الأحد 23 سبتمبر 2018 م - ١٣ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / سائق التاكسي

سائق التاكسي

“يا رزاق يا كريم، يا فتاح يا عليم” دعاءٌ أُكرره كل يومٌ بعد صلاة الفجر، دعاءٌ كانت أمي تُكرره على مسامعي دائما، تقول: “الأرزاق توزع على العباد بعد الفجر. كنت قد تخرجت من جامعة ظفار قبل سنة. وتقدمت لعدة وظائف، ولكن لم يحالفني الحظ. أن تكون بدون عمل وأنت جامعي شيء مؤلم، ولكن أن تكون باحثا عن عمل، وأنت لا تحمل أي مؤهل علمي فهذه مصيبة. ففي كلتا الحالتين إما أن تكون قريبا من ربك وأنت مؤمن بالأرزاق، أو أن تكون بعيداً وتنجرف مع تيارات الضياع، من حسن حظي أن أخي سالم الأكبر مني كان وضعه المادي ميسورا نوعاً ما، فقد اقتنى لي سيارة أجرة لكي أسد احتياجاتي أقل شيء، بدل أن أمد يدي لأي أحد. أدرت محرك السيارة بعد الفجر مباشرة للبحث عن أرزاقي المقسمة على شوارع صلالة، باحثا وساعياً عنها كمن يبحث عن نقود في غرفة مظلمة، ولكن من بعد الفجر وحتى الساعة الحادية عشرة ظهراً لم أجد شيئا مما أبحث عنه، كنت قبلها بيوم قد أعطيت وعداً لصاحب البقالة الذي يقرضني علب السجائر أنني سوف أوفيه حقه غداً، لأني تأخرت في سداد المبلغ الذي عليّ، وعد قطعته على صاحب الحانة دون أن أعلم بما سوف أحصل عليه من أجر!
شوارع المدينة فاضية، وسيارة الأجرة تملأ الشوارع، أعصابي بدأت تتوتر، وأفكاري بدأت تتعارك، والإحباط أصبح سيد الموقف، والهذيان والتحدث مع النفس هو المتنفس الوحيد، أمسكت المرآة الداخلية للسيارة وعرضتها على وجهي مباشرة، أطالع وجهاً بائساً، مرهقاً، منهكاً، من البحث في الشوارع والطرقات الداخليةً عن رزق موعود، كأنني أتجول في مدينة مهجورة، توقفت عند الإشارة عندما أدرت المرآة على وجهي، المرآة والإشارة الحمراء كانتا هما اليدين اللتين فتحتا ذكرى قبل عشرين عاماً، تذكرت حادثة لي مع والديّ، ربما المرآة والإشارة أحستا بحالتي النفسية التي وصلت إليها!. تذكرت سنوات الطفولة، أيام دراستي الابتدائية، عندما بدأت الإجازة الصيفية. أنهيت الصف الرابع الابتدائي، درجاتي كانت ممتازة جداً، كان والدي قد قطع وعدا على نفسه أن يلبي لي ما أطلبه بشرط أن أكون الأول على الصف، ولكن لسوء حظي أتيت في ترتيب الثالث مكرر، رغم الدرجات الممتازة التي حصلت عليها إلا أنني كنت حزيناً ويائساً، وبذلك يكون أبي قد كسب الرهان، وطلباتي الصغيرة الكبيرة بالنسبة إليّ لن تتحقق، عدت إلى البيت وكل أمنياتي وما خططت لهُ ذهب أدراج الرياح، أقبلت على البيت بخُطى منكسرة، ومع كل خطوة أُحطم أمنية، كانت سيارة أبي “البيك-آب” واقفة على باب بيتنا، بيتنا الذي أصبح أقدم بيت في الحي، مبني من الطوب ومطليّ باللون الأبيض عدا النوافذ التي يدور حولها، طلي بلون بُني داكن.
