الإثنين 21 أغسطس 2017 م - ٢٨ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “عندما يأتي الليل” .. رحلة البحث عن التراث العماني وكشف الهوية والشخصية

“عندما يأتي الليل” .. رحلة البحث عن التراث العماني وكشف الهوية والشخصية

مسارح الأندية العمانية من خلال المسابقات الشبابية

د.عبدالله شنون
استمرارا لمنهج البحث والتنقيب عن إبداع شباب مسارح الأندية العمانية من خلال المسابقات الشبابية الموجهه نحو الاهتمام بالشباب العماني والارتقاء به فكريا وفنيا وثقافيا، وتفعيل دورهم في مختلف البرامج والأنشطة الرياضية والشبابية ومواصلة مسابقة الأندية للإبداع الشبابي على مدى ستة أشهر بواقع ثلاث مراحل، المرحلة الأولى على مستوى الأندية الرياضية والمرحلة الثانية على مستوى المحافظات، أما المرحلة الثالثة والأخيرة على مستوى السلطنة.
افتتحت فعاليات المرحلة النهائية للمسرح والتي اقيمت على خشبة مسرح الكلية التقنية العليا بمحافظة مسقط، بمشاركة ستة عروض قدمت على مدار ستة ايام وشهدت منافسة وتفاعلا كبيرا من قبل المشاركين من مختلف الأندية الرياضية المتأهلة للمستوى النهائي أمام لجنة تحكيم على مستوى عال من التخصص والتميز في المسرح العماني على المستويين الاكاديمي والفني، فقد تشكلت لجنة التحكيم الرئيسية على مستوى السلطنة برئاسة الدكتور شبير بن عبدالرحيم العجمي وعضوية كل من الفنانة‏ شمعة بنت محمد الهوتية، والفنان سعود بن سالم الدرمكي، والفنان‏‏‏ أحمد بن سعيد الأزكي، والفنان‏ سعود بن عامر الخنجري، اما اللجنة الفنية فقد تشكلت برئاسة الفنان سعود بن عامر الخنجري والدكتور عبدالله بن سالم شنون والفنانة دلال بنت يوسف البوسعيدية. وشارك في التصفيات النهائية الختامية من العروض التي اجتازت بجدارة واستحقاق التصفيات الاولية للمسابقة، وهي مسرحية “عندما يأتي الليل” تاليف : منتصر البلوشي، وإخراج : سالم المياحي، وتقدمها فرقة نادي العروبة. و مسرحية “غافة المنتهى” تاليف: الجلندي البلوشي، إخراج : احمد العويني وتقدمها فرقة نادي مجيس من محافظة شمال الباطنة . ومسرحية “عصف” تأليف : فهد الحارثي، إخراج : عبد الملك الغداني وتقدمها فرقة نادي عُمان من محافظة مسقط . ومسرحية “أتباع” تاليف وإخراج :منتصر اليافعي وتقدمها فرقة نادي النصر من محافظة ظفار. ومسرحية “لقمة عيش” تاليف : جمال الصقر اخراج :محمد سعيد الرواحي وتقدمها فرقة نادي سمائل من محافظة الداخلية . ومسرحية “الناس والحبال” تاليف : فهد بن ردة الحارثي إخراج :عبد الله بن راشد العبري وتقدمها فرقة نادي عبري من محافظة الظاهرة.

عندما يأتي الليل

تدور احداث عرض “عندما ياتي الليل” حول البحث عن التراث العماني، من خلال إزاحة للستار عن ماضي عمان، والكشف عن هوية عمان وشخصيتها ودورها في المنطقة في كل ما قام فيها من حضارات، والمؤرخون العمانيون لم يخالفوا في منهجهم منهج المؤرخين العرب الذين احتفلوا بالقصص والشعر، والذين احتفلوا بمجالات البطولة ينقلون أحداثها ذات الطابع الدرامي، والذي زانه الخيال، وحفل بالحبكة والحركة معا.
