الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائي الفلسطيني أحمد رفيق عوض في حديث لـ ” أشرعة “

الروائي الفلسطيني أحمد رفيق عوض في حديث لـ ” أشرعة “

ما أفكر به أكثر جرأة مما أكتب .. وكلما تقدمت في العمر زاد خوفي
شخصياتي الروائية متورطة بواقعها السياسي والاجتماعي
الحديث في المحرم أزمة حضارية حقيقية، خاصة إذا رافقه الطيش والجهل وعدم وجود البدائل
دمشق ـ وحيد تاجا
لم يخف الروائي الكبير أحمد رفيق عوض الخوف الذي ينتابه بشكل عام ويقول : قد يكون هذا الخوف سبباً رئيسياً في عدم جرأتي في الكتابة أيضا. ما أفكر به أكثر جرأة مما أكتب. وكلما تقدمت في العمر، زاد خوفي.
وأكد الروائي والأديب عوض أنه يمتلك مشروعا روائيا خاصا به. وقال : لست ذاتياً ولا تهويمياً ولا صاحب تأوهات. أنا منشغل بقضية أو بقضايا كبرى، أنا منشغل بالتاريخ وعلاقة المنطقة العربية بالغرب الامبريالي، منشغل بالدين وأسراره.
والكاتب أحمد رفيق عوض ولد في العاشر من مارس سنة 1960 في بلدة يعبد، حصل على دكتوراه في العلوم السياسية من القاهرة عام 2010 ، ويعتبر واحدا من أهم أصحاب التجارب الروائية الفلسطينية الجديدة. أصدر أكثر من خمسة عشر عملاً أدبياً وصحفياً وسياسياً، وهو يعمل محاضراً متفرغا في دائرة الإعلام والتلفزة بجامعة القدس، وله مشاركة فاعلة في الحركة الثقافية الفلسطينية والعربية. وحصل على العديد من الجوائز العربية وشهادات التقدير.
أهم أعماله الروائية: العذراء والقرية ، قدرون ، مقامات العشاق والتجار ، آخر القرن ، القرمطي ، عكا والملوك ، بلاد البحر، وكان لـ”أشرعة” معه الحوار التالي ..

* لفت نظري بداية، تعريفك لنفسك أثناء أحد الحوارات معك بأنك ” إنسان خائف .. جبان .. صاحب هواجس كثيرة .. لم يحقق شيئا بعد.. ولم يعمل ما يجب عمله حتى الآن” ؟
** نعم، انا صاحب هواجس كثيرة، وتنتابني كثير من المخاوف والمحاذير، كم رغبت أن أكون أكثر جرأة وأكثر حسماً. قد يكون هذا الخوف سبباً رئيسياً في عدم جرأتي في الكتابة ايضاً. ما أفكر به أكثر جرأة مما اكتب. وكلما تقدمت في العمر، زاد خوفي.
* يبدو أن طفولتك لعبت دورا كبيرا في إبداعك اللاحق، هل يمكن الحديث عن هذا الأثر ؟
** طفولتي كانت قاسية جداً، فقر وتنقل وعمل شاق، ومدارس مختلفة وبيوت قديمة وآيلة للسقوط، المطر والفقر والمرض وقلة النقود والملابس الرثة كانت مشاكلي الرئيسية، منحني الله أسرة آمنت بي ودعمتني، ولكن الفقر هو من أسوأ أحوال الدنيا.
* بالتالي كم تحمل رواياتك من السيرة الذاتية، وخاصة الأربع الأولى منها ؟
** سيرتي الذاتية منثورة بشكل متقطع ولكنه قليل في رواياتي. لا اعتبر أنني كتبت عن سيرتي الذاتية إطلاقا، ولكن مشاهداتي وتجاربي الشخصية لعبت دوراً في رواياتي الأولى وخاصة “العذراء والقرية”. بالمناسبة، سيرتي الذاتية فيها كثير من الانعطافات والمفاجآت والأسرار أيضا. وكم ارغب يوماً ان اكتبها كما هي. رغم أن هذا الأسلوب ليس أسلوبا عربياً إسلاميا.
* بناء على إجابتك، هل يمكن الحديث عن مشروع روائي واضح الملامح للروائي احمد رفيق عوض، وكيف كان تطوره ؟
** نعم، ادعي ان لي مشروعي الروائي الخاص بي. أنا لست ذاتياً ولا تهويمياً ولا صاحب تأوهات. انا منشغل بقضية او بقضايا كبرى (أصبحت الآن تثير السخرية في خضم تيارات التحديث التي لا أعرف معناها بالضبط) . انا منشغل بالتاريخ وعلاقة المنطقة العربية بالغرب الامبريالي، منشغل بالدين وأسراره. أدعي هنا أنني أميل إلى التنظير الأمر الذي يؤثر على جماليات ما أكتب.
* بالعودة إلى رواية “العذراء والقرية”، اعتبر بعض النقاد انها تؤرخ بداياتك الإبداعية الفعلية رغم أنك نشرت قبلها كثيرا من القصص اللافتة ؟
** رواية العذراء والقرية طبعت حتى الآن أربع مرات، في القدس والقاهرة ودمشق، وقد كتبتها وعمري 26 سنة، ولا تزال تثير الأسئلة وأنا فخور بها، ويمكن اعتبارها اول أعمالي الروائية المنشورة، فقد كتبت عدداً من الروايات التي لم تنشر أبداً ولا افكر بنشرها ايضاً. لقد مزقت كثيراً قبل ان أنشر.
* يلاحظ التركيز في أعمالك الأولى على الربط بين السياسي والاجتماعي والثقافي ، والذي تجلى في رواية ” قدرون” ، من خلال تناولك لقضية العمال الفلسطينيين في إسرائيل ؟
** هذا صحيح، شخصياتي الروائية هي شخصيات متورطة إلى أذنيها بواقعها السياسي والاجتماعي. رواياتي هي روايات مكان وزمان، وشخصياتي الروائية متصلة بتاريخها وخلفياتها. انا لا أتصور نفسي اكتب في الفراغ او عن الفراغ.
* استوقفني اعتبار البعض ان مشاهد الإعدام في رواية ” قدرون ” للحفيد وزميله هي أبواب المستقبل، مستقبل فلسطين وغيرها ؟
** نهاية رواية “قدرون” تنتهي بقتل العميل. هذه الرواية وما تلاها من روايات فتحت أمامي طريقاً لم استطع ان أغلقه حتى ولو أردت، لقد توحش المحتل وتوحش الغرب، وصارت بلادي وإقليمي العربي كله ساحة يلعب فيها المستعمر الغولف. الأصولية والتعصب والإرهاب هي بضاعة الغرب التي ارتدت وردت اليه.
* بالتالي إلى أي مدى يستطيع الكاتب أن يكون حيادياً في تسيير شخصيات روايته ؟
** هناك من يتهمني بأنني أسجن شخصياتي في قالب فكري ووجداني، وإنني لا اسمح لهم بالطيران الحر، قد يكون ذلك صحيحاً بشكل جزئي، هذا من جهة، ومن جهة اخرى، هناك من يكتب أن شخصياتي بشكل عام تتحرك بعيداً عني. ولكن، ورغم ذلك، انا اعتقد تماماً ان الفن ـ على اختلافه ـ هو عمل فيه قصد وتعّمد. النص هو امتداد للناصّ، يتكامل معه وبه، وحرية المبدع بقدر خلقه للاحتمالات. والفن هو اكثر تلك الخيارات والاحتمالات اكتمالاً من ناحية الحرية والجمال.
* في “مقامات العشاق والتجار” لوحظ تخليك عن السرد الجميل، الذي ميز أعمالك السابقة، بحيث جاءت اقرب إلى الأدب السياسي والتقريري ؟
** رواية مقامات العشاق والتجار، كانت رواية غضب وقرف وكتبت بأقصى حالات الانعزال والكآبة، وكانت رواية فريدة من نوعها، إذ لم يكن قبلها ولا بعدها بسنوات من كتب مثلها في نقد الحالة الفلسطينية التي نشأت بعد اتفاق اوسلو. تناولت بنية الفساد وانتقال الثائر ليكون موظفا وتاجرا، وانتقال مركز القرار وجدل الرؤى والانفجارات الاجتماعية والظواهر السلبية، وقد تصديت فيها للانحرافات وبما يمليه علي دوري كمثقف من نقد للسلطة، وهو نقد من الداخل، نقد المنتمي وليس الحاقد أو المفارق.