دخلت إلى البيت، كان أبي جالساً مقابل الباب الرئيسي، وأمي جالسة قبالته مباشرة، تحدثه عن خالها الذي أصابه الجنون بعد وفاة ابنه الوحيد بحادثة سيارة، وقفت في وسط الصالة وأنا أضم شهادتي على صدري، ملامحي توحي بما عجز لساني عن قوله، نظر لي أبي نظرات أحست بها والدتي، نظرات جلعت من والدتي تلتفت كاملة ككرسي متحرك، كان والدي شديد البأس، نظراته حادة جداً، عنفوان البادية مرتسم على وجهه، له صوت جهوري ترتج زوايا المنزل عندما يتحدث وهو غاضب، مد يده إليّ دون أن يهمس بأي كلمة، مددت إليه تلك الورقة الكرتونية، عيناي في الأرض، وركبتاي تتضاربان، جف ريقي، أُذناي كانتا تتنظران انفجار ذلك الصوت الذي يشبه صوت مدفع هندي، قبل أن أغمض عينيّ اللتين تتأملان تشققات أرضية المنزل، دوّى صوته في كلّ أرجاء البيت المتهالك، صاعقة تضرب جسدي آتية من الجهة التي تقابلني، انتفض جسدي، اختلّ توازني، انفجرت ينابيع الدموع دون صوت، لم يكن كل ذلك هو ما أخافه فقط!، بل كان ما يخيفني ما سوف يحصل بعدها، فجأة تعالت ضحكة مجنونه لم أفهمها إطلاقاً، قام وأخذني من بين يدي وهو يقول: “هل خفت؟” وكررها مرتين، ثم أردف، “ليس شرطاً أن يكون تعبيرك عن الفرح بالابتسامة والضحك مباشرةً!، أحيانا عبر عن فرحتك بطريقة مجنونة غريبة لكي تباغت بها من تود أن تسعده”!، كنت تحت تأثير صدمة ذلك الانفجار الأولي، أحدق في وجه أبي وهو يحملني وأنا مشكك بصدق تلك التهنئة، قبلني ثم أنزلني وهو يمسح على رأسي مبروك، مبروك، كانت أمي قد وقفت خائفة أولاً من صدى صوت أبي المفاجئ ومن وثبته السريعة، وثانياً من أجل التدخل قبل أن يحطم أبي ذلك الجسد النحيل الذي تسحبه كل ريح، أخذتني أمي وهي مبتسمة وتعاتب أبي على حركته التي أخافتني، ضمتني إليها وقبلتني على عيني والدموع مازالت معلقة على وجنتي، مسحت أدمعي ثم عانقتني مرة أخرى وهي تقول: مبروك عليك يا خالد مبروك، أثناء تعلقي في أحضان أمي أحسست بشيء يشد قميصي من الخلف، يجرني من بين أحضان أمي، التفت وإذا بيد أبي تسحبني إليه وهو يردد: صحيح أنك لم تأت بالمركز الأول ولكنني سوف أحقق لك ما تريده، فتحت فمي كغار على سفح جبل، خرجت ضحكاتي من باطن فمي، وأنا أقول: أريد أن أفتح دكانا صغيرا في بيتنا لأكون أصغر تاجر في المعتزة، ضحكوا جميعاً ثم قالت أمي: أوو يا خالد إجازة وأصحابك راح يلعبون ويطلعون رحلات وأنت تريد أن تحتكر في دكانك الصغير!، قاطعها أبي: أتركيه يفعل ما يريد، أخرج من جيبه مبلغ خمسين ريالاً وأعطاني إياها، أخذتها، فقال: تعال معي الآن في السيارة لتشتري أغراض محلك الذي تريد أن تفتحه، قبل أن نخرج قلت: لأمي تعالي معي ساعديني، فأنا لا أعرف كل ما يحتاجه المحل، تبسمت وهي تقول: طيب لحظات آتي بعبايتي وألحق بكما، ذهبنا إلى مركز التسوق، أخذنا ما نحتاجه للمحل، فتحت نافذة إحدى الغرف المطلة على الشارع، صفّفت أغراضي على أرضية الغرفة، أمي تساعدني في طبخ السندويتشات، أختي تتفنن في صنع الآيسكريم، أبناء المعتزة هم الزبائن الوحيدون، أحسب إيراداتي كل ليلة، أضعها في حصالة اشتراها أبي من النجار، في نهاية الإجازة خرجت بربحٍ كبير فبدل الخمسين ريالاً أصبحت أملك مائة وخمسين، فرحتي لا توصف، ولحظاتي من أجمل اللحظات.
أبواق السيارات من خلفي تهدر، رؤوس وأيدي سائقي المركبات تلوح من النوافذ، المارة على الرصيف يُصفرون ويصفقون، اللون الأخضر للإشارة لامع، شخص يطرق باب السيارة وهو يصيح يا أخي تحرك يرحم والديك، كنت كشخص أفاق من غيبوبة، المرآة أمامي منتصبة تعكس وجهي، لعنتها وأنا أضربها للأعلى، دخان السجائر كغيمة داخل السيارة، قبل أن ينتهي وميض الإشارة الخضراء رفعت رجلي من الفرامل معلناً استمرار مسيرة بحثٍ عن رزقٍ مؤمن بأنه ينتظرني.
