السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / متى تتخلص مؤتمراتنا الثقافية من خطاياها المزمنة ؟

متى تتخلص مؤتمراتنا الثقافية من خطاياها المزمنة ؟

وكأنه محفل سري ، المؤتمر السادس للنقد الذي نظم في المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة خلال الفترة من 22 إلى 24 أبريل ، حيث غاب عنه النقاد والمبدعون ، وبالطبع القراء !
وعبر أكثر من جلسة كنت ألتفت حولي فأشعر بالغربة ، فلا أحد من بروليتاريا الأدباء سواي ، بل لا أحد من المبدعين أو النقاد المعروفين ، فقط الباحثون المشاركون في أعمال المؤتمر ، وأطقم القنوات الفضائية التي جاءت لتغطي ، وحفنة المنظمين !
وأتذكر ، عقب الجلسة الافتتاحية للمؤتمر توجهت إلى اتحاد كتاب مصر لحضور حفل توزيع جوائزه السنوية ، وحين بدأت حديثا مع عدد من أعضاء الاتحاد ، ومنهم أعضاء في مجلس الإدارة حول مؤتمر الجمعية المصرية للنقد داهمني بعضهم بجهلهم التام بالمؤتمر !
هذا المؤتمر هو المؤتمر السادس للجمعية المصرية للنقد الأدبي التي يرأسها الآن الناقد صلاح فضل ، ودشنه الدكتور محمد صابر عرب وزير الثقافة في مصر بحضور أكثر من خمسين باحثا وناقدا من العالم العربي يتصدرهم مفكرنا الدكتور علي حرب الذي ترأس المؤتمر، الذي تجاهله المثقفون المصريون ، من البروليتاريا إلى النجوم .
أهي حالة الضجر التي يعاني منها كتابنا فكفت قرون استشعارهم عن التقاط ما يهمهم ؟ أم أنها الميديا التي أبدت اهتماما ضئيلا بالمؤتمر نظرا لانشغالها باللهث خلف محمد السبكي الذي هجر مهنة الجزارة وأصبح منتجا سينمائيا لتحظى بشيء من تصريحاته حول حرية الإبداع التي أهدرت بحظر عرض فيلمه “حلاوة روح ” !
وأيا كان السبب فمؤتمر الجمعية المصرية للنقد بدا مثل الكثير من مؤتمراتنا الثقافية محفلا سريا لا علم لأحد بشئونه سوى المعنيين مباشرة به !
وخلال جلسات المؤتمر التي شرفت بحضورها كانت القاعة تضم من ثلاثين إلى أربعين شخصا ، وهو عدد يمكن أن يكون ـ لو اكتفينا بنظرة سريعة ـ مثار فخر الجمعية المصرية للنقد ، فنادرا في منتدياتنا الثقافية ما يتجاوز عدد الكراسي “المشغولة ” بالقاعة عدد فرسان المنصة ، وأتذكر ، خلال ندوة في اتحاد الكتاب منذ عدة سنوات ، كان على المنصة أربعة منظرين ، وكان ثمة شخص جلس وحيدا في القاعة يتابع ما يقولون ، أنا ! إلى أن جاء ثلاثة أشخاص آخرون من بينهم صحفي ، لنصبح أربعة في مقابل أربعة !
لكن ماهي هوية تلك الأعداد “الغفيرة ” التي حرصت على حضور جلسات المؤتمر
هذا هو السؤال الصادم ، بعض هؤلاء ينتمي للإعلام ، خلال الجلسة الختامية كان ثمة قناتان فضائيتان ، طاقم كل قناة يضم ثلاثة أو أربعة أشخاص ، بالإضافة إلى بعض الزملاء والزميلات ممن ينتمون إلى الإعلام الإليكتروني أو الصحافة الورقية ، أي حوالي من عشرة إلى خمسة عشر شخصا وبما يوازي 30%من الحضور ، جاءوا لأسباب مهنية خالصة، ومن المفارقات أن عدد الباحثين الذين يفترض أن يشاركوا في المؤتمر حوالي 65 باحثا ، منهم اثنا عشر باحثا حالت السلطات العراقية دون مغادرتهم إلى القاهرة لحضور المؤتمر لينخفض عدد الباحثين الذين شاركوا في المؤتمر إلى حوالي 50 أو يزيدون على ذلك بقليل ، لكن القاعة وكما قلت لم يتجاوز شاغلو مقاعدها أربعين شخصا ، وهذا يعني ببساطة أنه من بين الباحثين من لم يكن حريصا على حضور الجلسات!