* أيضا “آخر القرن” لم تكن بعيدة عن أجواء الغضب الداخلي الواضح بحيث أنها كانت ” رواية تحذير بلا سرد ، رواية تداعيات ، رواية هذيان ، رواية تمزق وتمزيق ” حسب تعبير احد النقاد الفلسطينيين ؟
** رواية “آخر القرن” كانت امتداداً لرواية (مقامات العشاق والتجار)، فقد صدرت بعدها بسنتين، وهي رواية تمزيق وتمزق، ورواية فضائح بكل معنى الكلمة، وهي أيضا رواية لم يكن لها ما يشابهها في الداخل الفلسطيني. هي رواية غاضبة ومحتقنة وربما كانت أكثر جرأة من سابقتها في إبراز مواطن الخلل التي نراها في مجتمعنا، هي صرخة عالية ضد الخراب ومظاهر الفساد وغياب مقولة سياسية وحضارية وخطاب واضح للسلطة، وإبراز تغير أولويات السلطة والمجتمع والجدل حول ما كان الجدل حوله محرما. وأشعر أنني قد قلت ما كان يجب أن نصارح به أنفسنا، وأعتقد أنني كشفت الكثير من المستور الذي أخذ يظهر فيما بعد، والآن وبعد عشر سنوات من صدورها اشعر انني قمت بعمل صائب.
* بناء على إجابتك ، ما هو دور المثقف برأيك، كيف ترى طبيعة علاقته مع السلطة السياسية؟
** دور المثقف برأيي هو ان يشتبك مع السلطات جميعاً، وعلى رأسها السلطة السياسية حتى يبقيها غير مستقرة الى افعالها او ممارساتها. على المثقف ان يطالب السلطات جميعاً بأن توفر الامن والغذاء والكساء والمسكن والحرية للناس. انا في هذا الشأن واقعي جداً. على السلطات جميعاً ان توفر الامن اولاً والحرية اولاً والطعام اولاً. المثقف صاحب عين مدققة وقلب كبير ولسان سليط.
* هل لتلك الآراء علاقة بتوقفك عن الكتابة لمدة تزيد على العشر سنوات ؟
** لا، توقفت عن الكتابة عشر سنوات لانني كنت اعمل في “اليومية” في المطاعم والمزارع والمفاحم من اجل إعالة اسرتي.
* في أعمالك اللاحقة اتكأت على التاريخ بشكل أكثر كثافة، لماذا، وما الذي يعنيه ” هروب” روائي إلى التاريخ في هذه المرحلة ؟
** اعتقدت وما أزال ان التاريخ يقدم إجابات، ويستلهم الأبطال ويخلقهم، واعتقدت وما أزال ان التاريخ تراجيدياً تستعاد دائماً. التاريخ هو الحبكة التي شكلتنا. ذهابي إلى هناك نوع من تعريف الهوية.
* أيضا التأكيد على الزمن والتأريخ في أعمالك يطرح سؤالاً حول العلاقة بين الروائي والمؤرخ والحد الفاصل بينهما ؟
** انا لست مؤرخاً إطلاقا، رواياتي تتعلق بالاحتمالات والأسئلة، رواياتي تقع في الساحة الخلفية للتاريخ والفلسفة، التاريخ في رواياتي هو “سبب للرواية” وليس الرواية ذاتها. قبل ان اكتب، ادقق في الحالة التاريخية جيداً واتابعها جيداً ولكنها في نهاية الامر لا تعني لي شيئاً سوى انها بداية او نقطة الانطلاق.
* يلعب المكان أيضا ، دورا ملحوظا في معظم أعمالك الروائية، هل لأنها فلسطين ؟
* فلسطين بلد متعدد وجهات النظر، بلد الاحتمالات، بلد الحبكات الكبرى. انا شخصياً، اريد ان اصنع حبكتي الخاصة المنسجمة مع عقائدي التي اؤمن بها. فلسطين للآخرين ليس فلسطين التي اعرفها ، ولهذا، انا شخصياً من اكثر من كتبوا عن المكان، ليس بحثاً عن الجمالي فيه وانما عن العقائدي.
