الثلاثاء 20 أغسطس 2019 م - ١٨ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: هي المطلوبة في هذه الظروف!

باختصار: هي المطلوبة في هذه الظروف!

زهير ماجد

الذاكرة غول ينهش العقل كلما لاحت التفاتة ما يستعيد بها زمنا .. بالأمس كان حديث بالصورة عن وحدة مصر وسوريا، دائما سوريا في الواجهة، ولم يكن ليقبل عبدالناصر وحدة إلا معها في بداية مشروعه الوحدوي، بل أي مشروع عرض عليه في تلك الأوقات العربية التي تتشابه سنواتها.
هو زمن مضى، حدث ليس بالهين مروره أمام عقل يستمد قاعدة حياته من خلال تمسكه بالعروبة وبالقومية العربية. مر شريط الوحدة أمام العين، لكنه أوقد زمنا لا يمكن إعادته مرة أخرى .. فبين اليوم والأمس ليس سنوات فقط، بل عبرة تجربة ثبت أن توقيتها كان قدر أمة، لكنه في ظروف واقعنا العربي الحالي يستحيل قيامه، وسيتهم بالجنون كل من يفكر وحدويا أو يدعو إلى الوحدة، مع أنها خير مخرج من الأزمات العاصفة.
تنفع الوحدة في هذه الأيام أكثر بكثير من أي توقيت .. فبقدر ما هي ترجمة لأشواق مخبأة، ونكاد أن نقول إنها إحساس سري يمكن تصاعده عند تحقيقه، فإن الحاجة إلى الوحدة تخفف من آلام أقطار عربية، وتدفع عنها الخطر المصيري الذي يتهددها. تصوروا موقف إسرائيل منها، فلقد عاشت إبانها على قلق المصير، ورغم ما قيل إن الانفصال الذي وقع بعدها كان سببه أخطاء في التعامل المصري مع السوريين، إلا أن حجم التآمر الدولي كان كبيرا وبدأ منذ اليوم الأول لها ..
ماذا لو تحققت الوحدة في هذه الأيام..؟ افتراض جنوني أعرف استحالته، لكن الافتراض ممكن، وقراءة تجلياته ممكنة أيضا. يوم تم إسكات إذاعة القاهرة إثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، صدحت من دمشق على الفور جملة “إذاعة القاهرة من دمشق” يومها لم تكن هناك وحدة، كان الشوق إليها لا يوصف، وفي كل عربي ما يملأ فؤاده من أمل بها. وفي تلك الأيام العاصفة في مصر حيث ذاك العدوان، ذهب سوريون ولبنانيون وفلسطينيون للدفاع عن مصر، وكان أبرزهم السوري جول جمال الذي قاد زورقه الحربي وبه متفجرات هائلة باتجاه المدمرة الفرنسية جان دارك وصدمها بقوة مما أدى إلى غرقها، وقيل يومها إنها لو وصلت إلى المكان الذي كانت تقصده لأدت إلى تدمير مدن مصرية بكاملها. وعندما وقعت نكبة فلسطين، فتحت القاهرة آنذاك مراكز تدريب لمن يريد الالتحاق بالعمل الفدائي، فيذكر خالد محيي الدين أنه قام بتدريب المئات من شتى المناطق العربية وبينهم ستمئة على الأقل من السعودية وحدها. وليس بعيدا عن هذا الزمن، فعندما انطلقت المقاومة الفلسطينية إثر الهزيمة الكبرى عام 1967 كان نصف المنخرطين بالعمل الفدائي من العرب وقد استشهد منهم الكثير، وما زلت أذكر كيف تم تشييع أحدهم اللبناني عز الدين الجمل حين مشى في جنازته مليون شخص تقريبا، وكان قد استشهد أثناء قيامه بعملية فدائية في فلسطين المحتلة.
لن يكون هنالك هيبة للأمة إذا لم تفكر بوحدتها وتعمل عليها .. بل لا وجود دائم لها بدون تحقق فكرة وجودية من هذا الطراز، كي لا تظل مجرد أرشيف مرمي وسط مواد أخرى. من المؤسف أن ما شاهدته عنها بالأمس اشتعل أثناء عرض الفكرة ثم خبا بعد انتهائه.

إلى الأعلى