لكن قبل أن نوجه اللوم لنقادنا ومبدعينا وباحثينا ، علينا أن نسأل : هل انطوى المؤتمر على جديد ؟! ، مهم وجذاب لرعايا جمهورية الأدب من مبدعين ومتلقين ونقاد، مما يسهم في إثراء المشهد الإبدا نقدي بمصر والعالم العربي؟
“تحليل الخطاب” ، هذا هو عنوان المؤتمر ، وكمواطن عربي يرتبط جينيا بالمشهد الثقافي إن لم يكن كمنتج ، فمستهلك ، لا أخفي أن العنوان سبب لي صدمة ، ومؤتمر مثل هذا يفترض أن يكون حدثا مهما يثري بمخارجه الشأن الثقافي ، لذا كان يفترض أن يجهز له بجدية ، والتجهيز يبدأ بالعنوان ، لكن على ما يبدو أن العنوان وضع على عجل ، إنه دعوة لأي باحث كي يفتح أدراج مكتبه، ويسحب أي بحث ، أي بحث أعده من ربع قرن ، وسبق أن تقدم به لعشرة مؤتمرات ، ليشارك به في مؤتمر “تحليل الخطاب ” ، ولا أحد يستطيع الادعاء أنه غير مستوفي الشروط ، لهذا فوجئنا بأبحاث على شاكلة “مستويات الحكي في الرواية العربية”، وهو البحث الذي علق عليه الدكتور صلاح فضل بأنه في حاجة إلى أيام وليس لعشر دقائق لمناقشته !!
ومنذ عدة أسابيع كنت أتبادل الحديث مع ناقدة معروفة حول المشهد الإبدا النقدي “شاركت في المؤتمر ببحث مهم ، أظنه من الأبحاث القليلة التي أعدت خصيصا للمؤتمر ” وكان من وجهة نظري أن ثمة ظواهر أدبية مهمة للغاية لا تنال اهتمام نقادنا، كـ “أدب النكتة” المحتشد بجماليات مذهلة ولا يلتفت إليه أحد رغم أنه جسد بدقة التشكيل السيكولوجي بل والسياسي والاجتماعي والثقافي لأي شعب ، “تأثير الرقابة على المشهد الإبدا نقدي ” ، “المخارج الإبداعية للمشهد الثوري، الآنية والمتوقعة” ، قضايا كثيرة محددة المعالم ، في حاجة أن يتصدى لها باحثونا ، فإن كان أي إبداع يذيل بحركة نقدية ، فأمامنا أدب الطفل في العالم العربي المهمل بشكل مثير للتساؤلات من قبل نقادنا ، بل وينظر إليه كنشاط تربوي أخلاقي وليس إبداعي جمالي ، أليس هذا بالمشروع الجدير بأن ينظم حوله مؤتمر من قبل الجمعية المصرية للنقد ؟
أيضا قضية التأويل الأخلاقي للخطاب ، ليس فقط من قبل النخبة الدينية ، بل من قبل الملايين من سكان القاع ، هؤلاء في أي قضية جدلية تتعلق بعمل فكري أو إبداعي لن يتوقفوا أمام جماليات لماذا وكيف، بل تأويل ماذا حدث من منظور أخلاقي وديني ضيق ، وهذا يمثل تهديدا عظيما لمستقبل الإبداع ، وهو مانوه إليه الدكتور محمد صابر عرب وزير الثقافة في كلمته الافتتاحية، إن المواطن البسيط المستهدف بالمشروع الإبداعي لديه موقف توجسي من المبدع ، بناء على ثقافة تقليدية ومنغلقة، أليست تلك إشكالية في حاجة إلى مؤتمر بل مؤتمرات لبحثها ؟!
