الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة (الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح)
قراءة في ندوة (الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح)

قراءة في ندوة (الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها (الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح) والتي عقدت خلال الفترة من6 إلى 9 جمادى الثانية 1435هـ، الموافق 6 إلى 9 ابريل 2014م في نسختها الثالثة عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:( قيمة الخير العام والمصالح الإنسانية في القرآن وإدراكات الفقهاء) للدكتور وهبة الزحيلي من كلية الشريعة بجامعة دمشق.
يقول الباحث في مستهل ورقته: إن الإسلام بالمعنى العام وفي اصطلاح الشريعة الخاتمة القرآنية المحمدية يتميز بالعالمية والخلود والخاتمية والكمال والتمام إلى يوم القيامة وهو أيضاً الخير المطلق والعام والأبدي والصلاح الشامل وطريق الإنقاذ في كل زمان ومكان، لأنه شريعة البر والتقوى والحق والهدى الدائم.
مبينا بأن الأمة الإسلامية السوية والصالحة أمة الخير الدائم بضوابط وعوامل ثلاثة لا تفنى ولا تتبدل، لقول الله تعالى:﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (آل عمران: 3/110) وهذه الأصول الثلاثة التي نصت عليها الآية الكريمة هي معيار الأمة المسلمة الصادقة، وبغيرها لا تكون أمة الإسلام، كما ان رسل الله الكرام وأنبياءه الأشراف كانوا وما يزال منهجهم ومقصدهم كما عبر القرآن عنهم وعن أتباعهم بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ (البقرة: 2/148)، وقوله أيضاً عنهم: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (آل عمران: 3/114)، وآيات أخرى هي: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ (المائدة: 5/48)، ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التوبة: 9/88)، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً﴾ (الأنبياء: 21/90)، ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ (المؤمنون: 23/61).
وقال:ان شأن المسلم الحق كونه دائماً الداعية إلى الخير لقوله تعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 3/133)، ولقوله (صلى الله عليه وسلم):(من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) ، (من دل على خير فله مثل أجر فاعله)، كما ان بناء جسور الخير وتحصينها والعمل من أجلها هو غاية القرآن، لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدَىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 10/57)، وطلب الخير وفعله هو منهج الوسطية في الإسلام لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة: 2/143)، ومبنى الخير هو تحقيق المصلحة الدائمة واطمئنان كل نفس في الدنيا، ومحبوب كل إنسان. وطبيعة الخير ملازمة لرعاية المصلحة الإنسانية التي أشاد بها الفقهاء في بيان ما يعرف بمقاصد الشريعة العامة وهي الأصول الخمس الكلية التي لا تحل في كل دين، وهي رعاية (الدين والنفس والعقل والعرض والمال).
* مفهوم الخير وأنواعه وقيمته أو جدواه
وقال في مفهوم الخير: بأنه ما يرغب فيه الكل، كالعقل مثلاً، والعدل والفضل والشيء النافع، وهو يشمل مختلف المصالح البشرية المعتبرة عرفاً وعادة، وعقلاً وميزاناً معتدلاً وسوياً. وضده الشر، والخير نوعان: خير مطلق: وهو أن يكون مرغوباً فيه بكل حال، وعند كل أحد، كالجنة وهي النعمة العظمى، فلا خير بعدها، ولا شر غير ضدها وهي النار، وخير نسبي: وهو أن يكون الشيء خيراً لواحد، شراً لآخر، كالمال الذي ربما يكون خيراً لزيد، وشراً لعمرو، ولذلك وصفه الله بالأمرين، فقال في موضع: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 2/180) أي مالاً، وقال في موضع آخر: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينٍ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (المؤمنون: 23/55-56)، وقال بعض العلماء: إنما سمي المال خيراً في آية: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ (البقرة: 2/180) تنبيهاً على معنى لطيف: وهو أن الذي يحسن الوصية به: ما كان مجموعاً من المال من وجه محمود، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ (البقرة: 2/215)، وقال: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (البقرة: 2/197).
منوها بأن الخير والشر يقالان على وجهين: أحدهما: أن يكونا اسمين كما تقدم.والثاني: أن يكونا وصفين بتقدير ((أفعل منه)) نحو: هذا خير من ذاك وأفضل، فالخير يقابل به الشر مرة، والضُّر مرة، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأنعام: 6/17).
