الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: عندما تتخطى التنمية الاقتصاد

رأي الوطن: عندما تتخطى التنمية الاقتصاد

لا تجتذب المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم المزيد من الاستثمارات، يوما بعد يوم، لمجرد أنها أكبر المناطق الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمساحة 1777 كيلومترًا مربعًا فقط، ولا لتصنيفها ضمن أكبر المناطق الاقتصادية في العالم، ولا حتى لكونها ترتبط بشبكة نقل متطورة تشمل النقل الجوي والبحري والبري، وسكة الحديد، ولا كونها منطقة غنية بالثروات الطبيعية والمعدنية، إضافة إلى طقس معتدل طوال العام ومناظر طبيعية وشواطئ بكر، إضافة إلى حديقة الصخور، فبرغم أهمية تلك الشروط إلا أن ما تحققه المنطقة يؤكد أنها تمتاز بما هو أكثر.
فإذا نظرنا بموضوعية نجد أن الدقم تمتلك موقعًا جيوسياسيًّا استراتيجيًّا، يطل على الساحل الجنوبي الشرقي من السلطنة، المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، ويبعد عن العاصمة مسقط 600 كيلومتر، حيث تستطيع الحاويات الكبيرة توفير ثلاثة أيام من الإبحار المكلف، إذا أفرغت حمولتها المتجهة إلى الشرق الأوسط في الدقم، لذا فإن مشروع تطوير الدقم ليس الغاية منه إنشاء مدينة ذات بُعد اقتصادي وثقافي أو ترفيهي، بل بعث مدينة يستند وجودها إلى دوافع جغرافية وجيوسياسية محضة ستنحصر نشاطاتها المستقبلية في التجارة والأعمال وستكون نموذجًا للمدن الصناعية خلال القرن الـ21.
حيث تطمح السلطنة إلى أن تصبح منطقة الدقم الاقتصادية مركزًا محوريًّا مهمًّا للتجارة والصناعة والاستثمار في المنطقة بحكم موقعها الاستراتيجي على مشارف المسار البحري للتجارة الدولية بين الشرق والغرب، وفق فلسفة نهضوية تطمح أن تكون فيه المنطقة التي استقطبت استثمارات، جاءت من أكثر من 16 جنسية، في أن تكون الدقم مدينة متنوعة الثقافات تحقق التعايش المشترك، وتدمج الحداثة بالأصالة، وهو مبدأ سامٍ، حرص عليه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ومن شأن هذا التعايش وما ينتج عنه من تفاعل ثقافي وحضاري توفير مناخ إيجابي للحياة الاجتماعية التي تعتبر أحد مكونات المجتمع الحديث. كما سيساهم هذا التنوع في إيجاد خبرات عمانية متخصصة في العديد من المجالات المتعلقة بالموانئ والصناعات البتروكيماوية والصناعات السمكية والمجالات السياحية والتجارية وغيرها.
ولعل وضع حجر أساس المدينة الصناعية الصينية يأتي في هذا الإطار، فبجانب ما تضيفه من مميزات اقتصادية، تتخطى استثماراتها المتوقعة 10.7 مليار دولار أميركي، ولا مردودها الإيجابي بتوفير أكثر من 12 ألف فرصة عمل، لكنها إحياء لعلاقات عمانية صينية ضاربة في التاريخ، حيث كان طريق الحرير القديم هو الذي يربط البلدين؛ فقبل أكثر من 600 سنة كان البحار الصيني المسلم تشنغ خه قام بخمس رحلات بحرية من محافظة ظفار إلى الصين، وكانت السلطنة تعد من أقدم الدول في شبه الجزيرة العربية التي تملك علاقة تجارية مع الصين.
إن إحياء العلاقات التجارية القديمة ومزجها بكل ما هو حديث، ينظر للبعد الإنساني ويؤطره، ويحافظ على المردود الاقتصادي الإيجابي لكل الأطراف، هو أهم ميزات المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم حقًّا، فالمنطقة منذ الإعلان عن إنشائها، تطور الأداء حتى وصل إلى إصدار موسوعة تشريعات بهدف توفير مختلف المعلومات المتعلقة بالجوانب التشريعية المنظمة للاستثمار في المنطقة أمام المستثمرين والباحثين والأكاديميين ورجالات الفكر والاقتصاد، وهو ما يتماشى مع الرغبة في إعداد البيئة التشريعية القادرة على اجتذاب مختلف الاستثمارات إلى المنطقة وبما يترجم رؤية السلطنة في أن تصبح المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم إحدى واحات الاستثمار في البلاد.
إن الجانب التشريعي في أي اقتصاد محلي أو عالمي يحظى بالاهتمام البالغ، فلا يمكن لأي اقتصاد جذب الاستثمارات إلا إذا امتلك بيئة تشريعية قادرة على ذلك، فالنجاح مرتبط دومًا بإقرار القواعد المنظمة، لذا فمع الاحتفال بوضع حجر الأساس للمدينة الصينية العمانية، يجب أن ندرك أن ذلك لن يكون بغير رؤية سامية قرأت التاريخ وسعت لإحياء أمجاده، مستندة إلى فلسفة راقية تؤمن بالتعايش بين أصحاب الحضارات، وحرصت على تأطير تشريعي يدخل الطمأنينة لمن يبغي الانضمام لقاطرة الدقم والاستفادة من مقوماتها.

إلى الأعلى