إن عدد المؤتمرات الثقافية التي تنظم في مصر قد يتجاوز الثلاثين مؤتمرا سنويا ، وتتعدد المؤتمرات ما بين مؤتمرات الأقاليم التي تنظمها الهيئة العامة لقصور الثقافة ومؤتمرات اليوم الواحد في اتحاد الكتاب ومؤتمرات المجلس الأعلى للثقافة ، بالإضافة إلى مؤتمرات أخرى تنظمها كليات الآداب والتربية ودار العلوم واللغة العربية بالجامعات. وأظن – وأستغفر الله العظيم ان كان ظني هذا من النوع المؤثم – أن الدوافع وراء غالبية مثل هذه المؤتمرات ليست دائما بريئة ، فإما أن القائمين على الجهة المنظمة تنتابهم حالة من الحنين الجارف للظهور في الفضائيات والصحف! أو أن ثمة فائضا في ميزانية المؤسسة أو المنتدى ويكون الحل تنظيم مؤتمر للتخلص من هذا الفائض!
فما هي محاور المؤتمر ؟ وماذا سيبحث ؟ ومن سيشارك فيه ؟، عشرات الأسئلة قد تتم الاجابة عنها على عجل ، بينما كل عضو في لجنة التنظيم منشغل بدعوة الباحثين من أصدقائه ليأتوا بأبحاثهم !
ولأن الموضوع كله يفتقد الى الدقة تداهمنا أبحاث معلبة استهلكت بالمشاركة في عشرات المؤتمرات والنشر أيضا عشرات المرات ، ! وربما قبيل انعقاد المؤتمر بعدة أيام يتذكر أحد المنظمين أن اللجنة المنظمة لم تضع عنوانا للمؤتمر فيسأل رئيسه ليجيبه سريعا وهو منهمك في الاستعداد لإجراء مقابلة حول المؤتمر مع إحدى الفضائيات : الأدب وتحديات العولمة ، الإبداع في الألفية الثالثة ، أو جماليات السرد المعاصر !عناوين فضفاضة وتهويمية تصلح في الظاهر أن يستظل بها أي بحث ، وهي في الحقيقة تفتقد للدقة العلمية والتحديد الذي ينتهي إلى مخارج مجدية!
وليتهم – مثقفينا – قبل تنظيم أي مؤتمر يستعيرون من الاقتصاديين ما يبدو أنه ألف باء أي مشروع ناجح ، دراسة جدوى للمؤتمر، فان تبين عدم الحاجة اليه ، فمن الأولى أن يعود فائض الميزانية الى خزانة الدولة لتوجيهه الى مشاريع أخرى أكثر جدوى من مؤتمرات بلا هدف أو عنوان !
أيا كان الأمر فيحسب لمنظمي مؤتمر الجمعية المصرية للنقد، توصيتهم بأن يكون عنوان المؤتمر المقبل “جماليات التواصل الرقمي، “، وإن كنت أرى تعديل العنوان ليكون ” التواصل الرقمي ، الإشكاليات والجماليات ” وهذا هو الموضوع الذي اقترحته على الناقدة المعروفة ليكون مشروعها النقدي ، وبصراحة لم يكن دافعي التنقيب عن جماليات التواصل الرقمي ، حين اقترحت عليها ذلك ، بل المخاوف على لغتنا وعلى جماليات المعمارية الأدبية التي تتعرض في جوانب كثيرة إلى التقويض من قبل هذا النوع من التواصل.
على أية حال ثمة مكسب شخصي تحقق لي خلال هذا المؤتمر ، أنني حظيت بلقاء مفكرنا الرائع الدكتور على حرب وتبادلت معه حديثا قصيرا حول كتابه المهم ” ثورات القوة الناعمة فى العالم العربى: نحو تفكيك الدكتاتوريات والأصوليات”، ولقائي بالرجل إنجاز يضاف إلى إنجاز آخر شخصي لا يقل أهمية، حديثي مع الدكتور صلاح فضل على هامش المؤتمر حتى لو كان قد سقط من ذاكرته!

محمد القصبي

إلى الأعلى