الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مسيحيو فلسطين .. دور وطني وشتات قسري تحت ضغط الاحتلال

مسيحيو فلسطين .. دور وطني وشتات قسري تحت ضغط الاحتلال

علي بدوان

في هذا المسار من الكفاح المتواصل لدعم صمود المواطنين الفلسطينيين المقدسيين من مسلمين ومسيحيين، لا بد من الإشارة أيضًا إلى الدور الريادي للمسيحيين الفلسطينيين في المشروع الوطني الفلسطيني، حيث يتكامل الدور الوطني للمسيحيين الفلسطينيين مع إخوانهم المسلمين، وقد برز في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية عدد وافر من أبرز قياداتها من مسيحيي فلسطين وفي مقدمتهم ضمير الثورة الفلسطينية الراحل جورج حبش…

احتفلت الطوائف المسيحية في فلسطين بأعياد الشعانين وسبت النور، في مدن فلسطين التي تعتبر مهد المسيحية، والأرض التي انطلق منها الفدائي الفلسطيني الأول المسيح عيسى عليه السلام. الاحتفالات عمّت القدس، وبيت لحم، والناصرة، ورام الله، وبيت ساحور، وبيت جالا … وترافقت مع فعالياتٍ وطنية، كان منها الفعاليات المساندة لحركة الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال.
فلسطين أرض المسيح عليه السلام، وقد اضطر قبيل النكبة وبعدها بقليل أكثر من (37%) من المسيحيين الفلسطينيين للتشرد خارج حدود أرض فلسطين التاريخية، متخذين من أوروبا والأميركيتين موئلًا لهم. ففي الولايات المتحدة يقيم اليوم (215) ألف فلسطيني يحملون الجنسية الأميركية وحدها، حيث تعتبر شيكاغو أكبر تجمع لهم، وفي أميركا الجنوبية واللاتينية حيث يعيش (600) ألف من أصل فلسطيني (غالبيتهم من مسيحيي فلسطين)، وفي تشيلي والسلفادور وهندوراس ويحملون جنسيات تلك البلدان وحدها، ووصل قسم منهم إلى مواقع عالية في الدول التي حل فيها، مثلًا أنطونيو ساكا (السقا)، رئيس هندوراس من بيت لحم. في مقاطعة بليز (هندوراس البريطانية) يعتبر سعيد موسى الفلسطيني رئيسا للوزراء، وفي السلفادور كان هناك رئيس من أصل فلسطيني، كما حال شفيق حنضل في السلفادور الذي وصل إلى الموقع الرئاسي قبل عقدين من الزمن، بعد أن كان قد قاد حركة المعارضة التي دعيت باسم (جبهة فارابندو مارتي للتحرر الوطني).
بينما حلّت في لبنان أعداد منهم بعيد النكبة بقليل، فتم تجنيس أكثر من (80%) ممن حل منهم في لبنان سنتذاك من قبل الجهات الرسمية اللبنانية، وبقي منهم (20%) يحملون الجنسية الفلسطينية، وأقاموا في مخيمي جسر الباشا وضبية، ومخيم مار الياس، وباقي المناطق اللبنانية. أما الأردن فقد كان له النصيب الثاني بعد لبنان في استقبال أعداد من المسيحيين الفلسطينيين الذين باتوا من حملة الجنسية الأردنية، فيما استقرت في سوريا أعداد جيدة منهم، ما زالت تحتفظ بهويتها الفلسطينية، ومن بينهم عائلات أرمنية فلسطينية تقيم الآن في مدينة حلب شمال سوريا.
أما في مدينة القدس، فمما لا شك فيه بأن حملة الجهود الإجلائية الاقتلاعية الإسرائيلية الصهيونية لم تتوقف لحظة واحدة لاقتلاع سكان المدينة وأبنائها الأصليين وإخراجهم خارج حدودها، وخارج فلسطين إن أمكن، وذلك في سياقات السعي الرامي لإحداث التغيير الديمغرافي الكامل داخل المدينة بجزءيها الشرقي والغربي، وعلى دائرة واسعة من محيطها لتهويد المدينة بشكل تام وإلغاء طابعها العربي الإسلامي والمسيحي، بالرغم من أن الوجود المسيحي العربي الفلسطيني في المدينة الفلسطينية المقدسة لم ينقطع خلال الألفي عام الأخيرة.
ووفق معظم المصادر الدقيقة، فإن أعداد المواطنين الفلسطينيين من أتباع الديانة المسيحية بكافة طوائفها، في المدينة المقدسة بجزءيها الشرقي والغربي قبيل وقوع النكبة عام 1948، كانت تبلغ زهاء (175) ألفًا، حيث كان من المتوقع أن تبلغ أعدادهم الآن وفق محددات النمو السكاني في المجتمع الفلسطيني بحدود نصف مليون نسمة، لكن ظروف النكبة والهجرات القسرية التي تعرض لها عموم الشعب الفلسطيني، هبطت بأعداد المسيحيين الفلسطينيين لتصل عام 1967 إلى حدود خمس وثلاثين ألف نسمة. فيما تبلغ أعداهم حاليًّا في المدينة المقدسة وقسمها الشرقي وفقًا لآخر إحصاء نحو عشرة آلاف نسمة.
