الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / القومية العربية في ديوان “وصايا قيد الأرض” للشاعر سعيد الصقلاوي

القومية العربية في ديوان “وصايا قيد الأرض” للشاعر سعيد الصقلاوي

لا شك أن القارئ لديوان ” وصايا قيد الأرض ” للشاعر سعيد الصقلاوي سيقف على عدد من الخصائص التي تميز كتابته الشعرية؛ فهو يشتغل على موضوعات أساسية تشكل عمق اهتمامه النفسي والفكري والسياسي، حيث توجه كتابة الشعر لديه أبعاد ثلاثة: أولها، البعد الوجداني من خلال حضور تيمة الحب في شكله الإنساني بشكل قوي، فالوجدان يشكل،بالنسبة إليه، عمق الممارسة الشعرية ودافعها وموجهها وملهمها.
ثانيها،البعد الوطني من خلال استحضار تيمة الوطن “عمان” بشكل خاص والوطن العربي بشكل عام، حيث يمثل البعد القومي العربي موضوعا أساسيا في شعر سعيد الصقلاوي مما يبرز أنه يحمل على عاتقه هم العروبة وهم الأوضاع في العالم العربي الذي صار مسرحا لمشاهد الدمار والعنف التي ما فتئت تزداد انتشارا واتساعا، فالقصائد ذات البعد الوطني القومي تقارب النصف أي أن لها حضورا بارزا ضمن هذا الديوان.
ومن ثم نستشف أن الشاعر لا ينظر إلى إبداعه على أنه إنتاج جمالي فحسب، بل إنه تعبير يتوخى من خلاله معالجة قضايا وطنه من خلال رصد معاناته وآلامه، وكذلك من خلال نشد مستقبل أفضل.
من جهة أخرى، يجمع شعر سعيد الصقلاوي بين الرؤية والرؤيا، فالواقع إذا كان أليما عصيبا فإن التفاؤل و الأمل لم يجانب فكر الشاعر، بل ظل يوجهه، مما يجعل الشعر لديه سعيا نحو معانقة ذلك الأمل الممكن.
في هذا السياق، يجوز لنا أن نسأل، هل يمكن للعربي أن يحتفظ بالأمل في مستقبل أفضل، وهو ينظر لكل هذه المآسي؟ ألا يمكن أن نعتبر أن التفاؤل إنما يشي بكثير من الطوباوية و كثير من الانفصال عن الواقع؟ كيف يمكن أن نجد ما يزيح هذه الهموم و ما يمكن أن نلمس فيه وعدا أو أملا في غد أفضل؟
إن هذه الأسئلة و غيرها هي ما اتخذه الشاعر منطلقا له في هذا الديوان الذي يقيم ثنائية ضدية أساسها: الواقع الكائن / الواقع الممكن في عدد من القصائد ذات البعد القومي و التي سأتخذها منطلقا لهذا التحليل، وهي: ” تشظي، حضور الذكرى، باب الليل، خيل وجناح، ذكرى، رجولة الكلام، رسالة، سلام على الرافدين، شمس التاريخ، عراقي، ماء الصمت، مشرق الزمان، نحن هذا الوطن، وجدنا لكي لا نموت، في عيون الشام”.فإذا كان الواقع الكائن واقعا مريرا يتأسس على تشرذم البلاد العربية و انتشار كل أصناف العذاب والتقتيل وإقبار الأحلام ووأدها، فإن الواقع الممكن يظل في ذهن الشاعر إمكانا يقف على الطرف النقيض لكل هذه المظاهر السلبية، إنه واقع قائم على استعادة شرف العروبة و رفعتها، واقع ينشد الحياة و يصدح بالحق، ويعيد الابتسامة إلى الشفاه و الوجوه.
لقد أقام الشاعر هذه الثنائية المتضادة في قصائده التي اهتم بعضها برصد الواقع الكائن، واهتم بعضها الآخر برسم الواقع الممكن، و نجد في بعضها الآخر ما يشي بهذا التفاعل بين هذه الصور كلها على تناقضها؛ تفاعل ينتهي دائما بالانتصار للبشرى، بشرى الترفع على هذا الواقع المرير و معاناته، بشرى الحياة.
فنحن ” وجدنا لكي لا نموت”، فهذه العبارة التي تشكل عنوانا لإحدى القصائد تبرز هذا الإصرار الدفين على التمسك بالحياة رغم كل المآسي، حيث تشكل نموذجا لهذا الصراع بين روح الواقع و وهج الأمل.
يقول:
“صحيح بأن جدار المسافة يفصل بين المرائي وبين حدود انطفاء النهار بماء الظلام و بين حدود اشتعال الصباح وإغماضة الفجر ترحل نحو المنافي و بين التراوح فيما يكون، وكيف يكون، وما سيكون وأن المسافة فاصلة بين شوق النخيل إلى الطلع، خفق الشراع إلى الشط، توق المرافئ للعائدين و لكن نبض الشرايين يكسر حد المسافة، يلغي شراك الفواصل، يجري نهور التواصل، ينبت بين شقوق السكون مروج الوداد وزهر السلام “1 يعلن الشاعر في هذا المقطع أن مسافة ما قائمة بين طرفي الثنائية المركزية موضوع الديوان، لكنه يؤكد باستمرار على أن شيئا واحدا كفيل بطي هذه المسافة و نسفها و هو نبض الشرايين، والخروج من لغة الصمت و الاستكانة، لذلك نجده يحدد في قصيدته ” رجولة الكلام” أوصافا للكلام الذي يمكن أن يتميز بحسم الرجال؛ فهو الكلام المرآة، الكلام العراء، الكلام المارد، الكلام الذي يشق الصمت و يفضح الظلام.
