الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / شعراء السلطنة يحطّمون قاعدة برنامج شاعر المليون (1/2)

شعراء السلطنة يحطّمون قاعدة برنامج شاعر المليون (1/2)

لم أكن أتصوّر في يوم ما أن يصل أيما شاعر عماني إلى المرحلة النهائية من برنامج شاعر المليون، وقد ذكرت رأيي هذا بوضوح في أكثر من لقاء إعلامي وجادلت حول صحته لأسباب منطقية، غير أن النسخة الأخيرة من برنامج شاعر المليون خالفت كل قناعاتي، لقد أثبت الجمهور العماني مدى تفاعله مع الشعراء متى ما كان شعرهم يعنيه ويلامس عاطفته ويستفزّ مشاعره، لذا وصل الشاعر العماني كامل البطحري إلى المرحلة النهائية مدعوماً بتأييد جماهيري جارف أهّله لينال المركز الوصيف وهو الذي نافس بشدّة على المركز الأول لولا الفارق البسيط في نتيجة التصويت. كما وصل الشاعر علي الغنبوصي إلى المرحلة ما قبل النهائية، وبذلك فإنهما قد وصلا لمرحلة لم يصل إليها أيما شاعر عماني من قبل في هذه المسابقة .

خمسة شعراء يشعلون حماسة الجماهير العمانية

لا يختلف إثنان على أن البرنامج يعتمد بنسبة كبيرة على تصويت الجمهور، التصويت الذي يتكئ على التعاطف مع الشاعر لكونه ينتمي لنفس القبيلة أو لنفس البلد ونادرا ما يكون التصويت للشعر ذاته وقد شهد البرنامج على مدى تاريخه سقوط شعراء إعلاميين كبار بسبب هذه الخاصية، وبالمقابل فقد تألق شعراء شباب أصبحت لهم جماهيرية طاغية. لقد كان الشعراء العمانين المشاركين في النسخة السادسة أذكياء بما يكفي لتفهّم هذه النقطة، فبلا شك كان هدفهم تجاوز مرحلة (٢٤) التي لم يتجاوزها أي شاعر عماني سابقا في برنامج يعتمد على التصويت المحموم من قبل الجماهير.
افتتح المشاركات العمانية الشاعر خميس الوشاحي، الذي جاء نصّه مكملا للنصوص العمانية المشاركة في النسخ الخمس الأولى للبرنامج، فقصيدته تحمل أبعادا إنسانية وفلسفية وتوظّف الرمز الشعري بشكل جميل، هي قصيدة لذات الإنسان، قصيدة لا تبحث عن التصويت بحجم ما تبحث عن التفكير والتأمل العميق وربما عوّل الشاعر على ذائقة لجنة التحكيم لتأهيله، غير أن اللجنة أهّلت شاعرا آخر. لم يجد الوشاحي تصويتا كافيا ليتخطّى المرحلة الاولى (1)، ومن قصيدة نقتطف هذه الأبيات:

تسلّقت ع أكتافٍ وطاحت علي نجوم
وانا ما استرقت إلا علومٍ تروعني
هِنَا في المُدن ما يصعب إلا الصدق والنوم
أحسّ إن ما به مرقدٍ عاد يوسعني

بينما جاءت مشاركة الشاعر العماني الثاني مختلفة تماما، فقد فاجأ الشاعر حمود بن وهقه الجميع في إطلالته الأولى حين استطاع توظيف موضوع التسامح المذهبي في عمان والتوافق الديني والسياسي بأسلوب شعري عاطفي مؤثر وجد قبولا مغلّفا بالزهو لدى معظم الجماهير وتم تناقل أبيات قصيدته في مواقع التواصل الاجتماعي ومنها بيته الشهير:

نعانق المسجد بعد صوت الآذان
ونسجد إباضيّه وشيعه وسنَّه

ولو لم تختاره لجنة التحكيم للتأهل لكان قد تأهّل بواسطة التصويت. أما بقية الشعراء فقد تأهلوا بالتصويت بعد أن وجدوا دعما كبيرا من الجمهور العماني، فقد نظّم الجمهور لهم حملات إعلامية كبيرة في محافظاتهم وولاياتهم وهم الشعراء كامل البطحري وعلي الغنبوصي وسعيد الحجري. ففي حلقة البرنامج الرابعة كان لظهور البطحري اللافت وقع لدى الجمهور ولعل صوت القبيلة كان حاضرا بقوة لدى كامل البطحري الذي استهلَّ قصيدته الرئيسية بأبيات ختمها بهذا البيت :

يللي بنوا مِنِّي جبل من طموحات
بإذن الله آجَمِّل وانا إبن بَطْحَر

وقد شارك بقصيدة أهداها لروح والده، بدأها بذكر الحادث المروري الذي تعرض له والده ومن ثم ضمّن خلالها حبّه لوطنه عمان وقد تأهلت القصيدة بواسطة التصويت حيث نال الشاعر أعلى نسبة تصويت ومن القصيدة نختار هذه الأبيات حيث يسمو الوطن فيها بجلال:

أمثّل وطن موجه رسل غمزةٍ للبر
وبرّه بوجه البحر فتّح نواويره
وطن لا عجب لا قالوا الناس جوّه حر
تأثّر بدم رجال بقلوبهم غيره

بينما شارك الغنبوصي بقصيدة تلقي الضوء على مفهوم الجهاد الخاطئ لدى بعض الشباب المغرر بهم:

أما جهاد اليوم أرضٍ وعرضوها بالمزاد
كلٍّ دفع من بندقه والدار ضاعت بالأخير

وكما تأهّل البطحري بالتصويت تأهّل الغنبوصي كذلك ، فقد أتت الحملة الإعلامية الشعبية نتائجها ونقلت ابن جعلان للمرحلة الثانية متخطيا الشعراء الآخرين، ومنتقلا إلى مرحلة سوف يكون حضوره فيها أكثر تأثيرا. الشاعر الذي أكمل عقد الشعراء العمانيين الأربعة هو الشاعر سعيد الحجري الذي تأهل بتصويت الجمهور حيث جاء أولا بنسبة ٧٥٪ وقد ألقى قصيدة بعنوان ” الأنفاس” ومنها هذه الأبيات:

من صحاري عمان ومحزم الاطعاس
كفخ شاعر وشرّف ناسه وربعه
يصحّيه الاذان وف العيون نعاس
عرك عينه عن نعاس بطرف صبعه

ولأول مرة منذ قيام البرنامج يصل أربعة شعراء عمانيين للمرحلة الثانية، ثلاثة منهم بالتصويت والآخر باختيار لجنة التحكيم..

أربعة شعراء في مرحلة (24)

ظهور صوت الوطن والقبيلة واستنفار الجمهور
شهدت مشاركة الشعراء العمانيين في المرحلة الثانية من مسابقة شاعر المليون تغيّرا جذريا، سيلاحظ المتابع الخطاب الموجّه للجمهور عبر القبيلة والتفاخر بها أو بالوطن الذي لن يخذل أبناءه كما جاء في بيت الشاعر كامل البطحري حينما أعلن المقدم تأهله إلى المرحلة الثالثة :

دارٍ لها السيفين والخنجر شعار
حشا عليها ما تخلّي ولدها

لجأ الشعراء إلى مخاطبة عاطفة الجمهور مباشرة، وهم بذلك يعبّدون طريقا لم يكن مستخدما من قبل الشعراء العمانيين السابقين. وبرغم أسلوب النداء القوي الذي وجّهه البطحري للجمهور غير أنه شارك في المرحلة الثانية بقصيدة وجدانية، رومانسية حالمة، وكأنه أراد أن يثبت للجنة وللجمهور مدى إمكانياته وقدراته على التنويع والمنافسة وقد شارك بقصيدة بعنوان ( حكاية ساري) نختار منها:

حبيبتي تهدي الأنفاس للأكسجين
والثوب كسّر زجاجة عطره وشمّها
تحارب لحافها لا حسّت بحرّ لين
ترميه تحته وتنام ويرجع يضمّها

لقد وجد البطحري في أول حلقتين دعما قويا من محافظته، ما لبث أن تحوّل هذا الدعم من كل مكان في عمان، وهذا ما سنسلط عليه الضوء في المرحلة الثالثة وكذلك المرحلة الأخيرة.
الشاعر المتأهل للمرحلة الثانية هو الشاعر علي الغنبوصي الذي وظّف الفنون العمانية بذكاء وقد نجح في لفت الأنظار، وذلك حينما استهل مشاركته في المرحلة الثانية بواحد من أشهر الفنون العمانية وهو فن الرزحة، سنلاحظ الطريقة الذكية التي ضرب بها الشاعر أكثر من عصفور بحجر واحد:

طابت الدنيا وطابت ليالي
شاعر المليون هذي تحيّه
ساقها شاعر يسوق الجزالي
موطنه يوقف بوقت الحميّه
وقفتي قابوس في عين غالي
والعطا زايد وداره سخيّه
محزمي جعلان وقت الثقالي
والعمايم دوم تبغي العليّه

يصرّح الشاعر بأن ولايته هي التي يعتمد عليها في التصويت حينما تشتد المنافسة، ولم يخذل أهل جعلان شاعرهم حيث نجحوا في تأهيله إلى المرحلة الثانية وهو بطريقته يشكره ويطالبهم بالمساندة طوال البرنامج، كما أنه بتقديمه لفن الرزحة فإنه يجذب تعاطف كل العمانيين ومباركتهم لهذا الشاب صاحب الصوت الجميل الذي قدّم شيئا من الهوية العمانية بطريقة رائعة واستمر الغنبوصي في اختيار المواضيع العامة لقصائده، فبعد أن شارك في المرحلة الأولى بقصيدة تستنكر جهاد المسلم ضد أخيه المسلم، فها هو يشارك بقصيدة تتحدث عن الوحدة الخليجية وأحلام الشعوب الخليجية في العيش بسلام ومحبة فيما بينهم، هي قصيدة تظهر الروح العمانية الشابّة نحو ضرورة استمرار الكيان الخليجي، كوحدة اجتماعية وسياسية واقتصادية، ومن ضمن الأبيات التي تضمنتها القصيدة:

قلوبنا روضةٍ خضرا بلا بيبان
نتقاسم القوت والحاجات مقضيّه
يا تراب بنخاك هالليله ولي برهان
يا ما على صفحتك سطّرت ما ضيّه
ما نختلف دام بالشده وساع بطان
إلنا غصون الصعابي دوم محنيّه

الشاعر الآخر الذي كان حضوره مبهرا للجمهور هو الشاعر سعيد الحجري، الذي أبرز الخنجر العمانية حينما ارتداها اثناء مشاركته وقد استهل مشاركته بأبيات تحمل دلالات وطنية واسعة الأبعاد، وقد شارك بقصيدة تتحدث عن حالة الكتابة ووصف دقيق للقصيدة ذاتها :

لْوين ؟ م ادري !!ساريٍ تايه سبيل
من ضلعي لضلعي شعوري في صراع

اعزل سمين الفكْر عن فكرٍ هزيل
فكرا يجملني ف ذربين الطباع

دام القصيدة بنت …شاعرها : خليل
تحشم مثل ما تحشم امّات القناع

لم يكن الشاعر حمود بن وهقه محظوظا في المرحلة الثانية، برغم قصيدته الرائعة التي شارك بها والتي وجدت مدحا مطولا من الدكتور غسان الحسن، وكانت تستحق التأهل بجدارة غير أن لجنة التحكيم اختارت أن تضع الشاعر تحت رحمة التصويت بعد ان أهّلته في المرحلة الأولى، وكاد أن يتأهل لولا فارق بسيط في الأصوات.. وهكذا خرج واحد من أجمل الشعراء بعد ان ترك اثرا جميلا، ومن أبيات قصيدة ( قصة قصيرة جدا) نختار هذه الأبيات:

صحى قبل ديك الجار لا يزعج الجاره
وضيا الشمس من خلف الجبال يتسلّقها
ولمّا خيوط الصبح غطت جسد داره
طلع وأمّه تجهّز فطوره ، وعانقها
تعب كل يوم يرمّم بأم منهاره
بدون أي ذنبٍ يذكر .. أبوه طلّقها !
خذاها خجولة ، وجهها تنور أزهاره
قطف بسمة البنت البريئه وفارقها

استدراك:

في العدد القادم سنواصل متابعة مشاركة الشعراء العمانيين ووصولهم إلى المرحلة الثالثة وكذلك المرحلة النهائية.. موضّحين أهم اسباب هذا النجاح. كما سنطرح بعض المواضيع التي يجب أن نلتفت لها حتى لا نهدم ما كنّا قد قمنا بتشييده معا، وأهمها اللحمة الوطنية والتسامح الفكري والديني والهوية العمانية، كذلك ميزات القصيدة العمانية والوعي الذي يتميّز به شعراء عمان. كل ذلك يجب علينا أن نحافظ عليه دون أن يتعارض مع أحلامنا وطموحاتنا الشخصية.. فالحذر في المشاركات القادمة أن نقع في فخ التعصب القبلي والمذهبي بسبب استجداء الأصوات.. إن نجاح الشاعر الجميل كامل البطحري سيفتح الأبواب على مصراعيها للمشاركة في البرنامج، وسيكون الشعر بوقا للمفاخرة والمدح. بينما عُرف عن الشعر العماني بأنه شعر الوجدان والرومانسية والعاطفة والرمز الجميل.. لقد عرف الشاعر العماني بأنه شاعر وطن وليس شاعر قبيلة، وهذا ليس انتقاصا بالقبيلة ولكنه إجلال للوطن.. والذي لا يحتاج لبرهان ولا دليل بأن نجاح الشاعر كامل البطحري كان بسبب كونه شاعر وطن، لذا على الشعراء الشباب أن يتنبهوا لهذه النقطة ويعطوها جلّ تركيزهم.

ملاحظة:
الأبيات المنشورة في المقال والمعلومات الواردة مصدرها موقع برنامج شاعر المليون..

http://www.almillion.net

الهوامش:
1- في حديث أجرته مجلة شاعر الميلون مع الشاعر خميس الوشاحي وسألته عن سبب خروجه، أجاب: ” ربما لجنة التحكيم لم تنظر إلى الشعر الحقيقي في النص الذي مر مرور الكرام عليها، وربما لها معاييرها التي أجهلها” المصدر مجلة شاعر المليون- العدد 87- ابريل 2014.

حمد الخروصي
twitter: @hamed_alkharusi

إلى الأعلى