الأحد 23 سبتمبر 2018 م - ١٣ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: من يحرق أميركا اللاتينية؟

باختصار: من يحرق أميركا اللاتينية؟

زهير ماجد

كثير من الخوف على فنزويلا التي حررها تشافيز من كل تدخل أجنبي .. صنع هذا الثائر الفنزويلي قيمة معنوية ومادية كبرى لبلاده، أرادها أن تكون صدى لكوبا التي تحملت قصاصا طويلا ولم يرهبها الغضب الأميركي عليها وهي على تخومه أو تكاد أن تدخل في أحشائه.
كتب تشافيز نشيد الكلمات الطالعة من فنزويلا لتكون بذلك تحريكا لتاريخين واحد منسي اسمه سلفادور الليندي في تشيلي، والثاني فيدل كاسترو في كوبا، وعلى صورتهما وجه لتشي جيفارا مازال بناء أبوته الثورية قائمة في هذا العالم مهما اختلفت تجاعيده أو صوره الملتهبة.
اليوم فنزويلا يعتقلها الإرهاب ليعيدها إلى الحظيرة الأميركية التي لم تغلق في الأساس على أميركا اللاتينية، حديقة الولايات المتحدة الخلفية أو هي المتنفس الذي تبدأ به أيامها وسنواتها. يراد إسقاط فنزويلا من جديد في لعبة استلحاقها بذاك الوجع القديم الذي عاشته هي وأخواتها في أميركا الجنوبية التي إن أكل الحريق فنزويلا فالعين على البقية الباقية، وهي عين ترصد وتفعل، كما فعلت ذات يوم في تشيلي حين أطاحت بأول ظاهرة ديمقراطية كرسها القائد التشيلي سلفادور الليندي حين أطاح به العسكر بقيادة بينوشيه وحول تشيلي إلى جحيم وسجن، لا تزال إلى اليوم ذكرى فيكتور جارا تلهب الملايين التشيليين المتعطشين إلى تجربته الفذة.
ففي مطلع السبعينيات، انتخب التشيليون الليندي رئيسا فكان أول فعل قام به توزيع أراضيه على الفلاحين ومن ثم توزيع كل مايملك عليهم أيضا، لكنه أيضا قام باختيار أستاذ الجامعة فيكتور جارا وهو مغنٍّ موهوب وطلب إليه أن يقوم بأكبر رحلة داخل قرى بلاده ليقوم بتعليم الناس في سبيل القضاء على الأمية التي كانت ظاهرة عامة. يومها قدم جارا نموذجا للعمل الوطني حين صمم أغانيه على أساس تعليمي، وخلال مدة وجيزة أسس في بعض القرى أول ملامح تعليم الأميين من أهل بلاده.
فجأة، يقوم العسكر التشيلي من خلال تدخل السي آي إيه، وبتدخل مباشر من كيسنجر آنذاك ورعاية من الرئيس نيكسون بانقلاب تم فيه قتل الرئيس الليندي، واعتقال عشرات الآلاف من الشعب التشيلي الذي قام للدفاع عن ثورة بلاده، ومن بينهم بل في طليعتهم فيكتور جارا الذي تم نقله إلى ملعب تشيلي، وهناك لم يتوقف عن تأدية أغانيه الثورية فألهب المساجين، وكادت أن تنطلق شرارة تعم بقية المناطق التشيلية لولا تدخل الجيش على عجل وقيامه بتكسير أصابع جارا كي يتوقف عن العزف، لكنه ظل يعزف ويغني رغم آلامه، فقام أحد الضباط بقطع إحدى يديه وترك ينزف إلى أن مات.
تلك التجربة ماثلة لدى أبناء أميركا اللاتينية، وخصوصا لأبناء فنزويلا الذين أشعرهم تشافيز الراحل بقيمهم الكبرى وفي طليعتها استقلالهم الذاتي الذي أراد خلفه مادورو إكماله بكل الطرق وبشتى الأشكال .. فلم يستطع عهد أوباما أن يستعيد نفوذه، أما الآن فاللعبة بدأت والشرر يتطاير في جنبات فنزويلا، والمسألة باتت محسومة، إما الدفاع عن فنزويلا الحرة، وإما الفوضى العارمة التي بدأت طلائعها من أجل إكمال المشهد بخلق مأساة شبيهة بما حصل لتشيلي .. وسقوط فنزويلا في ذلك المستنقع الرهيب، سيؤدي حتما إلى خلخلة بقية أميركا اللاتينية من تشيلي إلى بوليفيا إلى نيكاراجوا إلى الأرجنيتين وغيرها .. حتى الآن المؤامرة لم تمر، لكن حركة الشارع تنبئ بأنه يراد لها الاستمرار والتصعيد إلى أن تأتي الضربة الكبرى بتفكيك أميركا اللاتينية بشكل كامل وإعادة إلحاقها بما كانته في السابق.

إلى الأعلى