الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / أنواء الحياة ، لـ “عبدالله الريامي”

أنواء الحياة ، لـ “عبدالله الريامي”

سنقترب اليوم من تجربة أحد الفنانين الرواد المؤسسين في مشهد الفن التشكيلي العُماني، فنان مبدع جمع بين الموهبة الفطرية والدراسة الأكاديمية للفنون التي نالها في بداية السبعينيات من دولة الكويت، وقد تشربت أُسرة هذا الفنان بروحه الفنية فوثبت عليها مغترفة من يمها الوارف مقدمة للحركة التشكيلية نماذج إبداعية نفاخر بجميل عطائها الفني وروعة إبداعها الفكري. يمتلك هذا الفنان حساً إبداعياً منظماً من حيث الأسلوب والتنفيذ وعميقاً من حيث المعنى والدلالة ، نلمس هذا الأثر من خلال دقته المتناهية في الأداء والتماسك البنائي بين العناصر والمفردات ، كما يتسم هذا الفنان بميزة الصبر أثناء الإنتاج الفني، فالعمل بالنسبة لديه ، له مساحة من الزمن يسير فيها ليصل إلى خط النهاية ولا يألو بالاً أن يكون الأول أو الثاني فالمهم لديه هو الوصول بأعلى درجات الثقة والاحترافية، لأنه يدرك أن عمله هذا سيواجه جيشاً من المتلقين وتحت ملابسهم تختفي الكثير من الثقافات والشخصيات ، فيجب أن يستوعب العمل كل هذه الظروف ليحقق كماله وتألقه ويعكس شخصية باعثه ومنتجه.
وقد اخترت العمل الماثل أمامكم للورود عليه واستشعار فلسفته وفك شفراته الرمزية ـ إن حالفني التوفيق ـ لنحقق بصحبته جانباً من المتعة الجمالية ونذهبُ بأرواحنا بعيداً حيث يقف الفنان فوق التلال الشاهقة العلو متأملاً لمشهد الحياة ومستدعياً كل تفاصيلها ليلونها بإحساسه المرهف ويسكب عليها قطرات من لغته الفنية المبتكرة. فهذا العمل النابض بالديناميكية، السائد ببهجة اللون الأخضر، المتقولب حول محوره ، الخارج بحباله من فتحات الأمل والداخل في عمق الألم، هي رموز تحمل في مضمونها فلسفة عميقة وتستند على أفق محمل بخبرات الحياة وتجاربها ، وعلى أطر محددة مستعارة أو طالعة من العمق العفوي أو متأثرة بشيء ما ، بيد أنني أدخلتها في مرحلة وصل إليها الكثير من البشر في حياتنا المعاشة بعضهم استظلوا تحتها فحاصرتهم أنواء الحياة عمرهم كله أو جزءا منه ، فالدوائر قد تشكل هنا عقد مختلفة الأحوال والظروف التي يمر بها البشر بحسب حجمها ونوعها، وبعض هذه الدوائر ذات قرار عميق ومهلك رمز لها الفنان بالنقطة السوداء في وسطها ليدلل على أنها قد تنهي حياة صاحبها، والأخرى عكس ذلك قد يشع من قعرها النور وتتفجر بالخير العميم كالعين التي تفيض من لجة الأعماق ماءً زلالا ، وهذا دليل على أن الخير قد يكمن في داخلها ، يقول المولى الكريم في كتابه العظيم “فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا” ويقول الشاعر” ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج” ، ويظهر لي بأن الفنان متفائل مُقْدِمٌ على الحياة في أغلب أحوالها لظهور النور الذي يشع بالأمل من وسط أغلب حلقاتها، برغم التموجات المرتدة على جوانبها، بالضبط كحالة الاتساع في الحلقات التي تظهر على سطح الماء عند إلقائك حجرا في وسطه بحسب حجم الحجر الملقى في لجته، وهكذا المشكلة تتداعى آثارها أحياناً إلى حجم أوسع لم يكن في الحسبان، فحياة البشر لا تخلو من ظروف وتداعيات ، إلا أن استيعابها يعتمد على درجة الحكمة التي يتمتع بها الإنسان عند مجابهة مصاعب الحياة. ويظهر لي بأن الحبل المتداخل في العمل والمترابط معه بإحكام هي الطريق إما لحل مصاعب الحياة أو بترها دون الوصول إلى نتيجة، فالحبل في هذا العمل يدخل ويخرج بسهولة وثبات في ثناياه ويمسك بشدة بعض أجزائه مدللاً على حكمة صاحبه وثباته وقوته في معالجة المشكلة التي يتعرض لها وقدرته على الدوران والالتفاف حول العناصر لإيجاد مخرج لأزمته ، إلا أن البعض الآخر قد يتراخى ويضعف أو لا يجد حلاً لما يعاني منه فتنقطع طرقه ، وأحياناً يكون متماسكاً إلى مرحلة ما ثم يضعف ويستكين، إما بمؤثر داخلي أو خارجي ليس له دخل فيه .
ويعكس استخدام الفنان للون الأخضر ودرجاته في سيادية متناهية إلى رؤية أخرى قد تضفي للعمل ورمزيته ومعانيه ألقا آخر فاللون الأخضر دائماً ما يرمز للخير والأمل والمستقبل والبعث من جديد، والتفاؤل وتَجديد الآمال العظيمة للمستقبل، واستعادة القوى وبه طاقة عجيبة ، كما أنه مفيدٌ للقلب، ويُساعد على التنفُّس بعمق، وهو لون يُساعد أيضاً على إعادة التوازن لخلايا الجسم، وهذا اللون يدخل على الإنسان السرور والبهجة، ولذلك نَجد الأطباء في العمليَّات الجراحية يرتدون هذا اللون لتخفيف الألم عن مرضاهم، ولمنحهم الإحساس بالبهجة والسُّرور، ويرمز اللون الأخضر أيضاً إلى الخصب والبركة والنَّماء؛ كما في الآية الكريمة: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأْرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) وهذه الدلالات الجميلة التي يرسلها هذا اللون إلى النفوس توصلنا إلى أن الفنان متمسك بأن يزرع الأمل الجميل في النفوس برغم عقد الحياة وقسوتها ومصاعبها المختلفة ، لأن الاستسلام عند مواجهة آلامها يفقد الإنسان لذة الاستمتاع بما منحه الله له من نعم عظيمة لا تعد ولا تحصى .

عبدالكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى