الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل تأخذ الولايات المتحدة بهذا “الخيار”؟

هل تأخذ الولايات المتحدة بهذا “الخيار”؟

جواد البشيتي

إنَّها لبديهية أنْ تقول “الكلُّ أكبر من الجزء”؛ لكن، بمعنى ما، وبحسب مقاييس معيَّنة، يمكن أنْ يكون الجزء أكبر من الكل، أو أنْ يبدو هكذا؛ والولايات المتحدة (القوَّة العظمى في العالم) هي، أيضًا، هذا الجزء الذي يبدو أكبر من الكل، وهو العالَم.
“القوَّة العالمية النسبية” للولايات المتحدة هي اليوم دون ما كانت عليه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ فثمة قوى عالمية تُنافِس (وتُصارِع) الولايات المتحدة، في مقدمها “روسيا بوتين”، والصين، والاتحاد الأوروبي، واليابان؛ وفي عالَمٍ كهذا يَصْعُب على الولايات المتحدة أنْ تعيش كما تريد؛ وينبغي لها أنْ تعود، عودةً مؤقَّتةً، إلى “المَصْدَر التاريخي (والقديم)” لقوَّتها العالمية، ألا وهو “العزلة (عن العالَم، وإلى حين)”، تاركةً العالَم يَسْتَجْمِع بنفسه أسباب “انفجارٍ عالميٍّ جديدٍ”، يشبه “حربًا عالميةً ثالثةً”، لا تتورَّط الولايات المتحدة في خوضها إلاَّ في فَصْلِها الختامي، كما فَعَلَت، مِنْ قَبْل، وفي الحرب العالمية الثانية على وجه الخصوص؛ فالتجربة التاريخية علَّمتها أنَّ انعزالها (عن العالَم، وإلى حين) مع تحرير كل صراعٍ كبير فيه من القيود، ومن قيودها هي في المقام الأوَّل، وتَرْكِ دوله، وتكتُّلاته الدولية والإقليمية، وشعوبه، وأُممه، نَهْبًا لحروب (قومية وعرقية ودينية وطائفية..) وحشية مدمِّرة، يَنْحَلُّ فيها، ويتفكَّك، كل “مُركَّب”، وتنشأ بعض المُركَّبات الجديدة، هو ما يكسبها مزيدًا من الطاقة والحيوية والقوَّة، ويؤسِّس لها هيمنة عالمية جديدة، تستمر زمنًا طويلًا؛ فالقرن الحادي والعشرون تريد له أنْ يكون قرنها وحدها، شاءت الصين أم أَبَت!
عزلتها الجديدة (والتي تشبه انسحاب جيشٍ انسحابًا تكتيكيًّا منظَّمًا) لن تكون تامَّة؛ ولن تشبه عزلتها القديمة إلاَّ قليلًا؛ فهي ستُزاوِج بين العزلة وبين الاحتفاظ بما يشبه مواقع استراتيجية عالمية متقدِّمة؛ وبدلًا من سياسة “إدارة الأزمات (والنزاعات والصراعات) والتَّحكُّم فيها”، والتي انتهجتها زمنًا طويلًا، ستَنْتَهِج سياسة مدارها “تحرير الأزمات” من كل قَيْد، وتَرْكها تنفجر، وتَرْك العالَم، من ثمَّ، نَهْبًا لـ”الفوضى الخلاَّقة”، التي مِنْ رحمها سيُوْلَد عالَم جديد، بدولٍ جديدة، وخرائط جديدة.
الولايات المتحدة ستعود إلى الاحتماء (من الحرائق العالمية) بذاك الدِّرْع الطبيعي القوي، وهو المحيط الأطلسي؛ وستحتمي الآن بترسانتها النووية الهائلة، وبنُظمها الدفاعية الجديدة التي تبقي أراضيها بمنأى عن مخاطر الصواريخ العابرة للقارات؛ أمَّا اقتصاديًّا فهي تستطيع، وإنْ عاشت في عزلة عن العالَم، إنتاج كل ما يلبِّي احتياجاتها؛ وهي الآن لديها من مصادِر الطاقة (ومن النفط والغاز) ما يفيض عن حاجتها؛ ولديها القسم الأعظم من احتياط الذهب في العالَم؛ ولن تَخْسَر إلاَّ ديونها الهائلة إنْ هي انعزلت اقتصاديًّا عن العالَم، تاركةً له تلالًا من “الورقة الخضراء”، وأشباهها؛ وقد يَسْتَبْدِل المتحاربون أسلحة تصنعها الولايات المتحدة بتلك التلال من “الورقة الخضراء”؛ فالحرب هي أكبر مستهلِك للسلاح. وبعد ذهاب الاتحاد السوفياتي ما عادت الولايات المتحدة تخشى إمبراطوريات في مقدورها تجميع قوميات وأعراق وطوائف دينية شتَّى في إقليم دولة واحدة، ولو بالإكراه؛ فَلِمَ لا تَشْرَع الولايات المتحدة تتصرَّف عالميًّا بما يُسهِّل ويُسرِّع انحلال وتفكُّك “المُركَّبات” في أوروبا وروسيا الاتحادية والصين والعالَم الإسلامي (والعربي)؟!
ويبدو أنَّ ما يشبه “الانفجار (الكوني) الكبير” Big Bang قد وَقَع، متَّخِذًا من العالَم الإسلامي والعربي مركزًا له؛ وتراقبه الولايات المتحدة (وهي تنسحب انسحابًا تكتيكيًّا منظَّمًا) قائلةً: دَعْهُم يتبادلون الهلاك والدمار والتَّفَتُّت..؛ ولسوف نعود لنَحْكُم العالَم (الجديد) بلا منازِع!

إلى الأعلى