الجمعة 28 أبريل 2017 م - ١ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الدورة الثانية لجائزة عبد اللطيف الفوزان لعمارة المساجد 2 – 3

الدورة الثانية لجائزة عبد اللطيف الفوزان لعمارة المساجد 2 – 3

المساجد الجامعة (الجمعة)
وقد تقدّم للجائزة 46 ترشيحا لهذه الفئة. وهذه الترشيحات تمثل مجموعة واسعة جدا من النهج والتفسيرات بالنسبة لتصميم المسجد الذي يتضمن تفسيرات من المفردات التقليدية، والتراكيب الشكلية والمكانية المنحنية الحرة المتدفقة، فضلا عن انتشار الضوء، والخط العربي، أو الأنماط الهندسية بوصفه المحور الرئيسي للتصميم. وقد تأهل لهذه المجموعة من المشاريع ثلاثة عشر مسجدا والتي ثم اختيار خمسة منها لاحقا. ومن هذه القائمة القصيرة، اختارت لجنة التحكيم الفائز وهو جامع مشيرب 2015 في الدوحة، الذي تم تصميمه من قبل المهندس المعماري البريطاني جون ماكأسلان. ويعرض هذا المشروع تصميما ماهرا جدا يجمع العناصر المختلفة معا من عمارة المساجد التقليدية ما قبل الحديثة مع التركيز على المفردات المناخية المحلية، ويعرضها من خلال تكوين وسطي معاصر بسيط جدا وقوي. هذا المشروع يشارك بنجاح في السياق الحضري المطور حديثا من منطقة مشيرب في الدوحة، سواء من حيث الإعداد الفيزيائي وإدماج اللغة المعمارية المشتركة.
جامع مشيرب يعكس في بساطته روحا ومنهجا جديدا في التعامل مع عمارة المسجد بطريقة تعطي للداخل تميزا يستمده من العلاقة المتكاملة مع الخارج البسيط والتجريدي. فالجامع ينغلق للداخل بقلة النوافذ على المحيط لكنه يستلهم أفكارا جديدة في استقدام العلاقة العلوية بإدخال النور الطبيعي إلى قاعة الصلاة ويمتد أفقيا مع الفناء الداخلي الذي تم التعامل معه كحديقة خضراء. ويتميز ببساطة وثراء فراغاته الداخلية ومنبره. وبالتصميم الهندسي المتميز للقاعة الرئيسية، الذي يتيح دخول ضوء الشمس خلال فترة النهار، حيث الفكرة الذكية بالإستعانة نهارا بضوء الشمس في إضاءة الجامع من الداخل في أجواء متناغمة وتوحي بالهدوء والسكينة . وهذه الإنارة الذكية تتيح انعكاس أنماط الزخرفة المستعملة، وهو ما يتيح الاستغناء عن المصابيح طيلة ساعات النهار. ويعتمد الجامع الرسوم النمطية الهندسية والتصاميم المعروفة في الفن الإسلامي، ويحتضن تصاميم ذات أفكار عصرية ممزوجة برسوم نمطية تاريخية متنوعة الأشكال والأحجام.
أما المساجد الجامعة الأخرى ضمن هذه الفئة والتي ترشحت للقائمة القصيرة فهي: مسجد عبد الرحمن صديق، وجامع المدينة التعليمية، وجامع أم عمر، وجامع الشغرود.
مسجد عبد الرحمن صديق 2012 في دبي من تصميم المهندس المعماري الأردني فاروق يغمور. ويقدم التصميم مزيجا من التقاليد والحداثة وطبقات من أشكال مكعبة. تخطيط المجمع هو غير متناظرة ليتناسب بشكل جيد في موقعه غير المنتظم إلى حد ما. وتعمل المئذنة القائمة بذاتها الوحيدة للمسجد كعلامة في المدينة. ولعل العنصر الأكثر ابتكارا في التصميم هو الجدار الزجاجي المزخرف الذي يؤدي إلى المحراب في حين يصل الضوء الطبيعي بشكل غير مباشر إلى قاعة الصلاة. كما أن استخدام التكنولوجيا القديمة والمعاصرة أكثر يخلق توازنا محبذا.
