الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “خواطر طه حسين” .. تعرض محتويات مؤلفات أدبية أثرت الحركة الثقافية وتاريخ الفكر العربي

“خواطر طه حسين” .. تعرض محتويات مؤلفات أدبية أثرت الحركة الثقافية وتاريخ الفكر العربي

شكلت قراءاته ثقافته وكتاباته
القاهرة ـ “أشرعة”:
تدور أفكار طه حسين حول ما تحفل الحياة الأدبية العربية به من خصوبة ثقافية توالدت عن طريق تلاقي التيارات الفكرية وأطروحات المعرفة وسط الكثير من المتغيرات التي أثرت في حركة الكتابة والإبداع ومعطيات الفكر الأدبي. وما يقرأ بين الحين والآخر من كتابات الأدباء نتاج تفاعلات المجتمع كجزء أصيل من الثقافة العربية ومن ضميرها, وسيظل النقد والإبداع حلقة مهمة لتواصل التاريخ لخلق عالم ساحر يعج بالأفكار والرؤى ، وتفيض دروس الأدب وفنونه بمفاتن اللغة وطلاواتها التي تلفت نظر الجماهير لتلتحم في أهدافها مع ما ينشر في الصحف والمجلات عبر عقود عديدة مرت. ولقد طاف الأدب العربي بآفاق النهضة والحداثة والاستئثار التي تناولت موضوعات عن الدين والعلم والدولة المدنية وإصلاح التعليم والهوية والتراث. وما أحوج المثقفين لإعادة قراءة ما كتب من تراث أدبي للاسترشاد به في المستقبل لإحداث نهضة فكرية ترعي المواهب.
التاريخ حافل
يستعرض الدكتور طه حسين في مؤلفه عدة قضايا من خلال عرض محتويات بعض المؤلفات الأدبية التي أثرت الحركة الثقافية وتاريخ الفكر العربي. ويبدأ عميد الأدب العربي بتاريخ حوض البحر المتوسط حيث يصور بقلمه الحضارات القديمة التي نشأت علي سواحله، وما حفلت به من فنون وآداب غيرت الإنسانية. ويؤكد الكاتب أن تلك المنطقة أخرجت للعالم الفنون التطبيقية والفلسفة مما انعكس بالإيجاب علي ألوان المعرفة والعلم. فبواسطة هذا البحر عرفت الإنسانية اتصال الشرق والغرب لذا حرص الأستاذ محمد رفعت على إخراج كتاب قيم هو ( تاريخ حوض البحر المتوسط وتياراته السياسية ) الذي يقوم طه حسين بمعالجته أدبيا فقد احتوى الكتاب علي نقاط مهمة من تفاعل الثقافات التي خلفتها حضارات البحر المتوسط ، حيث أخذ الغرب من تلك المنطقة ثقافتها الثرية ليطور حضارته الحديثة، كما قام الغرب باستحضار قيم الإبداع من حوض المتوسط ليرسم خطوات نهضة للابتكار في أنواع العلم والفن وفي ضروب الإنتاج والاختراع. وتعلم اليونان من الشرق عامة ومن مصر خاصة الفنون والآداب والعلوم، ونقلوها لمن جاء بعدهم من الأمم، فجاء الرومان لينهلوا منها. ونمت حضارة الغرب على أركان ما تركه الشرق عامة وعلى ما خلفته حضارات البحر المتوسط ، فتفوق الغرب بعلوم لم يصنعها ولكنه طورها بعد أن نقلها. فليس غريبا أن يكون البحر المتوسط مصدرا للخير للإنسانية جمعاء. فهذا البحر مصدر لغنى وثراء ورقي عقلي ومادي للأمم لكنه عاش أوقاتا عصيبة حينما استخدم في الحروب والصراعات ليكون منطقة ملتهبة بالخلافات والآثام. وعلى جانب آخر يلقي النابغة طه حسين الضوء علي قصتين يعبران عن تناقض المعالجة الأدبية بين الشرق والغرب الأولي للأستاذ ثروت أباظة بعنوان ( ثم تشرق الشمس ) والثانية فرنسية للكاتب المعروف جيرلبرت بعنوان ( كان فيما مضي ). وقد قام عميد الأدب العربي باستعراضها كالآتي : أولا القصة المصرية تهدف لتوضيح تعاقب الأجيال واختلافها في نزعاتها وتوجهاتها ، فيما تريد الأجيال الكبيرة في السن أن تلون الشباب بالقيم والمبادئ وهي ترمي لعدم فقد جيل الصغار للأخلاق، بينما الشباب يريدون الاستمتاع بالحياة والعيش عيشة كاملة مرفهة لا تنقصها الكماليات فضلا عن الأساسيات. أما الخلافات فتنشب بصراع الأجيال بين القديم والحديث ، والرغبة في العودة للماضي عند الشيخوخة ، والنظر للمستقبل لدى الشباب ذوى النزعة للثراء. ويصور الأستاذ ثروت أباظة صورا للحروب العالمية وكيف عاشها الناس في بؤس وحيرة من المستقبل، وما يليها من فترات انفتاح وبحث عن المال والثراء ولو بفقد المبادئ. ويستعرض طه حسين القصة الفرنسية حيث صور الكاتب جيرلبرت جيلين متباعدين أشد التباعد ، جيل أدركه الشباب حتى خاض غمرات الحرب العالمية وبلغ الشيخوخة ، وجيل آخر في طور الصبا يبحث تكوين مستقبله بالعمل والكفاح رغم الظروف الاجتماعية القاسية الناتجة عن معتركات السياسة.
كتب لا تنسي
لعل هناك مؤلفات لا يمكن للمرء نسيانها مثل مؤلف ( مع البشاشة والحب ) وهو مترجم لعنوان مع الذراعين مبسوطين، ويعبر عن الصراع بين طبقات المجتمعات الغربية، والتي تركز على المال حتى ولو كان على حساب الحب والرغبة في اقتران الغني بالفقر، حيث يرفض الأهل الأغنياء الزواج من فقراء بينما يناضل الأحبة للالتقاء والانتصار لحبهم وعشقهم رغم الظروف القاسية التي تفرض نفسها عليهم . ويلفت المؤلف النظر إلى أن الحب أسمى المشاعر، ويوجد تناقضات مجتمعية واقتصادية تصطدم بالأحبة وتجبرهم على خوض صراعات ضد المجتمع المادي الذي لا يعترف سوى بلغة المال والغنى، والرومانسية التي يعيشها العشاق لا تعترف هي الأخرى بالفوارق المادية والدنيوية وصراع وفوارق الطبقات. ولعل التناقضات التي يرسمها مؤلف مع البشاشة والحب توضح كيف يتشبث البائسون بالأمل الذي يخرجهم من البؤس ، ثم حزن الأغنياء حين يفلت منهم قليل من المال وكأنهم يكتوون بناره صنعوها من جشعهم المادى وراء الثروة، بينما يعيش المحبون حياة مغايرة في عالم الحب الذي يقربهم ويملأ حياتهم سعادة حتى لو كانوا يعيشون برزق قليل لكن بسعادة دائمة تفوق من يكنزون الأموال فى خزائنهم. وينتقل طه حسين لمعالجة كتاب ( أبو العلاء المعري ) للأستاذة الدكتورة عائشة عبد الرحمن حيث حرصت المؤلفة علي تقريب أبي العلاء للجمهور بشكل ميسر وعرض تفصيلات من حياته الأدبية التي أثري بها الآداب والفنون والإبداعية في الكتابة ، فقد كان أبو العلاء محبا للدنيا مهما تكلف ويصبو للذات الحياة التي استأثرت بها كتاباته ولكن فطرته ذهبت به بعد ذلك مذهب الجد فأقبل على الاطلاع والتعلم والدروس والمكوث فى مجالس الفكر والعلم والثقافة. وعندما ذهب إلى بغداد لم يكن بين مجالس اللهو والعبث بل احتفظ لنفسه بمكانه متميزة بين مجالس العلماء والمفكرين والشعراء. وتأثر بمذاهب الهند وعمل على نقل بعض تراثها الحضاري للشرق، وحاول إيجاد حلقات الوصل بين مختلف الكتابات لإخراج إبداعات جديدة ومتنوعة . ويفرد طه حسين مساحة عن كتاب أبو نواس للكاتب الأديب عبد الرحمن صدقي حيث يعالج في مؤلفه مجمل حياة أبي نواس وكيف عاش أروع البيئات أيام العباسيين. وكيف أثرت عليه الخمر رغم روعته كأديب وشاعر كبير إلا أنه تعلم خلال حياته اللهو والمجون، وتربى في بيئات مختلفة وتحت ظروف متغيرة جعلت منه فحلا من فحول الشعراء فقدم لوعة المحبين ونهم المجون وبؤس الفقراء وثراء الأغنياء خلال قصائد خالدة حملت روعة لا يمكن الوصول إليها بسهولة فى الشعر التقليدى , رغم كافة التناقضات التي عاشها أبو نواس في حياته خاصة بالكوفة.
