الإثنين 21 أغسطس 2017 م - ٢٨ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن فـضـيلة الشـكـر (154)

شـذرات مـن هـدي القـرآن فـضـيلة الشـكـر (154)

الشكـر يتحـقـق بعـلـم وحـال وعـمـل، ومـنزلة الشـكـر في الـدين مـنـزلة عـظـيمة ومـكانة رفـيعـة
وردت كلـمة الشـكـر في الـقـرآن الكـريـم في مـواطـن كـثـيرة، تـدل دلالـة واضحـة عـلى مـكانته

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالمين والصـلاة والسـلام عـلي سـيـد الـمـرسـلـين، وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين ، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد :
فـيقـول الله تعـالى:(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبـراهــيـم ـ 7)، وقال تعـالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقــرة ـ 172)، وقال أيـضاً:(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (البـقـرة ـ 152).
الشـكـر
لـقـد قـسم بعـض العـلـماء الشـكـر إلى ثـلاثة أقسام هـي: شـكـر القـلب وهـو تصـور النعـمة، وشـكـر اللسان وهـو الثـنـاء عـلى الـمنعـم، وشـكـر سـائـر الجـوارح وهـو مـكافـأة النعـمة بـقـدرها وبـقـدر استحـقـاقـهـا عـلى العـبـد لله سـبحانه وتعالى.
والـقـرآن الكـريم يـدعـو الـمـؤمـن إلى التحـلي بالأنـواع الثـلاثة، ولـذلك قال الله تعـالى: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سـبأ ـ 13)، أي القـيـل الـذي يـلـتـزم بالأنـواع الثـلاثـة.
والشكـر يتحـقـق بعـلـم وحـال وعـمـل، العـلـم هـو معـرفـة النعـمـة مـن الـمنعـم الـمتـفـضـل بالـنعـمة، والحـال هـو الـفـرح والسـرور الحاصـل مـن تأثـير الـنعـمة عـلى الـمنـعـم عـلـيه، والعـمـل هـو الـقـيام بما هـو مقـصـود الـمنعـم مـن وراء تلك النعـمة، هـذا العـمـل يـتعـلـق بالقـلب واللسان والجـوارح.
ومـنزلة الشـكـر في الـدين مـنـزلة عـظـيمة ومـكانة مجـيـدة رفـيعـة، حـتى ورد عـن عـبـد الله بن مسـعـود ـ رضي الله عـنه ـ أنه قال: الـشـكـر نصـف الإيمـان، وكـذلك ورد: أن الإيمان شـطـران هـما الصـبر والشـكـر، ولـقــد أمـر الله بالشـكـر ونهـى عـن ضــده وأثـنى عـلى أهـله ووصف به خـواص خـلـقـه، وجـعـله غـاية خـلـقـه وأمـره، ووعـد أهـله بأحـسـن الجـزاء، وجـعـله سـببا للـمـزيـد مـن فـضله، وحـارسا حـافـظـا لـنعـمه، وأخـبر أن أهـله هـم الـمـتـقـون، وهـم الـمنـتـفـعــون بآياته، ولـقـد نـوه الحـديـث الـنبـوي الشـريف بهـذه الـمـكانة للشـكـر حـين، قال الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم): (الطـاعـم الشاكـر بمنـزلة الصائـم الصابـر).
الـنعـمة مـع الـشـكـر
وقـد وعـد الله بالـمـزيـد مـن الـنعـمة مـع الـشـكـر، فـقال تعـالى:(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهـيم ـ 7)، كـما استثـنى في أمـور أخـرى منهـا: فـفي الغـنى قال تعـالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الـتـوبة ـ 28)، وفي الـمغـفـرة قال تعـالى:( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا) (النساء ـ 48)، وفي الـرزق قـال الله تعـالى:(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (البـقـرة ـ 212)، وقال تعـالى:(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عـمـران ـ 37)، وفي الـتـوبة قال الله تعـالى:(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء ـ 17)، وقال تعـالى:(وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الـتـوبة ـ 15).
ولـقـد وردت كلـمة الشـكـر في الـقـرآن الكـريـم في مـواطـن كـثـيرة، تـدل دلالـة واضحـة عـلى مـكانة الـشـكـر، قال الله تعـالى:(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (الـنـحـل ـ 114)، وقال تعـالى:(قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) (الأعـراف ـ 144)، وقال تعـالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (لـقـمان ـ 12)، وقال تعـالى:(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لـقـمان ـ 14)، وروي أن الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلـم)، قال لـمعـاذ بن جـبـل وهـو يـوصيه:(لا تـنـس أن تـقـول في دبـر كل صـلاة:(اللهـم أعـني عـلى ذكـرك وشـكـرك وحـسن عـبادتـك).
يا لها مـن وصـية ما أعـظـمها مـن رزق الـتـوفـيـق للعـمـل بها، كـما أن صـدورها مـن رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، الـذي لا ينـطـق عـن الهـوى، زادهـا مـنزلة عـالية عـظـيمة لأنها صـدرت مـن رجـل عـظـيـم، ولا يصـدر مـن الـرجـل العـظـيم إلا الشـيء العـظـيم، لأن مـنـزلة الشـكـر عـنـد الله مـنزلة عـالية الـقـد ر، كـيـف لا والـشـكـر يـقـيـد الـنـعـم لـتبقى وتسـتـمـر.
بيـن الكـفـر والشـكـر
وإذا كانت الأشياء تـتمـيز عـنـد مقـارنتها بـضـدها، وتـبـدو قـيمتها عـنـد الـمـقارنة بما يـناقـضها، فإن الله أراد أن يـدلـنا عـلى الخـير الكـثـير الـذي نـناله عـنـد ما نتحـلى بخـلـق الـشـكـر، وقـد نبهـنا الله تعـالى في مـواطـن كـثيرة في كـتابه العـزيـز للـمـقارنة بيـن الكـفـر والشـكـر، أي كـفـر النعـمة لا كـفـر الـشـرك، والإنسان إذا لـم يشـكـر المـنـعـم فـقـد جحـد نعـم الله عـليه، وقال تعـالى:(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (الـبقـرة ـ 152)، وقـال تعـالى:(قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (الـنمـل ـ 40)، وقال تعـالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (لـقـمان ـ 12)، وقال تعـالى:(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقـمان ـ 14)، وقال تعـالى:( إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الـزمـر ـ 7).
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى