الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / سعيد الوكيل يسبر أغوار عالم السرد الروائي

سعيد الوكيل يسبر أغوار عالم السرد الروائي

القاهرة ـ العمانية:
يعرض الدكتور سعيد الوكيل في كتابه “نزهات أخرى في غابة السرد”، نصوصا لكتاب عرب تميزوا في عالم السرد من أجيال مختلفة؛ بدءا من نجيب محفوظ، وانتهاء بخليل صويلح، مرورا بصنع الله إبراهيم وإبراهيم الكوني ويحيى مختار وإبراهيم عبد المجيد ومحمد البساطي.
ويؤكد المؤلف، وهو أستاذ النقد والأدب الحديث في جامعة عين شمس، أن هذا الكتاب الصادر عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، يسعى إلى الإفادة من مناهج علم السرد وعلم العلامات وتحليل الخطاب في كشف رؤى النصوص وطرائقها الدقيقة في التعبير والتأثير، ومن ثم يسعى إلى تدقيق مصطلحاته وأدواته، من غير إغراق في التعقيد والإغراب، ليتسنى لغير المختصين الاقتراب منه “بمحبة تسمح بالتواصل والاكتشاف الممتع”. ويشير إلى أن كل نص سردي يشمل عددا غير قليل من الذوات التي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات؛ أولها مستوى الملقي، فتكون هذه الذوات مؤلفة أو ساردة، وثانيها مستوى الرسالة فتكون هذه الذوات شخصيات، وثالثها مستوى التلقي فتقوم هذه الذوات بدور المتلقين.
وهذا التصور يتفق مع ما جاء به رولان بارت من أن العمل السردي يفترض “الأنا” و”الأنت” فيه كلُّ منهما الآخرَ؛ إذ لا يتأتى له أن يكون من غير راوٍ ومن غير سامع أو قارئ.
ويضيف بأن القضية ليست في استبطان دوافع السارد، ولا في استبطان الآثار التي ينتجها السرد في القارئ، وإنما في وصف النظام الذي يكون فيه الراوي والقارئ معًا على طول العمل السردي، فكل عمل سردي له مظهران؛ فهو قصة وخطاب في الوقت نفسه، بمعنى أنه يثير في الذهن واقعًا ما وأحداثًا قد تكون وقعت وشخصيات روائية قد تختلط بشخصيات الحياة الفعلية.
ويلفت النظر إلى أن العمل الأدبي خطابٌ في الوقت نفسه؛ فهناك سارد يحكي (يرسل) القصة لقارئ يدركه، وعلى هذا المستوى ليست الأحداث التي يتم نقلها هي التي تهم، إنما الكيفية التي أطْلَعنا الساردُ بها على تلك الأحداث، وهكذا تتعدد الذوات داخل العمل السردي، ولكنها تتداخل أيضا، مما يجعل خطوط التقاطع بين هذه الذوات أكبر من أن يحتويها هذا التصور الأولي.
ويؤكد المؤلف أن بإمكاننا أن نميز في عملية السرد عددًا من الذوات، أولها المؤلف (المؤلف الواقعي)، ويقف في مقابله في دائرة التواصل “القارئ الواقعي”؛ فالمؤلف الواقعي ـ أي المبدع الحقيقي للعمل الأدبي ـ يوجه رسالة أدبية ـ بوصفه مرسِلًا ـ إلى القارئ الواقعي الذي يعمل بوصفه مرسَلًا إليه أو متلقيًّا، فالمؤلف الواقعي والقارئ الواقعي شخصان حقيقيان، وهما لا ينتميان إلى العمل الأدبي، بل إلى العالم الواقعي، حيث يعيشان بمعزل عن النص عيشة مستقلة.
ويوضح أن المؤلف الواقعي إذا كان يمثل شخصا ثابتا ومحددا في الفترة التاريخية لإبداعه الأدبي؛ فإن قراءه كمتلقين لعمله يتغيرون عبر التاريخ، وهذا ما قد يؤدي إلى أنماط من التلقي جد مختلفة، بل ومتضاربة أحيانا للعمل نفسه، وهكذا تكون العلاقة بين المؤلف والمتلقي علاقة جدلية.
ويرى أن على القارئ من أجل فك رموز الرسالة الأدبية، أن يمتلك شِفرة المؤلف الجمالية والأخلاقية والاجتماعية والإيديولوجية، لكن دون أن يفرض عليه ذلك أن يشاطره إياها كليًّا؛ كما أن بإمكان المؤلف أن يغير أفق انتظار القارئ، مثلما يمكن لهذا الأخير ـ بتلقيه الاستهجاني أو الاستحساني ـ أن يؤثر في الإنتاج الأدبي.
ويقول إنه إذا كان المؤلف الواقعي والقارئ الواقعي يتمتعان بوجود مجاوز للنص؛ فإن المؤلف المجرد والقارئ المجرد ينتميان إلى العمل الأدبي، لكن دون أن يكونا مشخَّصين فيه مباشرة، لأنهما لا يعبران عن نفسيهما دائما بشكل مباشر أو صريح، لكنهما يتبديان من خلال مجمل تلقي العمل في ارتباطه بالرؤية الكلية للعالم خارج النص.
ولتجنب الالتباس مع المؤلف الواقعي يؤكد الباحث أن إيديولوجية العمل الأدبي هي إيديولوجية المؤلف المجرد، ويشير إلى أن الأقوال والأحكام لا يتلفظ بها المؤلف بل السارد، فصحيح أن بإمكان السارد والأبطال أن يكونوا ناطقين بلسان المؤلف المجرد، لكن هذا لا ينفي أنهم هم الذين يعبرون عن إيديولوجيته.

إلى الأعلى