عند استخدام قدرات الليزر العالية، يتسبب تدفق الفوتونات عبر الألياف في سخونتها أسرع مما يمكن للألياف أن تشع طاقة السخونة الزائدة وتطردها، وبالتالي يتسبب هذا في ضرر للنظام.
ولتجنُّب ذلك يعكف الباحثون على الجمع بين أكثر من شعاع من عدة ليزرات في السلاح الواحد.
وفي هذا الشان يوضح تسو يي فان، وهو عالِم ليزر في مختبر لينكولن الموجَّه للدفاع، بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في لكسينجتون :” الطريقة المثلى للقيام بذلك هي التجميع الموجي المتسق، بحيث تسير موجات الأشعة من كل ليزر في تشكيل متزامن دقيق محكم”. تُستخدم هذه التقنية على نطاق واسع في تطبيقات الإذاعة والميكروويف، إنّ تحقيق الاتساق الموجي في الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء أكثر صعوبة بكثير، لأنه يجب أن تكون الأطوال الموجية للأشعة من كل ليزر تقريبًا متطابقة، ويجب ضبط مستويات تذبذبها بالضبط، بحيث تتطابق قمم وقيعان كل موجة.
وثمة مشكلة رئيسة أخرى تكمن في الغلاف الجوي، كما يوضح فيليب سبرانجل، كبير علماء فيزياء الطاقة الموجهة، في مختبر الأبحاث البحرية في واشنطن. لا يقتصر الأمر فقط على تشتيت شعاع الليزر عن طريق الغبار والاضطرابات الطبيعية، ولكن مروره خلالهما يسبِّب «التوهج الحراري»، حيث يوضح سبرانجل أنه عندما ينتشر شعاع بقدرة عالية جدًّا، «فإن الغلاف الجوي يمتص ضوء الليزر، مسخِّنًا الهواء؛ مما يتسبب في تشتُّت شعاع الليزر»، حيث يبدد هذا التشتت طاقة الليزر.
الحجم أيضا يعتبر مشكلة اخرى تواجه لوكهيد مارتن، فتزويد الطائرات الحربية بأنظمة الليزر سيحتاج إلى تصغير حجمها.ويعمل المهندسون الآن على تجاوز مشكلة الحجم التي تحد من القدرة على انتاج القوة النارية المحمولة وعلى طرق لتبريد الأنظمة. وترغب لوكهيد في زيادة قوة الليزر المحمول على الشاحنات.
ويقول مردوخ وهو احد المهندسين بالشركة إن “شاحنة مثل هذه تطرح مشكلات هندسية. لن تكون لدينا مساحة كافية للبطاريات ونظام تبريد الليزر الذي يسخن كثيرا عند الإطلاق، هذه بعض التحديات التي نعمل على تجاوزها”. لكن ممثلي قطاع الصناعات العسكرية ومسؤولي الجيش يقولون ان لا شيء يقف في وجه توسيع مجال استخدام الليزر غير التمويل الحكومي.
ــ الميزانية
يبدي الكونجرس الاميركي موقفا حذرا ازاء تلك الانظمة الليزرية. فالمشرعون اوقفوا في 2012 برنامجا مكلفا لتعديل طائرة بوينج 747 لحمل سلاح يعمل بالليزر لاسقاط الصواريخ بعد صرف خمسة مليارات دولار عليه على مدى عشر سنوات من التجارب. وكان سبب رفضهم هو خشيتهم من عدم فاعلية النظام الذي كان يتم خلاله انتاج أشعة الليزر عبر التفاعلات الكيميائية بدلا من الألياف البصرية كما هي الحال اليوم.
غير أن تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة قد تفتح أملًا أمام صناع هذا السلاح لأخذ التمويل الكافي. فقد وعد ترامب بزيادة “تاريخية” في ميزانية الجيش خلال لقائه حكام الولايات، فبراير الماضي في البيت الأبيض الذي أفاد بأن المبلغ المقترح هو 54 مليار دولار. وقال ترامب: “هذه الميزانية تأتي ضمن وعدي بالحفاظ على أمن الأميركيين”، مؤكداً أنها “ستتضمن زيادة تاريخية في الإنفاق الدفاعي”.
وكان ترامب قد اتخذ من ملفي الأمن ومكافحة تنظيم “داعش” محورين أساسيين في حملته الانتخابية. وقد وعد خصوصاً بـ”إعادة بناء” الجيش من خلال زيادة موارده.
وفي بداية فبراير، تحدث قادة عسكريون أميركيون أمام الكونجرس عن جيش أضعف بفعل سنوات من الميزانية غير الكافية وأكثر من عقدين من النزاعات.
ـــــــــــــــــــــــــ
المصادر
وكالة الأنباء الفرنسية
موقع روسيا اليوم الإخباري
مجلة نيتشر العلمية البريطانية

إلى الأعلى