دارت الأيام كدوران مسبحة في يد شيخ، وأصبحت أكثر سرعة، العمر ككومة من الرمال لا تستطيع الصمود بوجه السنيين. كنت جالسا في مكتبي في محل فتحته في المنطقة الصناعية، بعدما فقدت الأمل في الحصول على وظيفة حكومية، العمال يعملون وهم يراقبونني، الزبائن أحياناً يتعاركون مع العمال، وأحياناً أخرى اضطر للتدخل لتهدئة الأمور، كرشنا ذلك الهندي الذي يشبه السيجار الكوبي، أسمر، أحمر العينين، يضع نظاراته على رأس أنفه، يرتجف كسعفة من إدمان الكحول، عصبي ولا يعرف كيف يتعامل مع الزبائن، عصبيتهِ تلك تذكرني بنفسي قبل عشر سنوات، عندما كنت أسوق سيارة الأجرة، أتذكر في أحد المرات تعاركت مع راكب رفض أن يعطيني مبلغ الأجرة إلا بعدما أخذ أغراضه وإدخلها إلى داخل بيته، حاولت أن أفهمه بأنني لا أحمل الأغراض، وأنني مجرد سائق سيارة أجرة، ولكنه رفض أن يتفهم ذلك، حينها فقدت أعصابي ومددت يدي لكي آخذ نقودي عنوة منه، ولكن لسوء حظي كان الرجل أسرع وأقوى مني وكسب النزال واحتفظ بنقوده، خرجت حينها خاسرا، وفي مرة أخرى أكلت مقلباً لا أستطيع نسيانه أو الإفصاح به لأي أحد، ركبت معي امرأة من السوق المركزي، وطلبت مني أن أساعدها في حمل مشترياتها في صندوق السيارة، خرجت ووضعت كل الأغراض، فطلبت مني أن آخذها إلى المستشفى لتأخذ دواء من الصيدلية وطلبت مني أن أنتظرها قليلاً، دقائق قليلة ورجعت ودواؤها بيدها، قالت: الله يخليك الآن توجه إلى عوقد، انطلقت مباشرة إلى عوقد بالقرب من المنطقة الشعبية، أشارت إلى أحد المنازل إلى أن وصلنا تحته، فتحت الباب وأشارت إليّ بيدها ضامة كل أصابعها على شكل رجل قطة دلالة الانتظار، لم تتأخر كثيراً أيضاً رجعت وطلبت مني أن أخرج الأغراض، فتحت الصندوق وأخرجت جميع الأغراض، ثقيلة كانت تلك الأغراض، وبعدما انتهيت، دخلت السيارة وطلبت مني أن آخذها إلى الحافة، انطلقنا قبل أن نصل مدخل الحافة قالت: أريد سوق اللبان والبخور، دخلنا الحافة، ووقفت في المواقف بجانب سوق البخور، طلبت مني أن أنتظر لبعض الدقائق، كانت الساعة الخامسة مساءً، انتظرت مكاني لأكثر من ساعة، ثم خرجت أبحث عنها في السوق ولم أجدها، طال بي الانتظار حتى الساعة الثامنة مساءً ولكن دون جدوى، تأكدت حينها بأنني أكلت مقلبا لا ينسى، فقدت أعصابي ليلتها بشكل جنوني، رميت العمامة التي ألبسها على أرضية السيارة، أدرت محرك السيارة، انطلقت والإطارات تسابق الريح، أصبحت حينها كرشنا العماني سائق سيارة الأجرة، ولذلك ها أنا الآن أقدّر عصبية كرشنا الذي لا يمر أسبوع إلا وهو متعارك مع زبون، ولكن لحاجتي له ولأنني لا أستطيع أن أستبدله بغيره بسبب الإجراءات الحكومية أًجبرت على تحويله إلى المخزن لترتيب الأغراض وفحصها وتصنيفها، الدخان من كأس الشاي يتعالى يعانق برودة المكيف، عيناي تتأملان ذلك الكأس الذي يشبه الشمس قبل المغيب، موعد إغلاق المحل يبدأ تنازلياً، أشرت للعمال بأن يغلقوا المحل، أخذت دفتر الحسابات، أغلقته، وأغلقت معه بعضا ممّا سقط منّي بين تلك الصفحات.

محمد جداد

إلى الأعلى