جامع عبد الرحمن صديق يكشف طريقة ذكية لاستخدام المواد الحديثة لتعكس العصر الحديث الذي تم بناؤه فيه. فهو يظهر قدرا كبيرا من التجريد، فهناك عناصر مثل المئذنة لم يتم تصميمها في شكلها “التقليدي”. تصميم المسجد بالطراز المعاصر يجعله فريدا من نوعه. كما يتألق الزجاج الأبيض والأزرق في المسجد. وعلى الرغم من المظهر المعاصر، إلا أن المظهر الديني للمسجد ما يزال حاضرا بقوة. أما قبته التي تعلو بارتفاع عشرين مترا، والمصنوعة من الزجاج الأزرق، وأجزاء من جدرانها الشفافة لتوفير الضوء غير المباشر الذي يتخلل واجهة القبلة إلى مكة المكرمة. إن تصميم المسجد بشكل عام، بحسب المصمم، يجب أن يعكس البساطة، حيث أنه “كلما كانت البيئة أكثر بساطة أكثر استرخاء كلما كان المصلي مستحضرا وقوفه بين يدي الله بدلا من يتشتت ذهنه في النظر إلى الزخارف والتفاصيل غير الضرورية في تصميم المسجد الداخلي”. ولذلك، فقد كان هدف المصمم من البداية في هذا المسجد توفير فراغ معماري للمصلين ليربطهم أكثر مع الممارسة الدينية بدلا من مزيد من الزخارف والتفاصيل المعمارية. فالتصميم في حد ذاته سهل للغاية، ولكنه مبتكر ومميز ويعكس النمط الحديث في تصميم المسجد الذي يختلف تماما عن الصورة النمطية الشائعة للمسجد التقليدي. وقد كان هذا قصد المصمم من البداية كما أشار في معرض شرحه لفكرة التصميم. وقد استعمل المصمم نهجا بسيطا في تصميمه، حيث تبدو طبقات متعددة واضحة في الواجهات المعمارية. كما تتكون المئذنة نفسها من طبقات بارتفاعات مختلفة تتداخل فوق بعضها البعض في شكل تجريدي جدا يختلف تماما عن هذا الشكل التقليدي للمئذنة التقليدية.
في جامع المدينة التعليمية بقطر تستند الحدائق على تفسير الجنة، مع جداول تمثل أنهار الخمر والحليب والعسل والماء، والركائز التي تمثل تعاليم الإسلام. ويستند هذا المشهد على الحديقة الإسلامية التقليدية المستوحاة من القرآن الكريم. وتوفر هذه أربعة مناخات حول المبنى الفراغات الطبيعية للتعلم في الهواء الطلق لاستخدام مريح لستة أشهر في السنة. وهذه الحدائق تروى بماء الوضوء من المسجد للحد من الإعتماد على تحلية مياه البحر.
وقد حفل تصميم المبنى بكثير من العناصر المعقدة والمتطورة، وجرى وضع تصوره بحيث يحمل كل ركن من أركانه رسالة وهو ما تحقق عبر استغلال أحدث التكنولوجيات وتوظيف أعلى معايير الحصافة الفنية والمهارة الهندسية. ويمثّل المشهد المعماريّ في المدينة التعليمية خير شاهد على ذلك. ورغم أنّ مثل هذه المشروعات تمثّل تحديًا عسيرًا، تجدنا نسارع إليها باعتبارها فرصة لفتح آفاق جديدة وتجاوز ما هو متعارف عليه في الهندسة المعمارية.
جامع أم عمر يقدم نموذجا في توازن العلاقات بين الكتل وبين السطوح المعمارية وبين تقديم حل معماري متوازن بين النموذج التقليدي للمسجد والذي يحتوي العناصر التقليدية كالمئذنة والقبة وبين نموذج معاصر. إلا أن هذا التصميم يتميز بخلوه من المئذنة بشكلها التقليدي وبعدم استعمال القبة. وبدلا من ذلك فيقدم التصميم علاقة تكاملية بين الداخل والخارج من خلال السماح للضوء بالنفاذ عبر أماكن محددة وانتقالية بين الداخل والخارج ومدروسة بعناية، وهي من الجماليات التي يقدمها هذا التصميم الفريد لهذا الجامع. ويتميز تصميم الجامع بالعلاقة التبادلية بين الداخل وبين الخارج من خلال تغطية المساحات المحصورة بين كتلة الجامع الرئيسة وبين الخدمات من ناحية وبين المئذنة التي تقع على طرف المربع الرئيس للجامع وبين المنطقة الإنتقالية التي تلي المدخل الرئيس للجامع. وبذلك يوفر التصميم فراغات انتقالية بين الكتل الرئيسة للجامع والتي تتميز بتخلل الضوء من بينها لتوفير أجزاء بينية من الظل والنور. ويمتاز تصميم الجامع كذلك بالإلتزام بضوابط التصميم العالمي من حيث مراعاة المتطلبات والإعتبارات الحديثة بالنسبة لاستخدامات ذوي الإحتياجات الخاصة. فقد تم تزويد المناطق المؤدية للمداخل الرئيسة للجامع والتي تحتوي على أدراج، تم تزويدها بمنحدرات خاصة لكبار السن وذوي الإحتياجات الخاصة. وبالإضافة لذلك فقد تم تخصيص مواقف سيارات قريبة من المسجد لذوي الإحتياجات الخاصة أيضا.