وقال الزحيلي: انه وبحسب العموم والخصوص الخير نوعان، خير عام: وهو الشامل للناس جميعاً، وخير خاص: وهو المقصور على بعض الأفراد، وللخير قيمة عظيمة وجدوى شاملة عند الله والناس، لأنه يحقق النفع والمصلحة، فهو شيء محبوب يحرص عليه صاحبه وتحرص عليه الجماعة والأمة، والله يرغِّب فيه ويأمر الناس بفعله والظفر به، لأنه أجدى وأكثر نفعاً، وذو عائد دائم على فاعله، وإذا عم الخير استفاد منه جميع المخلوقات، وعلى أي حال للخير أثر خالد وإشعاع مستمر.

* آفاق الخير العام في ضوء مقاصد الشريعة لدى الفقهاء
وقال البحث في هذا الجانب : من المعلوم يقيناً أن الشريعة وضعت من الخالق عز وجل لتحقيق مصالح الناس عاجلاً أم آجلاً، إما بجلب النفع لهم، أو لدفع الضرر والفساد عنهم، كما دل عليه الاستقراء التام وتتبع موارد الأحكام. وأرشدت إليه النصوص الشرعية، في قول الله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: 4/165)، وقوله سبحانه: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 21/107).
موضحا بأن للتشريع الإلهي مقصدا عاما: وهو ما يترتب على التشريع من جلب منفعة، أو دفع مضرة. وهذه صفة ملازمة لكل أحكام الشرع الحنيف، فما من حكم إلا كان لرعاية مصلحة أو درء مفسدة، لإخلاء العالم من الشرور والآثام، ولإسعاد الفرد والجماعة، وحفظ النظام وتعمير الدنيا، وإشاعة الخير العام.
وكان لفقهائنا نظرة ثاقبة في صياغة نظرية عامة لمقاصد الشريعة، وحصروها في خمسة أمور : حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب أو العرض، والمال.
يتبين منها ضرورة تحقيق الخير العام الشامل لجميع الناس، مهما اختلفت أديانهم وانتماءاتهم ومذاهبهم، وأجناسهم، وروعيت ضرورياتهم وحاجياتهم وكمالياتهم أو مصالحهم المختلفة، في ضوء قول الله تعالى:﴿يا أَيُّها النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الممتحنة: 60/12)، وبنود هذه البيعة ليست مقصورة على النساء وإنما هي شاملة للنوعين: الرجال والنساء، وكانت هذه الآية منطلق ما تحدّث عنه الأصوليون وهو مقاصد الشريعة الخمسة: وهي الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، كما تقدم.
وقال الزحيلي: ان هذه المقاصد أو المصالح تعد محددة لأنواع الخير العام الإنساني، كما يتبين من الأمثلة التي ذكرها العلماء في كل نوع، وكما يبدو فيما يلي مع إيراد أمثلة جديدة غير تقليدية، وكان الفقهاء في إيراد الأمثلة في غاية الدقة والحصافة والتعمق، حفاظاً على سنة الخير العام في منهج الحياة الإنسانية.
ففي رعاية الدين: اقتضت حكمة الله تعالى بقاء الأديان المختلفة من إسلام ويهودية ونصرانية ومجوسية وبوذية وشنتاوية (ديانة اليابان) وغيرها، لإيجاد ظاهرة التنوع والاختلاف، وترك الحرية للإنسان ليختار الحق والصحيح منها ويهمل الباطل، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (هود: 11/118-119)، وقوله:﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 10/99)، ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: 2/256)، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: 18/29) وهذه الآية على سبيل التحذير والوعيد والتهديد لمن ضل عن الحق، وليست تخييراً مطلقاً.
مذكّرا بأنه ليس من الحكمة والمصلحة والسياسة الشرعية مهاجمة الأديان المغايرة للإسلام ومحاولة الطعن فيها، أو خدشها، أو سبّها، لأنها تؤدي إلى حالة من التوتر والغليان وسوء الموقف، ورد الفعل الضار، فقال الله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: 6/108)، ولكن لابد من الدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال العلمي بالتي هي أحسن، لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 16/125).
وهنا اشار الباحث الى ان حفظ الدين ـ كما ذكر الشاطبي ـ من ناحيتين: إيجابية وسلبية، الأولى تتعلق بمراعاتها وحفظها من جانب الوجود، والثانية تتعلق بمراعاتها من جانب العدم، أما رعاية النفس: فإن النفس الإنسانية صنع الله وخلقه ومستودع أسراره وغايته، فحظرت الشريعة القرآنية الاعتداء عليها أياً كان الدين أو النّحلة حفاظاً على بقاء خلق الله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيا النّاسَ جَمِيعاً﴾ (المائدة: 5/32)، وقال سبحانه: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً﴾ (النساء: 4/92-93)، والمصلحة الأساسية ـ كما نبَّه الأصوليون والفقهاء ـ إنما هي حفظ الأرواح الآدمية، وصون حق الحياة لكل إنسان، مهما كان، مسلماً أو غيره، وهذا نمط رائع من مدلول الخير العام لكل إنسان، يجب التركيز عليه.
