السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الحرب والسلام.. مبادئ أولية!

الحرب والسلام.. مبادئ أولية!

جواد البشيتي

في العصر الذي نعيش، عصر العولمة، التي رَفَعَت فيها الرأسمالية الغربية (كثيرا) منسوب الوحشية والفساد، نرى ظاهرتين متناقضتين: ظاهرة “القوَّة الناعمة”، والتي في أساسها تكمن “قوَّة المثال”، وظاهرة “الحروب من أجل بَيْع السلاح”؛ فَمِن قَبْل، وفي عصر كلاوزفيتس أيضًا، كانت الدول تتسلَّح (تَصْنَع، وتشتري، وتَحوز، السلاح” من أجل (أيْ لغاية) خَوْض الحروب، أكانت دفاعية أم هجومية؛ أمَّا الآن فالحروب “تُصَنَّع”، وتَشْعَل فتائلها، من أجل بَيْع وتصريف واستهلاك مُنْتَجات الصناعة العسكرية..

التطور الحضاري والإنساني والديمقراطي للمجتمعات لم يبلغ بعد، في قيمه الأخلاقية والحضارية والإنسانية، وفي قوانينه وتشريعاته وشرائعه، مرحلة “التحريم المطلق لقتل النفس البشرية”؛ وربما لن يبلغها أبدًا، فتطور المجتمع البشري عبر التاريخ أثبت وأكد أنَّ “القتل”، أي قتل الإنسان لأخيه الإنسان، ضرورة وحاجة ووسيلة للارتقاء الاجتماعي والحضاري، فرأَيْنا كيف أنَّ البشر يعكفون في كل مرحلة من مراحل تطورهم الاجتماعي والتاريخي على التطوير الأخلاقي والقانوني والفلسفي لمفهوم وظاهرة “قتل الإنسان لأخيه الإنسان” حتى أنَّ بعض أعمال القتل تُحَوَّل في الثقافة إلى فعل يعبِّر عن “السمو الأخلاقي والإنساني والفكري” لمرتكبه.
هل قتل الإنسان لأخيه الإنسان حلال أم حرام، مشروع أم غير مشروع، جائز أم غير جائز، جريمة أم مأثرة..؟ أناس كثيرون، ومنهم رجال فكر، يعتقدون أنَّ إجابة هذا السؤال تماثل إجابة السؤال الآتي: “هل المطر مفيد أم ضار؟”وغني عن البيان أنَّ المطر “مفيد إذا..”، و”ضار إذا..”، فلا جواب مطلقًا عن هذا السؤال؛ وهكذا أقاموا الدليل المنطقي والعقلاني على أنَّ الأمر الأهم هو توضيح متى يكون “القتل” عمل خير، ومتى يكون عمل شر. وبما يتفق مع هذه النظرة، اخترع البشر كل الأخلاق التي يحتاجون إليها من أجل تبرير قتل الإنسان لأخيه الإنسان.
لقد أثارت الحرب خلافًا لم ينتهِ بعد في شأن الموقف الأخلاقي منها؛ ولكن الخلاف أفضى إلى اتفاق على بعض الجوانب من هذه القضية المثيرة للجدل، فاتفق كل المختلفين تقريبا على أنَّ “الدفاع عن النفس” يُعدُّ عملا مشروعا؛ لكن هذا الاتفاق كان يتحول، في سرعة، إلى خلاف ما أن يجد الناس أنفسهم مضطرين إلى تحديد موقف من قضية واقعية من القضايا التي يشملها “الحق المشروع في الدفاع عن النفس”؛ فالمجرم أو السارق، مثلا، يمكن أن يقتل في أثناء دفاعه عن نفسه، ثم أنَّ الذي يدافع عن نفسه قد يكون شخصا غير جدير بالحياة بسبب اقترافه جرائم عديدة.
“الحق المشروع في الدفاع عن النفس” لا معنى له إذا ما نظرنا إلى بعض نتائج وعواقب ممارسته على أنها جريمة يُعاقَب عليها الذي اقترفها وهو يدافع عن نفسه، فالدفاع عن النفس قد يُرْغِم المدافع على ارتكاب فعل القتل.
وغني عن البيان أنَّ كثيرا من الناس يفهمون فعل القتل الذي يرتكبون، والذي ننظر إليه على أنه “جريمة”، على أنه جزء من ممارستهم لحقهم المشروع في الدفاع عن النفس. إنَّ “القاتل”، وفي وجه عام، لا يقتل من أجل القتل، ولكن دفاعا عن النفس، التي قد يشق عليه تمييزها من مصالحه وامتيازاته.
