الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / معايير العدالة الدولية

معايير العدالة الدولية

احمد صبري

الأطراف المؤثرة في الأزمة السورية لم تخفِ نواياها عندما طرحت مشروعا فرنسيا على مجلس الأمن يقضي بإحالة الملف السوري إلى الجنائية الدولية رفض باستخدام روسيا والصين الفيتو ضده.
فالداعمون للمشروع الفرنسي كانوا يعرفون أنه لن يمر من مجلس الأمن بصيغته المطروحة. لكن السؤال لماذا قدم إذًا؟ وعلى الرغم من أن مندوبي فرنسا وأميركا وبريطانيا في مجلس الأمن وصفوا الفيتو الروسي ـ الصيني على المشروع الفرنسي بأنه يعرقل تطبيق العدالة، إلا أن الجواب على السؤال جاء على لسان من قدموا المشروع بإعلانهم عن نيتهم تشكيل محكمة مشابهة للجنايات الدولية خارج مظلة ولاية مجلس الأمن بعد أن عطل الفيتو المضاد المشروع الفرنسي. وهذا المنحى الجديد في تعاطي الدول الكبرى مع أزمات العالم سيتسبب في تعطيل هذه المؤسسة الأممية التي طالما استخدموها كغطاء لتمرير أهدافهم لا سيما في غزو العراق واحتلاله وحماية إسرائيل من المساءلة القانونية جراء استمراره باحتلال فلسطين وعدوانها على الشعب الفلسطيني، وقبله في أفغانستان وليبيا ومناطق أخرى خلال فترة اختلال التوازن الدولي في مجلس الأمن الدولي. هؤلاء المدعون الحرص على تطبيق العدالة الدولية لوقف المجازر واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا أيا كان من يستخدمها في سوريا ومناطق أخرى هم أنفسهم من منعوا مجلس الأمن من وقف استمرار العدوان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وعطلوا إدانة الكيان الصهيوني عندما استخدم الأسلحة المحرمة دوليا في غزة، ما شجع هذا الكيان على تصعيد عدوانه واحتلاله فلسطين على مدى العقود الستة الماضية وإنكار حقوق شعبها. ونزيد على ذلك أن المتباكين على ما يتعرض له الشعب السوري هم أنفسهم تغاضوا عن استخدام نفس الأسلحة خلال العدوان الأميركي على العراق عام 1991 وتجويع شعبه في حصار لم يشهده التأريخ استمر 13 عاما انتهى باحتلال العراق عام 2003.
وحتى نقرب الصورة أكثر فإن المؤثرين في مجلس الأمن لم يرف لهم جفن لما تعرضت له مدينة الفلوجة وهي تقاوم قوات الاحتلال الأميركي عام 2004 حين استخدمت القوات الأميركية ذات الأسلحة إن لم نقل أفتك منها تسببت في إصابة جيل كامل بسمومها ما زال يعاني منها.
إن الشعب السوري الذي يتطلع إلى الحرية والعدالة والديمقراطية ينبغي أن لا يستخدم ورقة في سوق المزايدات السياسية وتنفيذ أجندة هي بالأحوال كافة تتقاطع مع أهدافه المشروعة في التغيير الحقيقي.
ومهما كانت النوايا من إنشاء محكمة مشابهة للجنايات الدولية فإن الواضح للعيان أن زمن التفرد بقرارات مجلس الأمن وتوظيفه لمصالح الدول التي كانت تتحكم بقراراته قد ولَّى، وأن مرحلة جديدة في أفق العلاقات الدولية بدأت تتبلور وتعكس المزاج العالمي لقضاء دولي خالٍ من الخوف والهيمنة والوصاية؛ عالم يستند إلى مبادئ ومعايير العدالة الدولية الحقيقية التي لا تنظر إلى أزمات المنطقة بعين واحدة.

إلى الأعلى