التكوين الفراغي الداخلي لمسجد الشغرود تميز بأنه مفتوح للسماء من خلال العلاقة التكوينية الهندسية غير المسبوقة التي شكلتها الجمالونات الزجاجية الوسطية في قاعة صلاة الرجال. وهذه سمحت للضوء الطبيعي بالدخول للمسجد. وبالإضافة للواجهتين الزجاجيتين الشمالية والجنوبية على امتداد الأطر التي اخترقت مربع كتلة المسجد فقد بدا المسجد وكأنه كتلة بلورية زجاجية ثلاثية الأبعاد. وبرغم دحول الضوء لقاعة الصلاة من وسطها أفقيا ورأسيا، إلا أن المنطقة التي تقع بالطابق الأرضي وتحت قاعة النساء احتفظت بخصوصيتها وقدر كبير من الظل كمنطقة منعزلة وفاصلة بين الداخل وبين الخارج.
ومن الخارج يسيطر على التكوين المعماري للمسجد الأطر التي تخترق كتلة المسجد المربعة وتضيف على التكوين لمسة معاصرة غير مسبوقة في التكوين العمراني للمساجد. كما تضيف بعدا هندسيا في التعامل بمرونة وحيوية مع الكتل والأسطح المعمارية بعيدا عن النمطية الكلاسيكية. وتبدو هذه الأطر كعامل تجميع وربط بين كتل المشروع التي تم التعامل معها بانفتاح لخلق تكامل بين الكتلة والفراغ وبما يخلق مناطق محصورة تم التعامل معها بذكاء لتخلق مداخل محددة ومؤطرة للمسجد من ناحية، ولكي تخلق مناطق مظللة تمتاز بالإعتدال الحراري بعيدا عن حرارة الشمس. وهذه المناطق الإنتقالية التي تحددها الفراغات بين الكتل شكلت أيضا فراغات معمارية متميزة بين الداخل والخارج بحيث تكون بمثابة مرشحات حرارية تعمل على تحديد الإنتقال الحراري بين الداخل وبين الخارج. ويمتاز التصميم المعماري بالبساطة مع وجود عناصر تضفي على التكوين المعماري على المستويين الأفقي والرأسي تميزا وخصوصية فريدة، فضلا عن الجدّة والإبتكار.
المساجد المحلية
وقد تقدم أربعة وثلاثون مشروعا للتشريح ضمن هذه الفئة. وتمثل هذه نسبيا المساجد الصغيرة التي تسمح لمستوى أعلى من التوع التصميم والتجريب في سياق عمارة المساجد. وعلاوة على ذلك، فإن عددا من هذه المساجد هي جزء من الأطر المؤسسية أو الشركات، وبالتالي فهي أكثر تركيزا على ربط هوية هذه المؤسسات أو الشركات بدلا من محاولة الإتصال مع هوية طائفية أو وطنية أكثر عمومية.
وقد تأهلت عشرة مشاريع من هذه الفئة للقائمة القصيرة والتي تشمل المنشآت التأريخية التي وضعت بشكل جيد، ومنشآت عالية مجردة تستخدم مفردات الحداثة بدلا من التقاليد التاريخية ما قبل الحديثة، ومنها التي تنص على تفسيرات جريئة من الأشكال التقليدية، وهندستها، والخط العربي. وقد قلصت هذه القائمة إلى أربعة مشاريع، منها تم اختيار المشروع الفائز وهو مسجد بنك آركابيتا 2011 على حافة المياه في خليج البحرين، بمملكة البحرين، والذي تم تصميمه من قبل شركة أميركية هي سكيدمور، أوينغز، وميريل (SOM. وتدل المئذنة المتجانسة على الغرض من المبنى. فهو مبنى مكعب بسيط مع نوافذه الثلاثية التي وضعت لذلك لتشكيل نمط على الواجهة والتحكم في الضوء الطبيعي في المناطق الداخلية. وهو مصمم للاستهلاك المنخفض للطاقة، فهو يدل على الإتجاه نحو هيكل أكثر استدامة. كتعبير الحديثة من الأشكال الخالدة، هذا النهج والتصميم كان يستحق الإهتمام.
مسجد بنك آركابيتا يعتبر معلما على الواجهة البحرية لمشروع خليج البحرين المطور. فالمسجد يعكس لغة معمارية فريدة وحديثة ترمز إلى تطلع مملكة البحرين للعمارة المعاصرة دون أن فقدان أي من هوياتها أو جذور تراثها. والتصميم غير مسبوق في عمارة مساجد البحرين، ويعبر عن نوع جديد من المظهر الحديث ومن حيث تشكيل المسجد وبنيويته الفراغية. فالمسجد لا يشوبه العناصر المعمارية التقليدية مثل القبة، أو المئذنة النموذجية التي شاعت في عمارة المساجد التاريخية في شكلها التقليدي. فالمئذنة القائمة بذاتها وبجانبها بركة الماء واللتان يحيط بهما المناظر الطبيعية تتكامل مع التنظيم المحيط والسياق المعماري القريب.
