الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / دبلوماسيو العراق بين العزل السياسي والمصالحة الوطنية

دبلوماسيو العراق بين العزل السياسي والمصالحة الوطنية

احمد صبري

إن الدبلوماسيين العراقيين المبعدين الذين يرزحون تحت وطأة الفصل والإقصاء والحرمان من حقوقهم المدنية، وخاصة التقاعدية هم ثروة العراق وذخيرته ينبغي إنصافهم وردّ الاعتبار لهم، والاستفادة من مواهبهم وخبراتهم المتراكمة ورفع الحيف والظلم الذي لحق بهم بسبب إجراءات وقوانين احتلالية كانت تستهدف الإنسان العراقي فكرا ومنهجا وموقفا وهوية وانتماء.

يغفل المطالبون بالمصالحة والتسوية السياسية مافعلته سياسة العزل والإقصاء السياسي التي مارستها الحكومات التي أعقبت غزو العراق واحتلاله، وتداعياته التي طالت الآلاف من نخب العراق وعلمائه وذخيرته المستقبلية، وحرمتهم من حقوقهم المشروعة، رغم أنها وقوانين أخرى من أهم ركائز أي مصالحة أو تسوية حقيقية، لا بل إنها القاعدة التي يستند إليها السلم الأهلي، لتحقيق التوازن المنشود بين مكوناته.
وعندما نتحدث عن المتضررين والمحرومين من حقوقهم الدستورية الذين طالهم المقص الثأري، فإن الدبلوماسيين العراقيين هم في طليعة قائمة المعزولين سياسيا من جراء الإجراءات الانتقامية المخالفة لحقوق الإنسان ومبادئ القانون الدولي، وهذا الحق يشمل نخبًا مختلفة كان لها الدور في بناء العراق والحفاظ على سيادته ووحدته خلال العقود الماضية.
لقد ألقت تداعيات احتلال العراق وانهيار منظومة الدولة بظلالها على مجمل أوضاع العراقيين، وألحقت الأذى والظلم بشرائح وقطاعات كبيرة منهم تحملوا وطأة هذه التداعيات حتى الآن، وآن الأوان لوقف هذا المسلسل.
وماوسّع من دائرة المتضررين من تداعيات الغزو القوانينُ التعسفية التي أصدرها حاكم العراق السابق بول بريمر، في محاولة لتدمير الدولة العراقية وركائزها الحيوية وعقولها المتنورة، وهذه القوانين أصبحت سيفًا مسلطًا على رقاب ملايين العراقيين، حرمتهم من حقوقهم المدنية التي كفلتها القوانين، في محاولة لإذلالهم وتحميلهم مسؤولية ماكان يجري في العراق قبل احتلاله.
وقرارات حلّ وزارتي الدفاع والإعلام التي ترافقت مع تجميد نشاط العمل الدبلوماسي بإبعاد وفصل أبرز وألمع الدبلوماسيين بهذا القطاع الحيوي الذين دافعوا عن العراق في المحافل الدولية استندت إلى الثأر والانتقام والإقصاء ومصادرة الحقوق، الأمر الذي أدى إلى خسارة العراق كفاءات ونخبًا كان لها الدور المشهود في بناء العراق والدفاع عن وحدته الوطنية، وتمثلت الإجراءات بإقصائهم ومصادرة حقوقهم المدنية، مادفع هذه الشرائح إلى هجرة العراق والعيش في المنافي، إضافة إلى استهداف الآلاف منهم بالقتل والخطف والاعتقال والابتزاز.
لقد قاد الدبلوماسيون العراقيون والمستهدفون من هذه الإجراءات العمل الدبلوماسي في أحلك الظروف وأخطرها، وأثبتوا إخلاصهم وكفاءتهم وتفانيهم بالدفاع عن العراق وسمعته، وتعزيز دوره في المحيطين العربي والدولي، يضاف إلى ذلكتقديم المشورة الفنية لعدة دول عربية ومنظمات إقليمية.
وعندما نستذكر ما يتعرض له الدبلوماسيون العراقيون السابقون نستحضر دور ومكانة الرعيل الأول لهذه المؤسسة الوطنية الذي أرسى دعائم وتقاليد العمل الدبلوماسي فيها، وفي مقدمتهم الراحل طارق عزيز وعصمت كتاني رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة بثمانينيات القرن الماضي، وعدنان الباجهجي وفاضل الجمالي والراحل سعدون حمادي ومحمد سعيد الصحاف وناجي الحديثي وشاذل طاقة ونزار حمدون وطه ياسين العلي ورياض القيسي ووسام الزهاوي وعبدالملك الياسين ونوري الويس وعبدالجبار الدوري ونبيل نجم وعبدالحسين الجمالي وعبدالأمير الأنباري وكاظم الخلف، وأسماء لامعة أخرى لايتسع المجال لذكرها، حيث تتلمذ على أيدي هذا الرعيل أجيال من الدبلوماسيين على مدى العقود التي سبقت الاحتلال، غير أن هذه النخب وجدت نفسها خارج ميدان عملها سواء أكان بالفصل من الوظيفة أو الإبعاد إلى وزارات أخرى أو حرمانهم من حقوقهم التقاعدية، وأدّت هذه الإجراءات إلى خسارة العراق لنخبة متمرسة خبرت العمل الدبلوماسي وفنونه ودهاليزه، ما أضعف دور وتأثير العمل الدبلوماسي بالخارج، بعد تسلل الأميين ومزوّري الشهادات إلى هذا السلك الحيوي، وجمدت طاقات وقدرات مئات العاملين في هذا السلك الذين خضعوا لمعايير وآليات العمل الدبلوماسي واشتراطاته في معهد الخدمة الخارجية، خاصة إجادتهم اللغة الإنجليزية إجادة كاملة.
إن الدبلوماسيين العراقيين المبعدين الذين يرزحون تحت وطأة الفصل والإقصاء والحرمان من حقوقهم المدنية، وخاصة التقاعدية هم ثروة العراق وذخيرته ينبغي إنصافهم وردّ الاعتبار لهم، والاستفادة من مواهبهم وخبراتهم المتراكمة ورفع الحيف والظلم الذي لحق بهم بسبب إجراءات وقوانين احتلالية كانت تستهدف الإنسان العراقي فكرا ومنهجا وموقفا وهوية وانتماء.
ونخلص إلى القول إن من يتحدث عن المصالحة الوطنيةوالتسوية السياسية والأمن المجتمعي عليه أن يوقف مسلسل الثأر والعزل السياسي ومفاعيل الإجراءات الانتقامية التي طالت ملايين العراقيين قبل أية خطوة باتجاه المصالحة المجتمعية والتسوية التاريخية.

إلى الأعلى