السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / المناطق الآمنة في سوريا .. هل هي الحل؟
المناطق الآمنة في سوريا .. هل هي الحل؟

المناطق الآمنة في سوريا .. هل هي الحل؟

أيمن حسين
مراسل الوطن

مقدمة:
الصراع في سوريا من المعادلات السياسية المتباينة، ذات الأبعاد المتفرقة وغير المدروسة، فأطراف الصراع منخرطون في حرب شعواء يضيع ويهلك معها الأخضر واليابس، وسط ضحايا من المدنيين الأبرياء، مما برز معه فكرة وضع مناطق آمنة عازلة تشبه المخيمات (مثل مخيمات الفلسطينيين في لبنان) ولكن بشكل أوسع تكون آمنة من هذا الصراع المرير.
وبعد تولي الرئيس دونالد ترامب السلطة في الولايات المتحدة الأميركية أعرب عن نيته لإنشاء مناطق آمنة داخل سوريا لحماية الهاربين من العنف والدمار هناك، ثم عاد ليتحدث عن تكاليف باهظة لإقامة تلك المناطق المصطنعة، حيث أوضح أن هناك جهات عربية ستتحملها، وهو ما يتنافى مع مسؤولية الولايات المتحدة تجاه مصالحها في الشرق الأوسط، حيث يتنصل ترامب من التكاليف دائما، ويلقي حملها على بلدان المنطقة؛ رغم كون المقترح أميركيا خالصا ويخدم مصالح الولايات المتحدة في المقام الأول، فواشنطن تريد تقويض عمليات ونفوذ روسيا وبشار الأسد في سوريا على حساب العرب.
فكرة خبيثة:
بين هذه الأفكار الأميركية نشر تقرير صحفي إسرائيلي فحوى اتفاق مبرم في الكواليس السياسية بين الرئيسين الأميركي ونظيره الروسي حول تقاسم النفوذ في سوريا من خلال سياسة المناطق الآمنة، والتي تم تحديدها بأربع مناطق بحيث تتحكم الولايات المتحدة في منطقتين الأولى تمتد من شرق الفرات حتى الحدود العراقية وتدخل فيها الأجزاء التي يسيطر عليها الأكراد، أما الثانية فتتاخم حدود سوريا مع كل من الأردن وإسرائيل.
كما تسيطر روسيا على المنطقة الثالثة التي تقع غرب نهر الفرات، وإخضاع المنطقة الرابعة لتركيا وتقع بمحاذاة الحدود التركية مع سوريا.
وفي اجتماع صاخب جمع وزير الخارجية الأميركي مع ممثلي ٦٨ دولة من أعضاء التحالف الدولي ضد الإرهاب في مارس الماضي، ذكر ترامب أن بلاده عازمة على إنشاء مناطق آمنة داخل سوريا عبر اتفاقيات لوقف إطلاق النار مما يسمح بعودة النازحين إلى ديارهم.
هناك مساعٍ أميركية لتكوين مناطق آمنة في سوريا هدفها الحيلولة دون تدفق المهاجرين إلى الدول الغربية في ضوء موقف الرئيس الأميركي ترامب حيال ملف الهجرة والمهاجرين، ورغبته في مواجهة التمدد الروسي في الشرق الأوسط، وتأمين إسرائيل كليا عبر تجزئة سوريا لمناطق آمنة؛ هي في الحقيقة مناطق نفوذ تقود نحو الاحتلال الأميركي لأجزاء من الكعكة السورية.
المقامرة بسوريا:
الفكرة هدأت لبضعة شهور، وتوارت تصريحاتها الملحة بشأن إقامة المناطق الآمنة، ثم عادت التيارات السياسية تروج لها لتتجدد فكرتها مع زيارة وزير الخارجية الأميركي لأنقرة نهاية شهر مارس، حيث تطرقت مباحثاته مع الرئيس التركي لخيارات إنشاء المناطق الآمنة بشكل عاجل.
