الجمعة 22 مارس 2019 م - ١٥ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (وما آتاكم الرسول فخذوه)

(وما آتاكم الرسول فخذوه)

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: إنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) هو المعلم والمربي لهذه الأمة، وإن كان ما مر علينا في المقال الماضي صور من الغلو لم يشفع لها حسن نية أصحابها وعلو همتهم، فهناك صور أخرى من الغلو وراءها سوء النية والأدب وكانت سببا في فتن كثيرة للأمة.
فساد في البلاغ والدعوة
وللغلو جذور في التاريخ كلها دالة علي ثلاثة أمور: فساد في الفهم والتصور، ويتبعه فساد في السلوك والعمل، ثم ينتهي إلي فساد في البلاغ والدعوة، وكان (صلى الله عليه وسلم) يقسم غنائم علي بعض المؤلفة قلوبهم ثم أتاه رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتيء الجبهة كث اللحية مشمر الإزار محلوق الرأس فقال له: اتق الله يا رسول الله! فقال: ويحك! ألست أحق أهل الأرض أن أتقي الله، ثم أدبر ..، ثم نظر إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو مقف فقال:(ها! إنه سيخرج من ضئضئي هذا قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) ـ رواه أبو داود والنسائي عن أبي سعيد وهو في الصحيح بمعناه.
قصة رجل من بني اسرائيل
قُتل رجل من بني إسرائيل وكان ذا مال ولا وريث له إلا ابن أخيه، فتعجل الوريث قتل مورثه وألقاه بين قريتين فاتهمت كل قرية الأخرى بقتله وكادوا يقتتلون فيما بينهم، ثم قالوا علام نقتتل وفينا نبي يوحي إليه هيا بنا إلي موسى ـ عليه السلام ـ لنسأله، فتوجه موسى ـ عليه السلام ـ لربه فأوحى إليه أن يأمرهم أن يذبحوا بقرة، فقالوا أتهزأ بنا، وما علاقة ذبح بقرة بهذا القتيل؟ (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين)، فأوحى الله إليه بأوصافها أنه لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك، فسألوا عن لونها، فقال لهم: صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، فماطلوا وطلبوا زيادة وصف لها، فقال: لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها، فلم يجدوا هذا الوصف إلا عند رجل أبي أن يبيعها لهم إلا بوزنها ذهباً، إنهم لو ذبحوا أي بقرة لأجزأتهم ولكن شددوا علي أنفسهم فشدد الله عليهم . فلما فعلوا ما أُمروا به، أمرهم أن يأخذوا جزءا من هذه البقرة فيضربوا به القتيل ، فقام حيا فسألوه من قتلك؟ قال: ابن أخي، ثم خر ميتاً.
وقد تفرع علي ذلك حكماً فقهياً وهو: أن قاتل مورثه لا يرث واستند لذلك الفقهاء فوضعوا هذه القاعدة الفقهية الأصولية وهي:(من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه) .. نعم قد يكون هناك خلاف في فهم النص وليس خلاف في مشروعية النص، وهذا الخلاف في الفهم مشروع مادام قائما علي الأصول مبنيا علي الدليل، وهنا يكون الانتصار للحق وليس الانتصار للنفس، يقول أبو سعيد الخدري ـ رضي الله عنه: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة بالوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد:(أصبت السنة وأجزأتك صلاتك) وقال للذي توضأ وأعاد:(لك الأجر مرتين) ـ رواه أبو داود والنسائي. وما الحرج أن يتعدد الصواب مع الأدب واحترام الآخرين دون سب وتجريح أو قذف بالبدعة والفسوق؟!.
الحلال الطيب
(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله)، المسلمون أسعد الناس بدينهم وكتابهم ونبيهم وشريعتهم ، يتمتعون بالحلال الطيب ويرضون ربهم في حياة طيبة وعدهم الله بها في كتابه، فاليسر كله في صدق المتابعة للكتاب والسنة، أما قال الله تعالى لنبيه ومصطفاه: (ونيسرك لليسرى).
ولقي أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ حنظلة ـ رضي الله عنه ـ فقال: كيف أنت يا حنظلة ؟! قال قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يذكرنا بالنار والجنة. حتى كأنا رأي عين. فإذا خرجنا من عند رسول الله، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات. فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فوالله! إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قلت: نافق حنظلة. يا رسول الله! فقال رسول الله: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك. تذكرنا بالنار والجنة . حتى كأنا رأى عين. فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات. نسينا كثيراً، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(والذي نفسي بيده! إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم. ولكن، يا حنظلة! ساعة وساعة) ثلاث مرات . رواه مسلم والترمذي.
تفريط مذموم
الذي فرَّط في دينه وضيَّع حق الله وحق عباده فهذا تفريط مذموم، والذي عسَّر يسيرا وضيق واسعا وألزم نفسه بما لم يلزمه به الشارع وشدد علي نفسه وعلي الأمة حتي أوقعها في الحرج فهذا غلو وإفراط مذموم، إذا ما هي صفة هذه الأمة؟ القرآن يجيب:(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً).
* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر

إلى الأعلى