الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / المفتّش

المفتّش

طَلَبَ منه بحزمٍ أن يفتح الصندوقَ الخلفيّ للسيارة، وأن يترجل عنها، ” هات بطاقتك الشخصية، وقف هناك “. اللهجة الصارمة أشعرته أنّه تلميذٌ بليد، (تشكّل في ضباب ذاكرته مشهدٌ ليومه الأولِ في المدرسة، ورنّ في خاطره صوتٌ جافٌ لأحد المعلمين: ” قف هناك “)، ابتسم بودّ ووقف حيث أشارت إليه أصبع المفتش.
” حبيبتي، أنا عند الحدود، نتواصل بعدين على الرقم الثاني ” بعث رسالته النصيّة. ” كح كح كح كح ستفرح حين أخبرها أنني أقلعت أخيرا عن الدخّان، هذه المرة بجدية، سبعة وثلاثون عاماً من الاحتراق – كح كح كح – كافية لتحويلي إلى مدخنة متحركة – كح كح كح كح – ستقول إنها أجمل هديّة تلقتها مني ” قال في سرّه وهو يراقب المفتش عن بعدٍ قريب، كان يقلّب محتويات الصندوق ببراعةٍ تدلّ على تدريبٍ عالٍ، وكفاءةٍ في سبر خفايا الأمتعة: حقيبة سفر، كرسي الرحلات القابل للثني، كومة كتب… ” لن يجد شيئاً ” همس لنفسه، ” إجراءٌ روتينيّ ” طمأنها. لاحظ أن شاحناتٍ كثيرة كانت تمرّ عبر ساحة الجمارك بسلاسة.. شاحناتٍ ممهورةٍ بشعارٍ مَلَكيّ..
- ” شو هذا؟ ” سأله بفجاجة.
- ” هذه مجموعتي القصصية الصادرة عن وزارة الثقافة”
تجاهل المفتش الإجابة، ورمى بالكتاب على النسخ المتناثرة، اتجه إلى باب السائق، كان مفتوحاً، جلس على مقعد القيادة، ” سيارتي لم تعد لي ” مازَحَ نفسه، أخذَت يد المفتش تجوس في تجاويف الأثاث الضيّقة، لم يتمكن صاحب السيارة السوداء من مشاهدة مهارة المفتّش وهو يُعمل يده في بطنها، زاوية الرؤية لم تكن واضحة من بقعته القصيّة، كما أنّ التنمّل الذي باغت يده اليسرى جعله يسرح في ذاته: ” لأجلها، عليّ أن أهتم بصحتي، لا أريد أن أؤذيها بالرحيل باكراً ” شعر بضيق في صدره، ورغبةٍ في التقيؤ، رغبةٍ بددها بشهيقٍ واسع، قبل أن يكحّ كحّةً مصحوبةً ببلغمٍ ثخينٍ ضاربٍ في الصُفرة، بَصَقه في قطعةٍ من بقايا محارمَ ورقيّةٍ وجدها منكمشةً في جيب دشداشته الأيسر.
رنّ هاتفه، ” هلا حبيبتي.. لا.. بعدني عند الحدود.. نسيت أفتح الرقم الثاني ” انتبه أنه يكذب عليها، تشنّج جبينه، وارتفع حاجباه، شريحة الهاتف الأخرى في المحفظة، والمحفظة في السيارة، وهو مقيّد بأمر المفتش في بقعته تلك، ويخاف إذا اقترب من سيارته أن ينبح عليه المفتش، ” اطمّني.. هديتك موجودة.. لا لا.. والله بركّز في السواقة… ههههه، لا لا.. مخلوقاتي القصصية ما تشاكسني في الطريق…”
كاد يبكي من شدّة فرحه.. ” ها قد بلغتْ الثامنة والعشرين، طبيبة بيطريّة خطيبها مهندس طيران يحب الفن وبارع في الرسم المضحك للوجوه… ” تداعت عليه الأفكار والخواطر.. انتابته رِعدة هزّت بدنه، ” ليتكِ معها في ليلتها العظيمة “: همس لشبحٍ في خياله.
الشاحنات المحملة بالرمل كانت تمرّ بصمتٍ مريب، والمفتش عاد مرة أخرى إلى صندوق السيارة الفاغر فمه، طلب من أحد العمّال البنغال أن يحمل حقيبة السفر إلى الحجرة الزجاجية المجاورة لموقف التفتيش، لوحةٌ صغيرة مكتوبة على باب الحجرة الزجاجية: مكتب الجمارك، ” تفضل.. ادخل ” هدر صوت المفتش، ” يبدو أنه صارم في تطبيق القانون، يصرّ أن أكون حاضراً أثناء فتح حقيبتي “: همس لنفسه، ثمّ جهر : ” حشا والله ما أتقدمك، تيامنوا ” لكنّ المفتش جمد كتمثالٍ محافظاً على ملامحه المتجهمة..
فتح المفتش الحقيبة الموضوعة على طاولة التفتيش، عبث بالملابس عبثاً منظماً، شعر صاحب السيارة بالغيظ حين رآه يمسك بهدية ابنته، غيظ امتزج بدوار خفيف وضيق في الصدر، احتجّ متضجراً: ” صار لي أكثر من أربعين سنة أمرّ على هذا المنفذ، ولم أتعرض للانتهاك هكذا “، حدجه المفتش بنظرة ثاقبة، وقال بجلافة: ” أنا أقوم بشغلي “، أخذ ينزع الأشرطة اللاصقة عن الهدية بحرص ليتأكد من محتوى العلبة، أزاح جزءاً من الغلاف الورقي المبهرج بالألوان، ثمّ أعاد الغلاف والأشرطة اللاصقة سريعاً، ” يبدو أنّه اقتنع بأنها مجرد قلادة ذهبيّة ” أسرّ، ثمّ أعلن : ” اليوم زواج البنت إن شاء الله ” لم يعلّق المفتّش.
أخرج المفتش من الحقيبة كيساً بلاستيكياً وعلّقه أمامه كمن يعلّق أرنباً من أذنيه..
- شو هذا؟
- هذي أدويتي.
- مال شو؟
- الضغط، والقلب، والسكري.
ناول المفتش الكيس للعامل الذي نشط للخروج به، ” أكيد سيأخذها لمختصّ ليؤكد أنها أدوية مرخص بها ” طمأن نفسه.
منذ أن رحلت زوجته، ترك صغيرته في رعاية أخوالها في ” أم المدن “، كان يزورها في المناسبات وتقضي هي جزءاً من عطلتها الصيفية في المزرعة الحدوديّة التي انقطع فيها للكتابة بعد أن تعب من مغامرات الحياة، كان سعيداً في عزلته إلى أن بدأت الشاحنات الملكيّة تعكر صفو الهواء..
أمَرَه أن يُفرغ محتويات جيوبه على طاولة التفتيش، لم يكن في جيبه سوى قطعة المحارم الورقية وقد يبس فيها البلغم الكثيف، تركها على الطاولة، ووضع فوقها هاتفه الذي كان متعرقاً في يده، ” حط الكبوس وارفع يديك فوق ” أحسّ بالمهانة ويد المفتّش تتحسس جسده، ” ما عندكم جهاز للتفتيش ” صرخ بحدّة، ” إذا بتعلي صوتك بزقر الشرطي ” توّعده المفتّش.
” تشعر أنك مذنب، ولا تعرف ما جنايتك ” يقول في نفسه ويسأل: ” هل يفرح المفتشون حين يمسكون على البسطاء شيئاً مثل: رصاصة أثريّة، أو مؤشر ضوئي/ ليزر، أو مفرقعات لأطفال العيد؟؟ و هل يحزنون حين لا يجدون في أمتعة العابرين سوى الخيبة؟؟ ” ثمّ يواسي نفسه ” أنت رجل كبير، وعليك أن تتفهم غرارة هذا الشاب، لاشكّ أنه عبد مأمور، أمروه أن يدقق في أشيائك، ربما التبس عليهم اسمك أو رقم سيارتك ”
” لازم آخذ دواء الضغط الساعة الثانية عشرة ” انتبه فجأة، ” الساعة الحين الثانية عشرة إلاّ سبع دقائق، كمّلت ساعتين عندكم ” انفجر يائساً، ردّ المفتش عليه بنبرة باردة: ” يا الطيب، حتى أنا مربوط بتقرير الطبيب، دوامي يخلص ساعة اثنعش ” كانا كمصارعين منهكين، كلاهما منطرحٌ على كرسي الانتظار، بينما الشاحنات الملكية كانت تمرّ بخفّة وصمت مريب..
كَسَر رتابة الانتظار بتخيله لها مع خالاتها وصاحباتها تستعد لفرحة العرس. ” غير معقول، ساعة كاملة لأجل معرفة نوع الأدوية!! تراها متوفرة في كل الصيدليات ” تجاهل المفتش احتجاجه، وباغته بسؤال غريب:
- كم عمرك؟
- سبعة وخمسين سنة
- ومالك لابس كبوس في راسك بدل الشماغ؟
نزل السؤال كالسوط على رأس صاحب السيارة، لكنه تمالك أعصابه: ” هذا هدية من بنتي، ولابسنّه حق الطريق، عن الشمس، وتراني ما رايح فيه مجلس الشيوخ “، ” الله يطوّل أعمارهم ” علّق المفتش بشكل آلي.
حين وصلت الأدوية وصل معها الفرج، قدّم المفتش اعتذاراً معلباً لصاحب السيارة، غادر كلاهما غرفة الجمارك وموقف التفتيش، وساحة الجمارك، ونقطة الحدود.
على مسافة كيلومترين فقط من نقطة الحدود، تجمهر المارّة حول سيارة سوداء متحطمة على جانب الطريق.. لم يعرفوا أنّ سبب تدهور السيارة انشغال سائقها بتبديل شريحة هاتفه، ولم يعرفوا أن الشاحنة الملكية التي تفاداها المسكين تحمل في بطنها موتاً صامتاً، لم يعرفوا أنّ خيمة فرحٍ في ” أم المدن ” ستصير خيمةً للعزاء، و لم يعرفوا أنّ عينين صارمتين كانتا تبكيان بحرقة وهما تشاهدان كتباً وأشياء مبعثرة على جانب الطريق، لم يعرفوا.

خميس قلم

إلى الأعلى