مضيفا بأن هناك رعاية العقل: حيث ان العقل مناط التكليف، ومناط التكريم الإلهي للإنسان، لتمييزه عن غيره من أنواع الخيوان، لقوله تعالى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 17/70) أي كرمناه بالعقل الذي هو زينة الإنسان، وزواله أو ضياعه في آخر الحياة أو الهرم من أرذل العمر وهو الخرف أو الزهايمر، الذي يصبح فيه الإنسان عادة أضحوكة أو سخرية من كلامه وموقفه، لذا يحسن الدعاء بالقول:(وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر)، ويجب حفظ العقل من كل ما يفسده أو يضعف قوته بالمسكرات أو المخدرات، ويعاقب على ذلك بعقوبة هي من الحدود، وهذه مصلحة أساسية للإنسان، نبَّه إليها الفقهاء وغيرهم من الأطباء، وكذلك رعاية النسل أو النسب: وقد أوجب الإسلام طهر الأنساب، ونقاوة صفة الوراثة، ليتحقق الانسجام في إطار الأسرة الصغيرة، لأن اختلاط الأنساب يشوّه العلاقات الإنسانية، ويعكر صفو البشرية, فكان الإسلام شديداً في رعاية النسب. وعاقب بعقوبة حدية على كل من الزنا والقذف. وهذا فيه مصلحة عامة للإنسانية المتمدنة، حرص القرآن والشريعة كلها على توافرها وصون جذورها وأصولها، وعني الفقهاء بذلك عناية أساسية في جميع أطوار الإنسان، وهو خير عام للبشرية، بالاضافة الى رعاية المال: حيث ان المال عصب الاقتصاد والحياة المعيشية، وأوجب الإسلام رعاية مورده وكسبه من حلال مشروع، وإنفاقه في الخير، وشرع المعاملات والعقود لتنمية المكاسب المباركة، وحرَّم كل ما يهدد صون الأموال العامة والخاصة من سرقة وغصب ونهب واختلاس وخيانة وتدمير، وربا وأكل أموال الناس بالباطل، وأوجب ضمان المتلفات، وحرم الاعتداءات المختلفة على أموال الآخرين من دون حق، قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 2/188). وفي آية أخرى: ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 4/29).
وقال الزحيلي: انه وبهذا وغيره مما أرشد إليه الفقهاء من تفاصيل الأحكام يراد به حماية الأموال الخاصة والعامة التي بها معاش الخلق وصون الحياة عن المهالك بسبب اضطرار الناس إلى المال عصب الحياة. وذلك خير عام سواء في الموارد والنفقات، لتستقيم حياة الأفراد والأسرة والمجتمع والدولة، وكل هذه الأحكام من ضروريات المقاصد أو المصالح، ويضاف إليها الحاجيات (وهي المصالح التي يحتاج إليها الناس للتيسير عليهم، ورفع الحرج عنهم) والتحسينات (وهي المصالح التي تقتضيها المروءة، ويقصد بها الأخذ بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق) وكذلك مكملات المصالح السابقة، ولا داعي للتفاصيل، لأن المقاصد كلها بحثت في ندوة سابقة.
واوضح بأن ومن المهم بيان أن علماء الأصول من المذاهب الخمسة (أي أن المذهب الإباضي هو الخامس) اتفقوا على رعاية هذه المقاصد من ضروريات وحاجيات وتحسينيات، وأن الضروريات الخمس روعيت في كل ملة وشرع حفظها في كل شريعة، كما ذكر عز الدين بن عبد السلام والعلامة نور الدين السالمي.
* الخير العام في ضوء المقاصد العامة للقرآن الكريم
وفي هذا الجانب تحدث الباحث بأن الخير العام يتمثل أيضاً في بيان المقاصد العامة للقرآن الكريم، وهي تعبر عن طائفة من حقوق الإنسان، وهي في الواقع الإطار العام أو السجل الأساسي الذي يحدد معالم الإسلام الكلي في علاقات حيوية مباشرة بين المسلمين وغيرهم لتكون بينهم صلة الوصل، ويحتكم إليها الجانبان في القضايا الحساسة التي هي الأساس الجوهري للمحاكمات في أجواء الخلاف بين الأمة المسلمة وغير المسلمة ومن أهمها أربعة مقاصد قرآنية تحقق الوئام والاستقرار في العلاقات الدولية، وغياب بعضها أو كلها يؤدي إلى الصراع أو النزاع الدائم، وهذا منبوذ في العلاقات السلمية الدولية أو الأممية، وهذه المقاصد الخمسة هي: مقصد الحرية، ومقصد السلام العالمي والمحلي، ومقصد المساواة، ومقصد العدل، ومقصد الإصلاح ودرء الفساد.