” فاجأني غناؤك المرآة تعكس الذهول في رجولة، و تعكس الخنوع في بطولة.
وتكسر الظلال و الرياح.
تنكئ الجراح.
تكسر الإحساس
الإباء.
تشرخ اليقين والمضاء.
تفتح النوافذ التي تعتقل الشموس، والنسائم البرية الرخاء، والمنى.
فاجأني غناؤك العراء، يهتك القناع عن بيادر تصحرت عن دمعة مجلودة عن شهقة تسمرت وقبلة تشوكت ” 2 يرسم هذا الديوان خطا زمنيا فيه استحضار لأزمنة ثلاثة، فالقصائد على تعددها واختلاف موضوعاتها يربط بينها خيط ناظم يمكن لمتتبعه أن يقف على هذه الأزمنة: زمن الماضي/ زمن الحاضر/ثم زمن المستقبل،ولكل زمن صفاته وخصوصياته ومبرراته أيضا،حيث أن انسجام هذه الأزمنة الثلاثة في ذهن الشاعر يكشف عن هذا المنطق الذي يوجه تصوره للأشياء والعالم في المستقبل.
ومن هنا يمكن أن نسأل من أين تأتي هذه الرؤيا المتفائلة التي يحملها الصقلاوي في شعره؟ هل هي فقط نابعة من قسط كبير من التفاؤل والأمل الذي قد يكون حيا في ذهن الشاعر فقط بعيدا عما يبرره منطقيا؟ أم أن الشاعر ينسج منطقا خاصا في ديوانه؟ يسمح الوقوف على هذه الأزمنة الثلاثة للمتلقي فهم سر الأمل الذي يغلف رؤيا الشاعر، ويمكن فيما يلي توضيح ذلك:
1- الحاضر:
يؤثث الإحساس باللحظة الراهنة بعدان اثنان؛ البعد الأول، هو تمثل الأزمة العربية وعمقها وشدتها ببعديها الخارجي والداخلي، فكل مظاهر الألم والمعاناة على اختلافها لا تلبث أن تنعكس آثارها في عمق الإنسان وفي عمق النفس مسببة لها تشظيا.
إن التشظي الذي جعله عنوانالإحدى قصائده، يظل ملازما للديوان بأكمله، حيث نجد له إشارات في مواقع عديدة بشكليه الصريح و المضمر.
- الشكل الصريح للتشظي: فقد صرح الشاعر بأن التشظي يصيب النفس والحلم والضمائر، بل إن تشظي الحلم سابق عن تشظي النفس وانكسارها، و ذلك في الأبيات التالية:
* تشظي الضمير:
” و لكن نبض الشرايين يكسر حد المسافة [...] يلم تشظي الضمير من العدمية يبعثه خفقة في فؤاد الوجود”3
* تشظي النفس: و في قصيدة حضور الذكرى:
” و اتحاد النفس بالنفس التي يسحقها قهر التشظي”4
* تشظي الحلم: فيقصيدة تشظي:
” أيا حلما تشظى في النفوس ألا إلى عيني تعود ” 5 – الشكل المضمر للتشظي: يمكن أن نضرب مثلا لهذا الشكل بقصيدته ” تشظي” التي تظهر فيها حيرة النفس و ارتباكها، و ذلك وفق المعادلات الدلالية التالية:
من أين تبدأ = لا مكان محدد يمكن أن تبدأ منه.
وهي الدم المذبوح في الشريان = روح مذبوحة روح يحاصر وهجها كهف الزمان= روح محاصرة حلمت بوعد النور يسطع/ فاختفى= روح انكسر حلمها البعد الثاني: الذكرى، يرتبط تشظي الروح باللحظة الراهنة، وهي لحظة ربطها الشاعر بكل أشكال الغياب كالليل باعتباره انسحابا للنور والقهر باعتباره انسحابا للعدل والأمان، لكن الغياب لايترك عدما وإنما يترك أثرا يحدث عنه،هذا الأثر هو الذكرى التي تسمح بانفلات الجميل السابق المتلاشي إلى هذه النفس المتشظية،حيث يعتبر الشاعر الذكرى حضورا وانفلاتا للزمان وتجليا للمكان ونورا يتجاوز الظلمة وانعتاقا من الخوف.
” ياصديقي إنما الذكر ىانعتاق من خواف توصد الأبواب في وجه النسيم الحر،إذ ينعش بالفكر فؤادا طامحا للصبح، يزهو مهرجانا فوق أكناف الغياب “6 يتمثل الشاعر الذكرى بشكل مغاير إذا، فهي حسب الشاعر لم تعد مجالا للتحسر و البكاء على ما غاب وفقد، وإنما هي ذلك المنفذ و المورد الذي يستمد منها لإحساس بالأمل والذي ينشر حوله رغبة في الحياة.
