الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / رحلة الإسراء والمعراج

رحلة الإسراء والمعراج

ذكرى خالدة في قلوبنا وفي كل مناسبة نتذكرها لنقف على أفعال الرسول وتصرفاته
الرحلة التي خص بها الله سبحانه نبينا محمداً جاءت لتحقيق غاية شاءها الله تعالى

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
الاسراء والمعراج هي ليلة من أعظم الليالي، وقد انزل الله القرآن آية من آيات الله سبحانه وتعالى، هي نقطة تحول في طريق الدعوة الى الله، وقد جاءت هذه الرحلة تأكيداً لصدق الرسول محمد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بعد ما لاقى الرسول من اضطهاد شديد وسخرية وتعذيب وإهانة في الطائف، وتعد معجزة الاسراء والمعراج هي الدعم النفسي الذي حصل عليه الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد موت زوجته، وأم أبنائه، وأول من آمنت به خديجة رضي الله عنها، وعمه المناصر له ابو طالب.
تهل علينا ذكرى الإسراء والمعراج، فنشنف آذاننا، ونملأ عيوننا، وقلوبنا من إشراقات قوله تعالى:(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (سورة الإسراء: 1).
وذكرى الإسراء والمعراج هي ذكرى خالدة في قلوبنا وفي كل مناسبة نتذكرها لنقف على أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم، وتصرفاته لتكون النور الذي يضيء حياتنا وطريق هدايتنا لسواء السبيل( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً).
دروس وعبر
1 ـ عظم جزاء الصابر المحتسب، الذي يشتغل بالدعوة إلى الله تعالى، فيتحمل في سبيلها الأذى والمشقة، فقد توالت على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأحزان والآلام حاصره قومه في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات، لاقى فيها هو وأصحابه الجوع والحرمان، ثم فقد رِدءه ومؤازره: زوجته خديجة ـ رضي الله عنها ـ ومات مناصره مسانده: عمه أبو طالب، فازدادت جراءة كفار قريش عليه، حتى كان أبو لهب يلاحقه في الأسواق والمجامع، يسبه، ويسفهه، ويرميه بالحجارة، ويخبر بأنه كذاب، وبعد أن عرض دعوته على ثقيف بالطائف، لعله يجد منهم النصير والمساعد، فما وجد منهم إلا الصدود والاستهزاء، بل سلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم ، فسخروا منه، ورجموه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، فجاء الإسراء والمعراج ليكون تسلية له لأحزانه وتعويضا، ورفعا من معنوياته وتعضيداً، وإذا استقبله أهل الطائف بالسخرية والاتهام والتكذيب، فقد استقبله أنبياء الله في السماوات العلى وآمنوا به وصدقوه: آدم في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة، كلهم يقول:(مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح)، وإذا ضاقت به الأرض في الطائف، فخرج منها مهموما هائما على وجهه، ففي الإسراء والمعراج انفتحت له أرجاء السماوات، وكان الفضاء كله له مأوى، حتى قُدم على أهل السماء (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر ـ 10).
2 ـ تبدأ السورة بكلمة سبحان فيها التنزيه والتعظيم والإجلال لصاحب هذه المعجزة من ألفها إلى يائها فكانت المعجزة كلها بقدر الله وبقدرة الله عز وجل ولكن الأمةَ تتعلم درس التسبيح والتعظيم والتمجيد لله عز وجل أن تعيش الأمة مسبحه لله أن تعيش الأمة ذاكرة لله أن تعيش الأمة لسان كل فرد فيها رطب بذكر الله أن تعيش الأمة موصولة بذكرها وتسبيحها لله عز وجل لما لا تعيش الأمة مسبحة لربها والكون كله مسبح لله يقول تعالى:(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (الإسراء ـ 44) فالكون كله مسبح لله عز وجل ذكرًا لله تبارك وتعالى فكل عبادة في هذا الدين الحنيف لها حد ووقت إلا الذكر ليس له حد ولا وقت ولا حال يقول تعالى:(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) فينبغي أن تعيش الأمة مسبحة لله وذاكرة لله.
3 ـ إن الإسراء من البيت الحرام إلى بيت المقدس، دليل على الربط التاريخي الوثيق بين المسجدين. فقد ثبت في صحيح مسلم أن أبا ذر ـ رضي الله عنه ـ قال: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أولُ؟ قَالَ:”الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ” قَالَ: ثُمَّ أي؟ قَالَ:”ثُمَّ الْمَسْجِدُ الأَقْصَى” قال: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ:”أَرْبَعُونَ سنة” مسلم، وصلاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) فيه، واتخاذه قبلة أول الأمر، دليل على إسلاميته، وأحقية المسلمين به، وضرورة الدفاع عنه بالغالي والنفيس،
4 ـ إن صلاة النبي (صلى الله عليه وسلم) بالأنبياء إماماً لهم في بيت المقدس، دليل على وحدة الأديان السماوية، وأن الدين الخاتم، الذى نسخ الأديان قبله، وأصبح على كل من عرفه أن يؤمن به هو الإسلام. قال تعالى:(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران ـ 85)، تعظيم ركن الصلاة، التي فرضت عليه (صلى الله عليه وسلم) في السماء، وكانت خمسين صلاة، ثم خففها الله علينا فصارت خمس صلوات.
5 ـ وفي الإسراء والمعراج مبشرات عظيمة للمؤمنين الصالحين، فقد قال سيدنا إبراهيم للنبي (صلى الله عليه وسلم):”يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر”. الترمذي. وفي رواية قال له:”يا محمد، مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
6 ـ درس آخر وهو ربط الرحلة في بدايتها ونهايتها بالمسجد، فالخروج من مسجد وإلى مسجد لتعلم الأمة قيمة المساجد ومكانتها في الإسلام، فهو بيت الأمة الذي اهتمَّ به رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) في بداية بناء دولة الإسلام، فالمسجد له مكانته وله دوره في الإسلام الذي لا بد أن يعود دور المسجد ورسالة المسجد حتى يتخرج من الرجال الذين يحملون دعوة الله ويبلغون رسالة الله الذين قال الحق فيهم:(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ، رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ، لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، والنبي يقول في الحديث القدسي الذي يرويه عن رب العزة:(بيوتي في الأرض المساجد، وزوارها عُمَّارها، فطوبى لعبدٍ تطَّهر في بيته ثم زارني في بيتي فكان حق على المزور أن يُكرم زائره).
هذه الرحلة التي خص بها الله سبحانه وتعالى نبينا محمداً (صلى الله عليه وسلم) جاءت لتحقيق (غاية) شاءها الله تعالى تتمثل في أن (يرى) من آيات ربه ما شاءه لعبده: فكانت تسلية لنبيه بعد أن فقد أعظم نصيرين له: خديجة ـ رضي الله عنها ـ وعمه أبي طالب، وكانت رحلة تشريعية، فرضت فيها الصلاة خمسًا في اليوم والليلة، بثواب خمسين صلاة.
كما كانت رحلة عرفانية، رأى فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما زاده يقينًا ومعرفة وعلمًا بقدرة الله وآيات عظمته، وأيضاً هي رحلة كاشفة نقت الصف المسلم، ونفت عنه ضعاف الإيمان الذين كذبوا حادث الإسراء وعادوا إلى الكفر.

إلى الأعلى