حاول النص المسرحي عندما ياتي الليل ـ عند طرحه توظيف الموروث الشعبي ـ الا يقف عند حد الرؤية الماضوية التي تتعامل مع الموروث كحقيقة مطلقة، ولا حتى عند الرؤية الجمالية له رغم ما لهذه الرؤية من أهمية مسرحية لاسيما من حيث البعد الخيالى وتصوير العالم الغيبي، ولا يقف كذلك عند بعض الممارسات والطقوس ذات البعد الحركي والترانيم والأهازيج والإيقاعات بل يتجاوز ذلك كله إلى مساحة ذهنية رحبة تتواءم ونسق الحياة المعاصرة .
وتبدو أهمية استلهام الموروث الشعبي فى مسرحية عندما ياتي الليل في تحقيق الرؤية الداخلية الشفافة لكوامن النفس البشرية، واستخدام الإسقاطات الرمزية والفكرية على الواقع المعاصر، وتوظيف الأجواء التراثية الساحرة، والاستفادة من الشخصيات الأسطورية ذات الخصوبة الدرامية، واضفاء البعد العالمي.
فمؤلف عندما ياتي الليل عمل على إقامة نوع من الجدل بين الأساليب المسرحية ليجعل الجدل الذى يطرحه بين رؤية التراث القصة، ورؤيته هو للقصة التراثية، فيجعل أسلوب الإيهام المسرحى عاملا استعاريا للقضية الفكرية فى القصة التراثية فلم يستدع أسلوب بيرانديللو [ المسرح داخل المسرح ] موظفا إياه كعنصر استعاري، ايضا يحمل رؤية العبثية نحو مصير الإنسان فى مجتمع الزيـف والتنكر، مما يضع الشخصيات والأحداث فى قالب من الفرجة الشعبية.
استمد المؤلف الفكرة من تيمة عمانية باحد المناطق بارجاء السلطنة، فطرحت الفكرة قضايا الزواج واشكالياته عند الشباب، واختيار وتدخل الاهل في اختيار شريك الحياة، من خلال قصة شاب وفتاة ارتبطا عاطفيا دون النظر لموقف والد الفتاة الرافض ذلك الارتباط بسبب ظروف الشاب الاجتماعية وعدم التناسب والتوافق الطبقي والاجتماعي، وأمام اصرار ورفض الأهل يتطور الصراع ويمتد ويتشعب ليطرح صراعا طبقيا من جهة، وصراعا بين الاجيال من جهة اخري، مما ازداد الشاب والفتاة اصرارا وارتباطا فيقرران الزواج ويهربا معا، الامر الذي يخلق حبكة النص واشكالياته التي عجز المؤلف عن حلها، او اراد ان يجعل القضية مستمرة، ضمن قضية اكبر واعمق من ان يغلبها الحب وتتحطم حواجز وعوائق الموروث والمعتقد وتذوب الفروق الطبقية امام العاطفة والحب، من هذا المنطلق تبدو رغبة المؤلف في النهاية المفتوحة.
وقد وفق المؤلف في تجسيد فكرته عبر شخصيات يشعر المتلقي بملامستها للمجتمع مثل : الصديق المرافق للبطل الناصح الامين، وشخصية الرجل الغني الذي يري الجميع طامعين في ثرواته، وشخصية الام الخاضعة المغلوبة على امرها … وهكذا .
فى الجزء الاول من المسرحية التزم المؤلف بخطوط الحبكة التراثية ليطرح فرضيتها الفكرية وهى الشرعية الاخلاقية والحتمية الانسانية تجاه الأهل والآباء، وبالتدريج تبدأ لعبة التنكر فى السير نحو التمرد على الثوابت والعادات البالية، حتى تتحول فى الجزء الثانى من لعبة درامية تعتمد على الايهام الى تراجيديا تطرح فكرة فلسفية هامة، وهى نسبية الحقيقة وتصور الانسان كمجموعة من الأقنعة والادوار والصور المشتتة فى عيون الآخرين على طريقة اسلوب المسرح الملحمى وعناصر الفرجة الشعبية.
فالمؤلف يستعير فكرة المسرح الواقعى البرجوازي القائم على الايهام وفكرة المسرح البيرانديلى القائم على كسر الإيهام وعلى التمسرح. فاستلهم المؤلف النص من التاريخ ساعيا لتحقيق شكل من أشكال الفرجة الشعبية، فسعى المؤلف الى اعادة ما يسمى بمسرحة الحياة من خلال استخدامه للعادات التى يغلب عليها الطابع الاجتماعي من أجل أن يعكس لنا صفحة معينة من تاريخ العادات والتقاليد البالية، وقد استخدم المؤلف اسلوبا خاصا فى التشخيص ساعيا بذلك للتخلص من خطابية المسرحيات ذات البعد الاجتماعي التى عادة ما تكون مباشرة وتقريرية.
وهنا تتأكد الوظيفة الاساسية فى اللجوء الى التراث أو المادة التراثية، حيث البحث عن حكاية شعبية وتحقيق غايتها التى تبعد فى جوهرها عن الملامح الحياتية .
وقد حققت الرؤية الدرامية الوضوح التام للافكار دون خلط للامور او التباس القضايا والمفاهيم، الامر الذي عبر بتجسيد الحالة الشعورية الخاصة بالشخوص الي بر الامان، على الرغم من عمق الرؤية الدرامية التي اتسمت بمواقف واحداث متصلة منفصلة في اطار دائري يسلم كل حدث للحدث التالي وكل موقف يسلم للاخر، وبرغم مرور الازمنة واختلاف الامكنة فالفكر واحد دائم لايتغير والصراع الطبقي وصراع الاجيال قائم، فصراعات المسرحية لازالت حتي زالت، فكانت النهاية المفتوحة بلا حل.
وقد احتفظ العرض بسمة من سمات تناول التراث، كما سعى المخرج منذ بداية العرض المسرحى لكسر الإيهام من خلال مخاطبة الجمهور عن طريق توجيه حوارات الممثلين للجمهور فى رحلة أولية منه لزرع معلومات لدى المشاهد، إذ سرد لنا تاريخا وجيزا ومكثفا للمدينة مصورا أهلها وموضحاً لنا مدى الكآبة التى حلت بأهل القرية بعد هروب الشاب والفتاة.
لقد لجأت هذه المسرحية الى اثنتين من أكثر الحيل الفنية شيوعاً وهما : البناء المركب والرمز الموحد، فعرضت أكثر من خيط يجيء كل منها توسيعاً على القيمة الرئيسية وتأكيدا لها.
المعادل المرئي للنص المبدئى هنا هو رؤية المخرج وهو معادل تفسيري بحت لا يحمل أى مضمون أو دلالة وهذا أوضح فى استخدامه لسيطرة هاجس طمع الجميع في ثروات والد الفتاة فهو يصوره كما صوره الكاتب تماما وفى الحالتين لا تأثير له على مستوى الكلمة والصورة، وأما المشاهد التى ضمت البحث عن الفتاة فقد بلغت ذروة الرؤية من حيث الميزانين وحركة الممثلين ومـا تحمله تعبيراتهم وخلق النماذج والانسجام بين جميع العناصر الحركية، والكلمة والأداء، والموسيقى .
وفى رؤية المخرج حاول أن يقترب كثيرا من الموروث الشعبى فى معظم عناصر العرض وتفصيلاته .. كما حاول أن يطرح فكرا فلسفيا متقدما باتجاه الموروث الذى يتعامل معه .. فلم يقدم الموروث على علته، كما هو فى التاريخ أو كتب التراث، وإنما أعاد قراءة هذا الموروث فى ضوء مشكلات واقعية عصرية لمجتمع عربى شامل ينتمي هو بالأصل إليه.
فمنذ البداية وضعنا المخرج أما حقيقة بارزة هى اننا جميعنا مشاركون فى هذا العرض لأن الاشكاليات والقضايا هى اشكالياتنا اليومية وقضايانا التى تعذبنا وتؤرقنا . ومن هنا ومن البداية كان المخرج يشير فى معظم طروحاته الى قصة أنا … وأنت … وهو كأعضاء فاعلين فى هذه اللعبة المسرحية، كما نحن أعضاء فى اللعبة الواقعية أوالحياتية.