يقف الشاعر إذا ليصف اللحظة الراهنة بأبعادها ؛بعدها الواقعي من خلال وصف المآسي والآلام التي تمزق وحدة النفس وسكونها، ثم بعد نفسي في وصف الحال الذي يطبع النفس في تفاعلها مع هذا الواقع المزري، ثم بعد الصراع الذي يظل قائما بين واقع مر مؤلم وبين ذكرى ماض غائب حاضر ينعش الفكر بالآمال.
فحضور الذكرى يخفف عن الشاعر وطأة الآلام و حدتها، فالذكرى إن كانت تحمل في طياتها ملامح الغياب، فإن الشاعر يعتبرها على العكس من ذلك حضورا حقيقيا، إذ تحمل قصيدته “حضور الذكرى” تعريفات عدة لها، فهي:
الذكرى = حضور لشهود
= انفلات لزمان
= تجل لمكان
= نور يجتاز أستار الظلام
= اتحاد النفس بالنفس
= اختلاج النبض بالنبض
= انعتاق الخوف
= نورس يخفق بالحب ويشدو للحياه إن هذه الذكرى التي تملأ فضاء اللحظة الراهنة هي نقطة العبور بين ماض قوي يصدح بالانتصارات العربية و بالأمجاد التاريخية، و بين مستقبل ينشد الشاعر أن يكون متجاوزا لهذه الخيبات المتلاحقة و المرارات التي يصعب حصرها.
2- الماضي/المستقبل:
إن السؤال الذي يظل مطروحا هو كيف تصير الذكرى حضورا وتجليا وانعتاقا من الخوف؟ كيف تصير الذكرى ” اتحاد النفس بالنفس “، و ” اختلاج النبض بالنبض الذي ينبت في بستانه نخل الأماني”؟ لعل هذا الأمر يصير متاحا باستدعاء عدد من الرموز العربية التراثية، فالإنسان العربي اليوم بحاجة إلى العودة إلى التاريخ ليستنبط منه العبر،و الرموز التراثية التي تفيد في استلهام الدروس والموعظة؛ دروس في الشجاعة و الصبر و الإصرار، فكثيرة هي المحطات التاريخية التي كانت صعبة في التاريخ العربي لكن النصرة تحققت بفضل رجال أشداء صدقوا العزم فنصروا.
يوجه خاصية استدعاء الرموز التراثية لدى الشاعر سعيد الصقلاوي أمور ثلاثة وهي:
- مبدأ تحقق النسب التاريخي: ففي قصيدة “إلى والدي فتى قريش”، نجد الشاعر يؤكد على إثبات بنوته لأحد هذه الرموز التراثية كعبد الرحمان الداخل مثلا.
- مبدأ تحقق الاتحاد الروحي مع الشخصيات التاريخية العظيمة، وهو اتحاد توخى من خلاله الشاعر التعبير عن هذا المشترك منصفاتالمروءةوالشجاعة.
” صوتي بصوتك يا أبي مُرِن كــــــلي بكــــلـــــك واحـــــد أَغَـــــــــــــــــن “7 – مبدأ المقارنة بين مختلف النماذج التاريخية، فالتاريخ غني بالأمثلة التي استطاعت أن تحقق انتصارات عظيمة وأخرى على العكس من ذلك لم ترتبط إلا بالفشل والخذلان، مثل أبو عبد الله الصغير آخر الحكام العرب الذي سلم غرناطة لفرديناند وإيزابيللا والمستعصم بالله آخر الخلفاء العباسيين الذي سلم بغداد للمغول.
” سل الصغير وسل مستعصما
هل يرجع الملك معزف ودن”8 هكذا نجد الشاعر يتجه نحو التأكيد على رؤيا عميقة هو أن البلاد التي احتضنت كل هذه الرموز القوية في شتى مجالات الإنتاج والإبداع والسياسة، والتي واجهت غير قليل من المحن التي لا تقل قسوة عما يعرفه المشهد العربي اليوم لقادرة أن تتجاوز محنتها، لا ينقصها سوى التمسك بالوصايا؛ وصايا الشاعر ووصايا التاريخ التي تؤكد على ضرورة التحلي بالعزم والصدق والشجاعة و القوة لمواجهة هذه الشدائد، فهي وحدها كفيلة بأن تشرق الحياة ويتحقق الأمن والسلام من جديد.
——————– المراجع:
1- سعيد الصقلاوي: وصايا قيد الأرض، المركز الدولي للخدمات الثقافية، لبنان، ط2، ص 114 2- المرجع نفسه، ص66، 67.
3-المرجع نفسه، ص 114.
4- المرجع نفسه، ص 47.
5- المرجع نفسه، ص 46.
6- المرجع نفسه، ص 48.
7- المرجع نفسه، ص55.
8- المرجع نفسه، ص 57.

فاطمة الزهراء الزولاتي
كاتبة وناقدة مغربية

إلى الأعلى