* مقصد الحرية الإنسانية
وحول التعريف بهذه الحرية قال: هي تعبر عن نداء الفطرة الإنسانية وتكريم الإنسان، وهي جزء أساسي من تكوينه ونظرته إلى الحياة، ولها أطياف أو أنواع ضرورية، شاملة للحرية الفردية والسياسية والوطنية والدينية، وممارسة العمل، ونحوها. ونص القرآن الكريم على مناط هذه الحرية وعلى حرية التدين، وهي الكرامة الإنسانية، أما مناط هذه الحرية فهو تكريم الإنسان في آية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء: 17/70). وهذا نص تشريعي ملزم وينبغي رعايته وتطبيقه في شأن العلاقات بين المسلمين وغيرهم، فحرية الإنسان أياً كان دينه وانتماؤه ضرورية تتجلى في عقله وإرادته الحرة، لأنها سنة فطرية في الحياة البشرية.
موضحا بأن مفرزات أو أنواع هذه الحرية كثيرة منها: حرية الفكر والعمل واختيار نوع المعاملات التي تناسب الإنسان وترفده بمتطلبات الحياة الشخصية والأسرية، فيتوافر له القوت الضروري وله الحق في تنميته وتكاثره، وإيجاد مسكن يؤويه، وله حق ممارسة النشاط المناسب والمراسلة اللازمة. وهذه هي الحرية الاقتصادية المقررة في الإسلام، لبيان قيمة العمل، وإبطال الاستغلال، والحرية السياسية: وهي المعبرة عن ولائه لوطن يختاره ويعيش فيه، ويمكّنه من تحقيق ميوله وذاتيته وطبيعته في ضوء النظام الذي ينضوي تحت لوائه، وتشمل هذه الحرية بالطبع حرية الفكر والقول والتعبير بأنواعه ووسائله، وله نقد تصرفات الدولة والقضاء والأشخاص، لا يحد ذلك إلا الحق نفسه، وهو طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه هي الحرية الفردية، وكذلك حرية البحث العلمي: فكل إنسان له الحق في النظر والاقتناع المؤديان إلى المعرفة النظرية والاعتقادية في ضوء التعاليم السماوية والقيم الخالدة والأصول المنطقية التي تقوّم الإنسان وتحميه عن الوقوع في الخطأ المؤدي إلى الضلال، قال الله تعالى:﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ (الرحمن: 55/1-4)، وقال تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد: 90/10). وقد ميز الله الإنسان بحرية الإرادة في أن يفعل أو لا يفعل، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ (الشمس: 91/7-8)، أي: إن هذه الحرية منظمة ومنوطة بالبيان الإلهي، وهناك الحرية الدينية: وقد صرح القرآن الكريم بإعلان هذه الحرية، فقال سبحانه: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 2/256)، أما الحرية الوطنية: وهي حرية الإنسان في العيش في وطنه عزيزاً كريماً محمياً من كل أذى أو ضرر أو إضرار، وتشمل حق الاستقلال عن البلاد الأخرى، دون استعلاء عليه أو استعباد أو استعمار بلاده، أو الخضوع لحكم آخر لا يرغب فيه ولا يقبله أهل الوطن. وهذا يعني منح المواطن الحق في مقاومة الظلم أو الطغيان أو الاستبداد الخارجي والداخلي. وهذا ما سماه القرآن المجيد بحق المستضعفين، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (القصص: 28/5)، والحاصل: أن الحرية الإنسانية بنحو عام مطلب فطري طبيعي وأساسي لكل فرد أو جماعة أو أمة.
وهذا الحق يمنح المسلمين الحق في الدعوة والبيان والتبليغ للشعوب والأمم في كل زمان ومكان، في حدود الإمكان والاستطاعة. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 16/125). فالأمة الإسلامية أمة دعوة وبيان وانتشار في أصقاع الأرض، لكن المسلمين في عصرنا على مستوى الدول والأفراد والجماعة مقصِّرون نسبياً في ممارسة هذا الحق، بسبب التضييق على الدعاة في ممارسة نشاطهم المطلوب في الدول الأخرى، وبخاصة في مجال الإعلام وتنظيم أفواج الدعاة لكل دولة أو بلد في العالم.

.. وللحديث بقية الاسبوع القادم ان شاء الله.

إلى الأعلى