هذا الطرح وهذا التصور سمح كثيرا للمخرج أن يعالج مسرحيته وفق منظور ملحمي مطعم بجرعات واقعية رمزية وشيء من التعبيرية.
لقد كان هذا الخليط مقصودا فى اللعبة الإخراجية لأنه سيساعد المخرج كثيرا على تعزيز موقفه التقدمي تجاه الموروث كشكل وتجاه الأفكار والقضايا كمضامين، فالرؤية الإخراجية كانت منذ البداية فى جميع تفصيلاتها وأجزائها تدفع المتفرج نحو التغيير وتحرضه بشكل علنى على اتخاذ موقف صريح وواضح تجاه الواقع الذى ينتمي إليه ودرء العذاب والضغوط والقهر الذى يمارس ضد هذا الإنسان فى مجتمع انقسم على نفسه طبقيا ظالما ومظلوماً.
وكان الطرح الاستراتيجى فى مفهوم المخرج للتراث وللنص يتمحور حول فكرة واحدة: الى أي مدى تستطيع أن تستفيد من التراث على مستوى الشكل والفكر والجمال فى حل قضايانا وإشكالياتنا المسرحية العمانية.
كانت رؤية سالم المياحي الإخراجية هى جوهر العرض المسرحي رغم ما يحمله النص من أفكار ومعان، عمد المخرج إلى تخفيف حدة هذه الكآبة على الجماهير باستخدامه موتيفات موسيقية معاصرة تميل فى اجوائها إلى المرح والرقص وهو فى استخدامه هذا ياخذ الجانب الملحمى فى مزجه بالموقف حتى يصبح المشهد المأساوى اكثر قربا لمفهوم الجماهير دون ان تسمح لها هذه الموسيقى بالاندماج والتعاطف ومما زاد فى تأكيد هذه القضية المطروحة فى أذهان الجماهير حرص المياحي إلى إلغاء جميع الحواجز الواصلة بين خشبة المسرح وجمهور الصالة بهدف خلق حالة من التوافق والإنسجام بين المستقبل والمرسل، فحينما يعى هذا المستقبل تلك الرسائل فإنه بالتالى سيترجمها إلى فعل وممارسة فى الواقع الحياتى والمنطق أن حالة التقارب هنا قربت بين الموروث الذي امامنا من خلال لعبة المخرج وبين الصالة التى تحكم قبضتها على اشكاليات الحياة الخادعة الواهمة. من هنا يصبح جمهور الصالة طرفا فى اللعبة.
كما كانت الرؤية الاخراجية لتجسيد الموروث الشعبي، عبر السينوغرافيا التي اتجهت نحو الرمز علي الرغم من واقعية القضية فكان الديكور عبارة عن قطع موتيفات ذات استخدام متعدد من سوق الي منزل … وهكذا، فكان الديكور رمزيا نجح في التعبير عن حالتى الفقر والثراء الأمر الذي حقق الانفصال الطبقي. وعند تغيير الديكور كان عن طريق اسقاط المناظر وازاحة الستائر بدا ان هناك مستويين أحدهما منخفض لساكني البيوت ومستوى مرتفع على لساكني القصور.
وقد اعان استخدام المخرج لتغيير الديكور على هذا النحو مع الانتقال بالاضاءة إلى الإظلام السريع وبالعكس إلى استخدام خشبة المسرح باتساعها مجالا للتمثيل. أما الموسيقي كانت من اهازيج اللول ( تنويم الاطفال ) التي سادت المسرحية بالكامل لكونها من اهازيج وموسيقي التراث العماني، فكان دخول الأغاني والأهازيج الشعبية بالمسرحية لتجسيد توافق نغمي وهارموني مع الموروث الشعبي العماني وقضاياه الاجتماعية

إلى الأعلى