لعل تركيا هي أول من طالب بتلك المناطق بإلحاح في مرحلة مبكرة من الصراع في سوريا، ومع أحداث خان شيخون رفع الرئيس الأميركي سقف تهديداته للنظام السوري بضربات عسكرية جوية تمثلت على أرض الواقع بضرب قاعدة الشعيرات السورية، وبعد أن صرح وزير الخارجية الأميركي بأن مصير الأسد يحسمه الشعب السوري على المدى البعيد، قال ترامب إن كل الخيارات مفتوحة، وهو ما تزامن مع تصريحات السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة التي حذرت من أن فشل مجلس الأمن في اتخاذ إجراءات فعالة في سوريا سيجبر الولايات المتحدة على التصرف بشكل منفرد وسريع، وهذا التهديد يشمل إجراءات واسعة تعتزم واشنطن اتخاذها في سوريا مما يمهد بتدخل عسكري أميركي أوسع نطاقا وربما تكون مواجهة أميركية ـ روسية تمهد لحرب عالمية مركزها سوريا.
تجارب مماثلة:
على مدى ربع القرن الأخير كانت للدول العربية ثلاث تجارب مع المناطق الآمنة والحظر الجوي، أخذا في الاعتبار أن هناك علاقة وثيقة بين نوعي المناطق، إذ لن يتحقق الأمن دون توفير غطاء جوي، اثنتان من هذه التجارب الثلاث ارتبطتا بقرارين أمميين واستهدفتا ليبيا بكامل أراضيها، وفي هذا السياق صدر قرار مجلس الأمن رقم ٧٤٨ في ٣١ مارس ١٩٩٢ بشأن قضية لوكيربي وقضي بعدم إقلاع أي طائرة من ليبيا أو هبوطها فيها إلا لوجود حاجة إنسانية، وبعد موافقة لجنة منشأة لهذا الغرض، ثم صدر قرار مجلس الأمن رقم ١٩٧٣ في ١٧ مارس ٢٠١١ ارتباطا بحماية المدنيين من القصف الجوي لحلف الأطلنطي في ليبيا وورد في النقطة الأولى فرض حظر جوي شامل فوق أراضي ليبيا.
أما التجربة الثالثة فارتبطت بتداعيات تحرير الكويت، واستهدفت بعض أجزاء من الأراضي العراقية، وتمت هذه التجربة دون قرار أممي حيث انطلقت قوات أميركية ـ فرنسية ـ بريطانية من قاعدة إنجرليك التركية لفرض منطقتين آمنتين شمال خط عرض ٣٦ وجنوب خط عرض٣٢ توسعت لاحقا لخط عرض ٣٣، وجرت محاولة لإلصاق هذه التصرفات الدولية بقرار مجلس الأمن رقم ٦٨٨ في ٥ أبريل ١٩٩١ إلا أن القرار ليس به إنشاء مناطق آمنة.
‎خيارات جديدة:
أمام الولايات المتحدة، لو قررت المضي قدما وتكوين مناطق آمنة في سوريا، استصدار قرار من مجلس الأمن بحيث تتولى قوات دولية تحديد وتنفيذ المناطق البعيدة عن الصراعات في ذلك البلد، وسوف تواجه الولايات المتحدة بالفيتو الروسي والصيني، إلا إذا كان هناك تنسيق مع روسيا بالذات، وهذا الاحتمال يقضي على أن تستولي الولايات المتحدة على ربع سوريا عن طريق مناطق عازلة طبق معادلات وتربيطات سياسية مع كل أطراف الأزمة لخدمة حدود إسرائيل، والاحتمال الثاني هو فرض هذه المناطق بالقوة، وقد لوح ترامب وسفيرته في الأمم المتحدة بشيء من ذلك، وهذا يعني صداما عسكريا بين الولايات المتحدة وروسيا على الأرض السورية.
وصرح الرئيس الأميركي بأنه يسعى لإقامة قاعدة عسكرية في الرقة للتقليل من الاعتماد على قاعدة إنجرليك مع الاستعداد لتحويل الرقة إلى لاس فيجاس الشرق الأوسط، وبغض النظر عن النوايا، فهناك شبح يلوح باحتلال قادم من الولايات المتحدة لمناطق في سوريا بزعم تكوين مناطق عازلة آمنة من الحروب والصراعات للمدنيين، وتحتاج واشنطن في هذه الظروف اصطفاف بريطانيا وفرنسا معها، فمن السهل التهديد بإقامة المناطق الآمنة في سوريا، لكن التنفيذ شديد التعقيد بقدر ما هو معقد الواقع السوري ذاته في ضوء تنامي الصراعات والضربات العسكرية من أطراف الحرب داخل سوريا وتدخل أطراف خارجية في هذه الدائرة.