* طرحت في رواية “عكا والملوك” موضوع الحوار مع الآخر “الغرب” والسؤال كيف ترى هذه العلاقة وهذا الحوار من وجهة نظر المثقف والروائي ؟
** العلاقة مع الغرب كانت وما تزال علاقة مبنية على الشك والتوجس والغيرة والحسد والاشتباك. حضارتنا كلها تلخص علاقتنا بالآخر المعتدي والمحتل والبغيض والباغض والحاسد.
* استوقفني في ذات السياق الإهداء الذي قدمته في رواية “بلاد البحر”، الى من أسميتهم “المتحضرون الكذبة” ؟
** انا لا أؤمن بالغرب، لا بفنِّه ولا بفلسفته ولا بأخلاقه، وهو مجبر على تسويق منتجه العلمي من اجل الربح والسيطرة ولهذا من حقي استعماله، اما عدا ذلك، فالغرب عدائي واستعلائي وكاذب.
* وكيف ترى العلاقة مع (الآخر) اليهودي من خلال ما ذهبت اليه في روايتك “مقامات العشاق والتجار” ، ومن خلال تناول اليهودي في الأدب الفلسطيني؟
** الإسرائيلي مستعمر مثله مثل غيره، ولا يمكنني استدراج الإنساني فيه او الاتفاق معه كما فعل أدباء وشعراء فلسطينيون.
* في هذا الإطار كيف تنظر الى الروايات الصهيونية الجديدة التي تحاول إظهار الرغبة في التعايش مع العرب، واين يمكن تصنيفها ؟
** كلام زائد على الحاجة.
* ولماذا أطلقت على الرواية اسم “المنامة .. “ها أنذا أكتب منامتي في حنين وعذاب”.، لتكون ” المنامة الثالثة في تاريخ الأدب العربي ” ؟
** رأيت هذا الشكل مناسباً لمضمون الرواية. وبصدق شكل الرواية عندي يتم اختياره بطريقة لا أعيها. اقول هذا بصدق كامل وتام.
* تعتمد في رواياتك كثيراً على الحوارات الداخلية للشخصيات وسبر نوازع النفس البشرية بشفافية وعمق ؟
** أؤمن بأن التداعي الحر هو حوار حقيقي جداً، أؤمن بأن شخصية الإنسان أعمق مما تظهر وأعمق مما يعبر عنها عادة. كل شخصية هي طبقات من الشخصيات المتوارية والمضمرة.
* عندما تقوم بكتابة رواية، هل تكون “الحكاية” بكامل شخصياتها وتفاصيلها حاضرة في ذهنك ؟
** لا، لا أخطط لرواياتي أبداً. الصفحة الأولى هي العذاب حقاً، ثم تلد الحكاية بعدها.
* هل تستطيع القول بان احمد رفيق عوض ينتمي للرواية الفلسطينية الجديدة أو للرواية العربية الجديدة مثلاً؟
** أعتقد ذلك، أنا كتبت روايات متعددة الأساليب، الكلاسيكية والحداثية، وغامرت بالشكل والمضمون معاً.
* بالتالي ما هي سمات هذه الرواية العربية الجديدة ؟
** سمات هذا التيار الجديد هو التهجين اللغوي والجرأة العالية في السياسة والدين والجنس، وغياب الأبطال وموت الأفكار وتذويب المواضيع وانخفاض النبرة والاهتمام بالهوامش والمهووس والمبتذل والمرفوض والملفوظ وتفجير السقوف وتجاوزها وتغيير المسرود.
* يلاحظ اتجاه في الرواية العربية الجديدة نحو الغوص في المحرمات الجنس والسياسة، هل تراها موضة أم ضرورة ؟
** الحديث في المحرم هي أزمة حضارية حقيقية، خاصة إذا رافقها الطيش والجهل وعدم وجود البدائل.
* بعيدا عن الرواية والأدب فأنت إعلامي ومفكر سياسي بارز .. والسؤال كيف انعكس الإعلامي على الإبداعي، وكيف تم تسخير الفكر السياسي في الأدب دون ان يخل بالمستوى الفني ؟
** أنا مدمن على السياسة وهو ما يظهر فيما اكتب كثيراً.
* سؤال أخير، هل أنت متشائم في الحياة إلى الحد الذي تذهب إليه في أعمالك؟
** أنا لست متشائماً ابداً، أنا أؤمن بالله العلي العظيم، الذي جعل القنوط حراماً وظلماً.

إلى الأعلى