أدب الخلود
ينتقل طه حسين إلى قراءاته التي أثرت على مجمل فكره وعقله ومنها حياة طبيب للدكتور نجيب محفوظ التى ركز فيها على سرد اوجه الحياة كما يعيشها المصري بين لحظات ضعف وقوة وحزن وسعادة كللت بالنجاح في النهاية حيث يرسم نجيب بقلمه صورا مضيئة خلال رواياته لأشكال من البشر ملأوا العالم العربي بألوان من التفرد الشخصي بتجارب حفلت بالأفراح والأحزان بل والتناقضات، رأى فيها نجيب محفوظ كيفية تصوير الشخصيات من خلال رؤية لكثير من الأمور التي تعترض حياة العامة وتجبرهم على التنازلات إلا أن المبادئ والقيم تنتصر في النهاية . ويشيد عميد الأدب العربي بإنتاج الأستاذ أنيس منصور خاصة كتابة بعنوان ( حول العالم في مائتي يوم ) حيث وصف طه حسن الكتاب بالممتع والشيق لاستعراضه الحياة كيف تكون في كافة الدول والترحال بينها بالفكر والعقل. حيث يكون من يقرأ الكتاب وكأنه يتجول بين دولة وأخرى , ويرى شعبا ونقيضه ونظيره ويستلهم عادات وتقاليد كثيرة وأخلاقيات سامية وينفر من عادات سيئة بل وأحيانا يدور العقل في ملكات كيفية تقليد الأجانب والأجناس الأخرى بترحال الفكر إليها عبر كتاب ( حول العالم في مائتي يوم ). ويبرز طه حسين كتاب ( أقوى من الزمن ) كنقد لقصة يوسف السباعي، حيث تدور أحداث الكتاب حول بناء السد في أسوان، ومصدر ذلك بالطبع هو حرص الكاتب كما ذكر طه حسين على أن يسجل الأحداث الكبرى المعاصرة التي يشهدها. فكما سجل الثورة سجل الوحدة بين مصر وسوريا ثم انفصال سوريا عن مصر في هذه القصة التمثيلية بناء السد ، وما يثير في نفوس الناس على اختلافهم من العجب والإعجاب. ويختم طه حسين مؤلفه بالحديث عن قراءاته الأدبية التي عمقت تجاربه الثقافية وطرحت عنده أفكارا جديدة وعززت من معطيات نقده وفنون قلمه، ونما بينها سحر العمر للأستاذ توفيق الحكيم وقصة أعاصر ، وليل له آخر للأستاذ يوسف السباعي ، وكتاب قصة حياة أبوحيان التوحيدي للدكتور أحمد الحوفي ، وكتاب لقاء هناك كنقد لقصة ثروت أباظة وأيضا استلهام عميد الأدب العربي من أدب الغرب من خلال كتاب بعنوان ( النبوغ المغربي في الأدب العربي ) لعبد الله كنون ، وهناك كذلك تأثر طه حسين بالمترجمات مثل كتاب الكوميديا الإلهية للأستاذ أحمد عثمان عن الشاعر الإيطالي العظيم دانتي.

إلى الأعلى