مِنْ ذلك، يمكن ويجب أن نخلص إلى أنَّ مصالحنا الواقعية هي، وحدها، التي تحدد موقفنا الأخلاقي من فعل القتل، فالقتل حلال وجائز ومشروع ومأثرة إذا كان فيه خدمة لمصالحنا الواقعية، التي بعضها من النوع الذي يفرض علينا تمويهه بالأخلاق والقيم الإنسانية والديمقراطية والمبادئ الأيديولوجية، كما يفرض علينا تسليحه بعصبية ما، فالذي تدعونا مصالحنا الواقعية إلى قتله ينبغي لنا أن نجعل له صورة أخلاقية وأيديولوجية، تَستجمِع لقتله تأييد الناس، وتُظهره على أنه فعل حميد، يستحق فاعله مكافأة ما!
وفي عالم السياسة حيث الحرب الوسيلة أو الأداة الفضلى لتغيير الواقع، يشق على المرء رؤية السبب أو الدافع الحقيقي للحرب، فهو، عادة، يُحتجب بحجاب أيديولوجي، فلا يُدرَك لا بالبصر ولا بالبصيرة؛ أمَّا السؤال عن سبب الحرب فلا يُجاب عنه إلا بأجوبة وهمية يأنس إليها الناس، الذين ينفرون، بتأثير عصبية ما، أو تضليل أيديولوجي، عن الأجوبة الواقعية، التي قد يُنظر إلى أصحابها على أنهم حمقى.
“الحرب” هي “القتل”. هي “القتل السياسي”، أي قتل الناس، توصُّلا إلى”هدف سياسي”. و”السياسة” هي، في المقام الأول، “المصالح الاقتصادية”، التي تُترجَم بأهداف سياسية. و”الهدف السياسي” إمَّا أن نصل إليه بوسيلة “الإقناع”، أي الدبلوماسية، وإمَّا أن نصل إليه بوسيلة “الإكراه”، أي الحرب. وقد بيَّن كلاوزفيتس كيف تتصل الحرب بالسياسة، فتوصُّلًا إلى”الهدف السياسي” نجرِّب، أولا، “الإقناع”، أي إقناع “الخصم” بجدوى تلبيته لمطالبنا، فإذا اقتنع نجحت “الدبلوماسية”؛ أمَّا إذا عَنَدَ وبالغ في العصيان فلا بد من التحوُّل عن “الإقناع”، أي الدبلوماسية، إلى”الإكراه”، أي الحرب.
إنَّ “العجز الدبلوماسي” هو الذي يولِّد ويشدد الحاجة إلى”القتل السياسي”، أي الحرب. وهكذا يمكن النظر إلى”السياسة” على أنَّها “فن القتل الجماعي (للبشر)”.
في مواجهة الحرب، أو”القوَّة الخشنة (القوَّة العسكرية)”، ابتكر جوزيف ناي، مساعد وزير الدفاع الأميركي في عهد الرئيس بيل كلينتون، مصطلح “القوَّة الناعمة”، والذي مفاده أنْ تَحْكُم وتتحكَّم بالتي هي أحسن، ومن غير أنْ تَجِدَ نفسكَ مضطرًاإلى استعمال وممارَسَة “فن الإكراه (أو العنف والقوَّة الخشنة)”؛ لكنَّ “القوَّة الناعمة”، ومهما علا شأنها، وذاع صيتها، وكَثُر أنصارها، لا تنهي أبدًا الحاجة إلى”القوَّة الخشنة (والحروب على وجه الخصوص)”؛ فكلتاهما في وِحْدَةٍ لا انفصام فيها مع الأخرى، ويمكن (لا بَلْ يجب) أنْ تتحوَّل إلى الأخرى.
كلاوزفيتس نفسه لم يَغِبْ عن ذهنه، أو كتاباته، معنى هذا المفهوم، أو المصطلح، أيْ “القوَّة الناعمة”؛ فهو الذي أَسَّس للصلة الجدلية والضرورية، في عِلْم السياسة، وفي عالَمها الواقعي، بين “فن الإقناع (الدبلوماسية)” و”فن الإكراه (العنف)”، مُوضِحًا أنَّ “الحرب” و”السياسة” تتماثلان في “الأهداف النهائية”؛ لكنَّهما تختلفان في “وسيلة بلوغها”؛ فالحرب امتداد للسياسة؛ لكن بوسيلة أخرى هي العنف؛ والمرء (الدولة) يسعى أوَّلًا في إقناع خصمه