كما تجدر الإشارة إلى أن أعداد المسيحيين الفلسطينيين في مناطق الضفة الغربية كبيت لحم وبيت ساحور ورام الله لم تشهد تناقصًا مثيلًا في نسبته العالية لما شهدته وتشهده مدينة القدس العربية. والأسباب تعود بجوهرها لسياسات الاحتلال ودوره في خلقه معاناة كبرى أمام سكان القدس من مسلمين ومسيحيين لدفعهم للرحيل. وبحسب مصادر بعض المطارنة الفلسطينيين في القدس، فإن أعداد المسيحيين الفلسطينيين سترسو مع نهاية العام 2017 على عدد لا يتجاوز (10000) نسمة، وهو ما دفع برئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس المطران عطاالله حنا لدعوة الشبان المسيحيين من أبناء فلسطين في الأراضي المقدسة، إلى “الصمود والبقاء في هذه الأرض”، معتبرا أن “الهجرة المسيحية حرام عليهم، وهي مرفوضة لأن المسيحي الفلسطيني مدعو إلى أن يبقى ويصمد في وطنه رغم كل الظروف، وان يساهم في تحرير الوطن والإنسان وبناء الدولة”، وباعتبار المسيحيين الفلسطينيين “جزءًا أساسيًّا من مكونات نسيج الشعب العربي الفلسطيني”. وردد المطران حنا في عظته قوله “أن تكون مسيحيا فلسطينيا هذا يعني أنك تنتمي إلى الكنيسة الأولى التي أسسها السيد المسيح”.
إن التناقص المريع والمخيف في أعداد المسيحيين العرب الفلسطينيين في القدس، يعزى إلى هجرة الكثيرين منهم بفعل معاناة الشعب الفلسطيني المستمرة في مواجهة الغزو الصهيوني وخصوصًا بعد حربي 1948 و1967، إضافة إلى المعاناة الكبرى التي يواجهها الشعب الفلسطيني بمجمله وبجميع طوائفه من سياسات الاحتلال. إضافة لذلك فإن خصوصية الإجراءات التعسفية الإسرائيلية الصهيونية القمعية ضد أبناء القدس جعلت من ظروف الحياة داخل المدينة صعبة وقاسية، حيث عملت سلطات الاحتلال على تقييد الوجود الفلسطيني في القدس وتعزيز الوجود اليهودي فيها، من خلال اتخاذ إجراءات وتدابير تشريعية تجعل من المواطنية الفلسطينية والوجود في القدس، أمرًا هشًّا يسهل فقدانه.
فبعد ضم القدس وما ترتب عليه من إجراءات وتشريعات استثنى منها السكان العرب، ومنذ البداية حددت سلطات الاحتلال الوضع القانوني للوجود الفلسطيني في القانوني للوجود الفلسطيني في القدس على أنه وضع “مقيم دائم” طبقًا لما يسمى قانون الدخول الصهيوني (الجائر) إلى فلسطين المحتلة لعام 1953 الذي أصبح المرجعية القانونية لتنظيم الإقامة الفلسطينية في القدس. واستنادًا لهذا القانون يمكن للفلسطيني أن يخسر وضع المقيم الدائم في حالات ثبوت إقامته خارج مناطق 1948 بما في ذلك القدس لمدة سبع سنوات وأكثر، الحصول على إقامة دائمة في دولة ثانية، والحصول على جنسية ثانية. ونتيجة مباشرة لما سبق تم سحب الهوية المقدسية من آلاف المواطنين المقدسيين الذين كانوا خارج الوطن بغرض الدراسة والعمل، والأمر ذاته ينطبق على آلاف المواطنين المقدسيين المقيمين في الضفة الغربية على اعتبار أنهم مقيمون في بلد أجنبي لمدة أكثر من سبع سنوات. يضاف إلى الإجراءات السابقة، السياسات الإسرائيلية المتعلقة بجمع شمل الأزواج والزوجات، حيث يخضع هذا الآمر لتعقيدات عدة تحول دون الحصول عليه إلا بحدود ضيقة وبصعوبة هائلة.
وفي هذا المسار من الكفاح المتواصل لدعم صمود المواطنين الفلسطينيين المقدسيين من مسلمين ومسيحيين، لا بد من الإشارة أيضًا إلى الدور الريادي للمسيحيين الفلسطينيين في المشروع الوطني الفلسطيني، حيث يتكامل الدور الوطني للمسيحيين الفلسطينيين مع إخوانهم المسلمين، وقد برز في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية عدد وافر من أبرز قياداتها من مسيحيي فلسطين وفي مقدمتهم ضمير الثورة الفلسطينية الراحل جورج حبش، والدكتور وديع حداد وغيرهم… فأدركت الكنائس المسيحية المختلفة في القدس وعموم فلسطين، أن أبناءها مستهدفون كغيرهم من المواطنين الفلسطينيين. فاتخذت هذه الكنائس (الفاتيكان والمرجعيات الأرثوذكسية والإنجيلية) مواقف وطنية ضد الاحتلال “الإسرائيلي”، فبرز من بين صفوفهم قادة تركوا بصماتهم في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.

إلى الأعلى