مواقف متباينة:
بات خيار المناطق الآمنة بسوريا بزعم حماية النازحين وضمان عدم انتقالهم لدول أخرى مطروحا بقوة بعد تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإقامتها، وأعلنت دول عربية وتركيا دعم خطته، أما روسيا فبدا أنها خففت معارضة هذا التوجه واشترطت موافقة النظام السوري، وعاد الحديث عن إقامة مناطق آمنة في سوريا بعد ست سنوات من عمر الأزمة السورية وهي أحد المطالب التي نادى بها منشقون سوريون.
ووفق تقارير إعلامية، فإن وزارة الدفاع الأميركية ستضع في غضون ثلاثة أشهر خطة لإنشاء هذه المناطق الآمنة، وبحسب البيت الأبيض، فإن ترامب اتفق مع أطراف عربية على دعم وإنشاء مناطق آمنة في سوريا واليمن، ورد النظام السوري كان من خلال وزير خارجيته وليد المعلم الذي رأى أن أي محاولة لإقامة مناطق آمنة للاجئين والنازحين دون تنسيق مع دمشق يعد عملا غير آمن، ويشكل انتهاكا للسيادة السورية، ويمكن أن تترتب عليه أعمال خطيرة، ودعا المعلم جميع السوريين الذين غادروا سوريا إلى الدول المجاورة بسبب الحرب إلى العودة لبلدهم، مؤكدا استعداد دمشق لاستقبالهم وتأمين متطلبات الحياة الكريمة لهم.
لكن المفاجئ على ما يبدو كان موقف روسيا من هذه الدعوة الأميركية التي توافقت مع الرؤية التركية، فقد قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن موسكو مستعدة لدراسة مبادرة الرئيس ترامب حول المناطق الآمنة بشروط أبرزها أن تتم بموافقة الحكومة السورية ومشاركة الأمم المتحدة.
أما تركيا فقالت إنها ستدرس عن كثب مشروع الرئيس الأميركي لإنشاء مناطق آمنة في سوريا أو في الدول المجاورة لها لاستقبال النازحين السوريين، وقال المتحدث باسم الخارجية التركية حسين مفتي أوغلو إن بلاده اقترحت منذ البداية إنشاء مناطق آمنة، وأضاف أن مدينة جرابلس بريف حلب هي المثال الأفضل، مشيرا إلى أن آلاف السوريين يعودون إلى هذه المدينة التي استعادها مقاتلو المعارضة السورية في أغسطس الماضي بدعم من الجيش التركي من مقاتلي تنظيم “داعش” الإرهابي.
تحديد المناطق:
يقول المحلل العسكري والاستراتيجي فايز الأسمر إن المناطق الآمنة يمكن إقامتها شمال سوريا وجنوبها وذلك في الشمال على الحدود التركية والشريط الحدودي من عين ديوار إلى إعزاز، ورأى أن منطقة جرابلس ـ إعزاز التي تتواجد فيها قوات درع الفرات المدعومة من تركيا هي المؤهلة لإقامة المنطقة الآمنة لمساحتها الواسعة، أما في الجنوب فعلى الحدود مع الأردن.
ومن الممكن أيضا أن تكون إحدى المناطق الآمنة في أماكن سيطرة قوات سوريا الديمقراطية خاصة أن معركة الرقة ودير الزور اقتربت من طرد تنظيم “داعش” من هما مما يرجح نزوح أعداد كبيرة من المدنيين من المدينتين.
وهذه التطورات ستفرض على الأميركيين أن يزيدوا قواتهم الجوية في قاعدة إنجرليك التركية لحراسة تلك المناطق جويا، بالإضافة إلى نشر منظومات دفاع جوي متطورة في الدول القريبة من مناطق الحماية.
ويضيف الأسمر أن روسيا كانت تعارض مثل هذه المناطق خشية تحولها لمراكز انطلاق لإسقاط النظام السوري، لكنها باتت الآن مقتنعة بغير ذلك، فالمناطق الآمنة ستتشكل بعيد اتفاق أميركي روسي، فموافقة موسكو سيتمخض عنها موافقة الرئيس السوري بشار الأسد، خاصة أن النظام السوري سيحافظ على مناطقه في مراكز المدن، وبالتالي ستكون المناطق الآمنة في ريف حلب شمال سوريا بعد إنهاء وجود تنظيم “داعش” الإرهابي في مدينة الباب ومحيطها وفي جنوب سوريا ستكون درعا مركز المنطقة الآمنة وصولا إلى ريف القنيطرة.

إلى الأعلى