الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “العقل الأمريكي يفكر” .. من الحرية الفردية إلى مسخ الكائنات

“العقل الأمريكي يفكر” .. من الحرية الفردية إلى مسخ الكائنات

متصدرا حضارة عالمية مهيمنة وآسرة
الفكر الأميركى يركز على التحرر والبناء والنهضة
فلسفة أميركا ترمى لتحقيق المصالح مهما كانت التوجهات
القاهرة ـ “أشرعة”:
العقل الأمريكى له السيادة متصدرا حضارة عالمية مهيمنة وآسرة . يعرف جوانب قوته وضعفه , ويدرك واعيا تحدياته , ويرسم خطا مستقبله للمواجهة مع أية أزمات أو مشكلات قد تعوق تقدمه , يعى حركة التاريخ ودور أقطاب الحضارة , حضارة عصر ما بعد التصنيع وتفجر المعلومات , وما تفرضه من مهام وتطرحه أمام الأطماع الخارجية , وسبيله إلى تحقيق الحلم الأمريكى التقليدى بإنشاء المجتمع العظيم الذى تدين له أمم وشعوب العالم بالولاء طاعة أو قسرا .
تفكير براجماتى
العقل الأمريكى بمعان مختلفة , وبهذا الحضور المهيمن فى العالم لم يعد مجرد موضوع للدراسة أو مجرد مشكلة خروج عن الذات المطروحة للبحث , بل بات قوة مؤثرة فى نسيج خبرات الذات التى هى أداة لصناعة العقل القومى أو الاطار المعرفى القيمى من منطلق التحرر والبناء والنهضة . لقد تبنى الأميركيون نهجا براجماتيا فى السياسة والحياة , حيث الغاية والنجاح فيها هما الحكم والفيصل . ولم تكن السياسة أبدا معركة بين الخير والشر , بل هى صراع مصالح فى المقام الأول. والوجود الاجتماعى ساحة عراك , ونزال بين هذه المصالح , والمصالح متغيرة , ولذا فإن السياسة شأن التجارة والاعمال لا تلتزم بمبادئ ثابتة , وكأنها نجوم هادية بل تلتزم بالمصلحة أينما كانت بأى ثمن , ويكون نهجها عمليا , أى النهج المثمر المحقق للمصلحة المرجوة سواء اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية , والحقيقة الثابتة فى المجتمع الأميركى أنه إذا ما اقتضت متطلبات السياسة الخارجية تعديلا فى المبدأ السياسى الداخلى , فإن هذا التعديل سرعان ما يتحقق , فالسياسة شأنها هنا شأن التجارة سواء بسواء , وهذه حقيقة عبر عنها المفكر الأميركى جيفرسون , حين قال إن ما هو عملى يجب أن تكون له الغلبة والسيطرة على النظرية الخالصة. وهكذا يسقط الالتزام المبدئى , ويغد المرء حرا ديناميكيا فى حياته وعلاقاته , وليس جامدا , ولهذا حسب هذه النظرية , فإن الإنسان دائما ومع حركة المجتمع وبسببها بحاجة إلى اعادة تفسير وتأويل وصياغة التقليد , أو ما ورثه من مثل عليا وأخلاقيات أو أيدولوجيات . ولكنه لا يقوم بذلك مهتديا بمعايير علمية موضوعية تعبر عن حاجات المجتمع , بل مهتديا وملتزما بمعايير المصلحة الذاتية . وحاول المثقفون الأميركيون خلال فترات عديدة تقديم فلسفة متسقة , وتضافرت جهودهم فى ذلك , وتعددت نوادى الفكر فى مختلف المجالات وصولا إلى هذا الغرض فى محاولة لتجميع وإثبات القيم والأفكار التى صاغت العقل الأميركى , وتحكم السلوك والمزاج الأميركيين , وترتبط ارتباطا وثيقا بالعالم , وقادرة على تبرير الوجود الاجتماعى بمكوناته المختلفة , ومن ثم قادرة على توجيه النشاط الفلسفى ملتزما بقواعد المزاج الأميركى , أى نسقا عمليا يحقق الغرض والمصلحة . كذلك فإن الحاجة إلى فلسفة كونية تولدت فى إطار يشهد بالتعارض بين نتائج العلم والدين , وبالمقارنة , بل وبالتمزيق الوجدانى بين قيم صيغت فى قوالب براقة , وبين واقع مرير ينذر بأخطار تحولات اجتماعية هدامة وصراع يعتمد على الفكر وأيدولوجياته, فلكل فريق تنظيمه وأيدولوجيته . والاعتقاد هو حلبة الصراع والهزيمة والانتصار , وحيث إن هذا هو مضمون الصراع , فلا بأس من أن يكون الهدف , هدف القوى المهيمنة خلخلة أو تقويض دعائم الاعتقاد عند الخصوم , وغرس اعتقاد مغاير , وهو ما يذكرنا بأصالة النهج الأميركى الآن متمثلة فى الدعوة إلى نهاية الأيدولوجيات القديمة . وانعكس أيضا مناخ الشك واللايقين ومزاج اللاعقلانية والتناقض والمفارقة على فكر المثقفين الذين أسهموا كل بنصيب مختلف فى سبيل صياغة الأيدولوجية الجديدة على أساس نظرية متسقة , وها نحن نجد المفكر جون فايسك أحد الرواد الذين أسهموا بدور فى صياغة الجانب الخاص بالتاريخ من أيدولوجيا المجتمع الأميركى المتطلع إلى الهيمنة على العالم , يقول الإنسان والطبيعة يجتازان معا الزمن الذى تغوص بدايته ونهايته فى ظلمات الأبدية الحالكة . وهكذا كشف الفكر الأميركى بعامة والفلسفى بخاصة عصره الذهبى الذى تمثله البراجماتية عن نزوع قوى واضح للشك , فيما هو عقلى , وتفسير كل من العقل والمعنى فى ضوء فهم سلوكى أو إجرائى , والتزاما بهذا النهج الذى يمثل قسمة مميزة لهذا الفكر .
ثقافة أميركية
دعا صانعو الفكر الأميركى إلى غرس فى أذهان الناس اعتقادا بأن فكرة الحرية هى قيمة استعمالية , وأن الحياة إرادة , ويعتقد فى مضمونها الذى اصطنع بين سديم أو تيار المدركات الحسية , ولم يهتد الفكر الأميركى إلى دراسة الواقع الموضوعى الا من حيث وجهة نظر معينة تقوم على صياغة مستقبل عالمى يخدم مصالح الولايات المتحدة , وفق مبدأ الثواب والعقاب , واللذة والألم , والتقييم مبنى هنا على أساس المنفعة , وكيفية بناء أمة حرة تكون قادرة على صياغة أنماط التعايش بين القوميات المختلفة , فالمهم تحديد وجهة نظر ثاقبة للأمور بحيث تلبى احتياجات المواطنين للحرية والديمقراطية , وتحقيق سلام يخدم المصالح , فليس هناك أصدقاء دائمون أو أعداء دائمون من قبل الفكر الأميركى , ولكن هناك مصالح يجب السير فى طريقها , وهو توافق فكرى أميركى يهودى . ولم يأت جهد صانعى الفكر الأميركى الرسمى مصادفة أو من فراغ , بل كان جهدا واعيا بالدور والهدف المنوط , وتعبيرا عن تحولات اجتماعية , وعن رؤية عالمية مواكبة فى هذا الفكر كأداة تكفل لها البقاء . إن الحرية الفردية أبعد ما تكون عن مطابقتها بالفردية الأنانية , وأبعد ما تكون كذلك عن الإرادة الحرة , بمعنى رفض الضرورة وإسقاط قوانين حركة الواقع وعلاقات المجتمع . حقا إنها ليست حرية مطلقة على نحو رومانسى فج يلقى بالمجتمع كله إلى التهلكة تحت إغراء رنين زائف . ولكن جميع الناس يتمتعون بدرجة ما من الاستقلال فى اختيار أهداف نشاطهم , وإيثار هذه السبل على غيرها فى بلوغ الأهداف المنشودة , وفى التحكم فى ظروف الحياة, ويتسق الفكر العلمى للتاريخ مع النزعة الانسانية الحقة , ومع المثل العليا لكل نهضة اجتماعية . وإذا كان حقا أن الظروف المحيطة بالإنسان تصوغ حياته , فإنه من الضرورى حل الاشكاليات الخاصة بالحرية عن طريق الايمان بالفاعلية المتبادلة بأن نجعلها ظروفا انسانية أى أن تكون ظروفا تكفل للفرد الاجتماعى حرية التطور الارتقائى الشامل . وعمد كثير من الكتاب والمفكرين الأميركيين بعد رسوخ أقدام البراجماتية منهجا وأداة للتفكير إلى أسلوب خادع وخاطئ إذ يرى كثير منهم أن الحرية الفردية مفهوم اقتصادى أكثر منه سياسى , وهى محاولة مجتزأة تفضى إلى اختزال المفهوم دون رؤية شامل , وعدم مراعاة للهوة الاجتماعية التى صنعتها الرأسمالية اللامحدودة التى تركز على المال دون القيم , وتخضع الجميع لحسابات الربح والخسارة دون مراعاة للأخلاقيات .
وكتاب “العقل الأمريكي يفكر” من تأليف الأديب المصرى شوقى جلال ونشرته مكتبة الأسرة بالقاهرة، برعاية الهيئة المصرية العامة للكتاب .

إلى الأعلى