مثل هذه المنهجية الجديدة لتصميم المساجد يمكن أن لا تحظى بالقبول بادئ الأمر، بل ربما ببعض الفضول، من قبل المجتمع المحلي. ومع ذلك، يقدم مثالا للمسجد الحديث الذي يجمع بين الحداثة والثقافة في مجمع يضم الأعمال في وئام وانسجام. ويلتزم تصميم المسجد بالتصميم العام لمجمع اركابيتا والبنك القريب. ويبدو التصميم على تواصل مع المجتمع الكلي للبحرين بدلا من المنطقة المحلية فقط. فالمسجد يحافظ على الثقافة المحلية والدين، كما يظهر قدرا كبيرا من الإهتمام بالتفاصيل ويقدم المصمم مبنى مميزا لم يسبق له مثيل، إذ يمتاز بالحداثة فضلا عن كونه مختلفا يتميز داخليا وخارجيا عن مفهوم المسجد التقليدي للمسجد. إن أهداف الفكرة التصميمية تنتج مبنى يوفر بيئة تعوم في الأضواء والتوازن الحراري.
المسجد الذي ينتمي للقائمة القصيرة لهذه الفئة هو مسجد مؤسسة الملك فيصل الخيرية عام 1984 في الرياض، والذي صمم من قبل المرحوم المهندس المعماري الياباني كينزو تانجي. هذا المسجد، الذي يقع داخل مجمع مؤسسة الملك فيصل الخيرية، هو واحد من المساجد التي تعرّف الحداثة في الشرق الأوسط. وهو يقدم تفسيرا مجردا بوضوح لعمارة المساجد، وبالتالي يعرف المسجد كعالم الروحي الذي يمثل النقاء التركيبي للفضاء والشكل، ويتضمن أيضا التلاعب بطريقة حساسة للضوء، في حين تبقى في إطار روح الأمثلة الملحوظة من عمارة المساجد.
في مسجد مؤسسة الملك فيصل الخيرية نجح الحل التصميمي في توفير التفسير المعاصر لعمارة المساجد دون اللجوء إلى الأشكال أو العناصر التقليدية المعتادة. وبدلا من ذلك، فإنه يعبر الخط الفاصل بين التقاليد التاريخية والتطور الحديث المطلوب لعمارة القرن العشرين من خلال نظرة جديدة تستعمل الأشكال الهندسية الخالصة المخلوطة بطريقة ذكية لا تنتقص من جوهر عمارة المساجد. فالتصميم يقدم عمارة توفر حدا فاصلا حادا بين الخارج القاسي وبين الداخل، بين العالم المادي والروحي. ويعتمد المسجد في تصميمه على الأشكال الهندسية البسيطة بدلاً من المفردات المعمارية والزخارف التقليدية المرتبطة بعمارة المساجد. إن التجريد واستخدام الأشكال الهندسية النقية في التصميم غير مسبوق ويستحق الثناء في هذا المسجد. مثل هذا المنهج للتصميم يسلط الضوء على الحاجة إلى الإنتقال بعيدا عن “الصور النمطية التقليدية” لعمارة المساجد التي هي مستمرة منذ عصور عبر تاريخ عمارة المساجد. إن التجريد الذي نراه في تصميم المئذنة يتطابق فقط مع رمزية الوظيفية الحالية حيث تم استبدال “الوظيفة التاريخية للنداء للصلاة” عن طريق المئذنة بواسطة التكنولوجيا الحديثة ومكبرات الصوت، وبذلك بقيت المئذنة كرمز لوظيفة وشكل ليس إلا. ومع ذلك، فلا زالت المئذنة تحافظ على رمزيتها باعتبارها أعلى نقطة رأسية في محيط المسجد حيث تعمل على خلق توازن بين العمودي والأفقي في التكوين العام الكلي للمسجد. وفوق ذلك فلا تزال رمزيتها تحتفظ بالوظيفة حين تستخدم كنقطة مرجعية في سماء المسجد ومحيطه. فمئذنة المسجد كشكل وتشكيل تظل تعمل كدالة على المسجد من جهة، وكنقطة إسناد مرجعية يهتدى بها لتحديد الإتجاه في المحيط الحضري للمسجد وما حوله.

د. وليد احمد السيد
مستشار تطوير التراث العمراني
sayyedw14@gmail.com

إلى الأعلى