بالاستخذاء والامتثال لإرادته، التي هي إرادة مصالحه؛ وهذه مهمة يتوفَّر على تأديتها الدبلوماسيون؛ فإذا أخفق وفشل في سعيه هذا لجأ إلى الإكراه، أيْ العنف والحرب؛ وهذه مهمة يتوفَّر على تأديتها العسكريون؛ أمَّا مكيافلِّي فَلَمْ يكترث كثيرا لِرَفْع منسوب الحُبِّ الشعبي للحاكِم في الحياة السياسية للدول، مُفَضِّلًا الحاكِم الذي يخشاه شعبه على الحاكِم الذي يحبه شعبه، وإنْ تحدَّث عن أهمية وضرورة أنْ يُحْسِن الحاكم تمثيل دَوْر “أنا مِنْكُم ولكم، في معتقداتكم وعاداتكم وتقاليدكم ولباسكم وثقافتكم..”.
وفي العصر الذي نعيش، عصر العولمة، التي رَفَعَت فيها الرأسمالية الغربية (كثيرا) منسوب الوحشية والفساد، نرى ظاهرتين متناقضتين: ظاهرة “القوَّة الناعمة”، والتي في أساسها تكمن “قوَّة المثال”، وظاهرة “الحروب من أجل بَيْع السلاح”؛ فَمِن قَبْل، وفي عصر كلاوزفيتس أيضًا، كانت الدول تتسلَّح (تَصْنَع، وتشتري، وتَحوز، السلاح” من أجل (أيْ لغاية) خَوْض الحروب، أكانت دفاعية أم هجومية؛ أمَّا الآن فالحروب “تُصَنَّع”، وتَشْعَل فتائلها، من أجل بَيْع وتصريف واستهلاك مُنْتَجات الصناعة العسكرية، في مراكزها العالمية، والفوائض من هذه المُنْتَجات.
في عالَمِنا، الذي اخْتَفَت منه، أو كادت أنْ تختفي، فواصِل الزمان والمكان بين شعوبه وأممه، والذي بات، في ترابطه وتفاعله، أقرب ما يكون إلى”قرية واحدة كبرى”، تَجْتَهِد دول كثيرة في اكتساب النفوذ (الإقليمي والدولي) بأوجهه المختلفة من طريق “القوَّة الناعمة”، أيْ من طريق تقديم نفسها إلى العالَم وشعوبه على أنَّها المِثال الحَسَن الذي يمكن أنْ يُحْتَذى لِمَا ينطوي عليه من قِيَم ومبادئ أخلاقية وإنسانية وديمقراطية وحضارية، أو لِمَا يُمثِّلُه من طرائق وأساليب جديدة جيدة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي. وفي سعيها هذا، تحتاج هذه الدول، في المقام الأوَّل، إلى”آلة إعلامية جديدة قوية”، تسندها “حقائق موضوعية”، وتَرْفَع، مِنْ ثمَّ، منسوب الصدقية في خطابها الإعلامي، الذي يخالطه، بالضرورة، كثير من روح الدعاية؛ ومع ذلك، ينبغي لنا ألا نَضْرِب صفحًا عن حقيقة أنَّ “الدول الناعمة”، ومهما كانت درجة نعومتها، تَتَّخِذ من “المبادئ” مدارًا لأقوالها، ومن “المصالح” مدارًا لأفعالها.
إنَّها “قوَّة ناعمة”؛ لأنَّ مُسْتَعْمِلها (من الدول) يَحْمِلك على الاستسلام (له) من غير أنْ يضطر إلى استعمال “القوَّة الخشنة” ضدك؛ ولأنَّه يضغط بحنان، ويأسركَ من الدَّاخل باستحواذه على قَلْبِكَ وعقلكَ؛ ولأنَّه يدفعكَ، في طريقة خفية ذكية، إلى التَّصَرُّف والعمل بما يخدم مصالحه وأهدافه، جاعِلًا مصالحه وأهدافه مَطالِبَ لكَ؛ ولأنَّه يؤسِّس لكَ نمط عيش يبقى ببقائه سُلْطَةً خفيةً عليكَ، ويذهب بذهابه؛ ولأنَّه يُقْنِعكَ بحقائق الواقع، وليس بالقول فحسب، بأنَّ مصيركَ من مصيره، تَكْسَب إذا كسب، وتَخْسَر إذا خسر؛ فـ”القوَّة الناعمة” تحتاج إلى ذكاء يفوق كثيرًا، وكثيرًا جدًّا، الذكاء الذي تحتاج إليه “القوَّة الخشنة”؛ ولعلَّ هذا ما يجعل نتائج “القوَّة الناعمة” أَرْسَخ وأبقى من نتائج “القوَّة الخشنة”.

إلى الأعلى