السبت 15 أغسطس 2020 م - ٢٥ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / أشرعة / الأثر الفني التشكيلي المعاصر وآفاق العرض الافتراضي

الأثر الفني التشكيلي المعاصر وآفاق العرض الافتراضي

تأخذ الصورة على أنها رمز لحقيقة ماثلة، فهي تجسيد لواقع مرئي أو محسوس .. تقترب من مدارك العقل الذي يبحث عن القيمة المادية الملموسة .. ليؤمن بما يراه أو يتخيله، وهنا تبرز قيمة الصورة ومؤثراتها الجمالية على المتلقي، في أماكن عرضها، سواء في أروقة فنية، أو جدران، أو كهوف احتفظت بالأثر الفني من العصر الحجري وصولا إلى عصر الاتصال.
وفي العصر الراهن، حيث المتغيرات الكبرى، لجأ الفنان إلى توظيف تقنيات الاتصال المعاصرة في عرض وتسويق أعماله والتواصل مع المتلقي عبر شبكة “الأنترنت”.
• هل يمكن اعتبار تقديم الأعمال الفنية عبر مواقع التواصل الإجتماعي عرضا فنيا ؟
مواقع التواصل الاجتماعي لا ترتقي إلى مستوى العرض الفني، لأنها لا توفر التقاليد والطقوس التي تكتمل بها العملية الفنية.
العمل الفني يقوم على قاعدة : المبدع، الموضوع، المتلقي
والعرض الفني .. هو عبارة عن مشهد حي .. أو لنقل احتفالية .. يشهدها المتلقي والمبدع في مواجهة الموضوع … وتحسس التقنيات المعتمدة في تجسيده /خامات ولون ومفردات تشكيلية/.
لقد استطاعت تكنولوجيا الاتصال الحديثة، النظم الرقمية، وضع الفرص المغرية في أذهان الفنانين وأوساط العامة والنخبة ونجحت في استقطاب التجارب والأنظار وساهمت في تنشيط حركة اقتناء الأعمال الفنية.
الفضاءات المفتوحة في مواقع التواصل الإجتماعي، ستؤدي إلى تعميق واقع الاغتراب أو توسيع الفجوة الفاصلة بين المتلقي والأثر الفني الفعلي، وتلقي به في إطار صورة فوتوغرافية فهل تكون الصورة هنا قادرة على تعويض الأثر الفني الفعلي؟
• أسباب استخدام اﻷنترنت في عرض اﻷعمال الفنية :
يسعى الفنان إلى التعبير عن وجوده، عبر إيصال منجزاته الإبداعية إلى المتلقي، لإدراك القدرة التأثيرية في أدواته ورؤاه، فوجد في تقنيات اﻻتصال وسيلة في تقديم أعماله وتسويقها في ظل :
1- غياب قاعات العرض.
2- ارتفاع تكاليف العرض
3- ضعف إقبال الجمهور في ظل غياب اﻹعلام.
4- توافر شروط العرض غير المكلف والضامن للوصول إلى أكبر الشرائح الاجتماعية عبر مواقع التواصل الإجتماعي.
ومنذ نهاية الستينات ومطلع الألفية الجديدة كانت الانترنت كشبكة قد إنتشرت بصورة كبيرة في كامل أرجاء العالم، حيث شهدت تطورا سريعا في نوعية الخدمات التي تقدمها للمستخدم وخاصة مواقع الويب، التي نذكر من أهمها مواقع التواصل الاجتماعي التي اجتاحت وتمكنت من السيطرة على أغلب تفاصيل حياتنا اليومية بحيث لم نعد نستطيع التحرك بدونها وأصبحنا بمقتضاها على حد رأي ديبور نعيش في مجتمع المشهد من خلال كثافة حضور الصورة وتراكمها في حضارتنا الراهنة وهذا ما يؤكد ما لها من طاقة وكثافة تجسد الواقع المرئي المحسوس لتقترب من مدارك العقل الباحث عن قيمة ما يؤمن به وما يتخيله في ان.
• العلاقة الافتراضية بين المبدع والمتلقي:
لقد وجد الفنان التشكيلي اليوم، سواء كان متخصصا بالبرمجيات أو لا، وجد نفسه هو الآخر معنيا وبعمق بتوظيف تقنيات الاتصال المعاصرة للتعريف بأعماله وتسويقها ونشر تجربته للعموم بعد أن كانت متاحة لفئة دون غيرها بحكم عدة ظروف وفتح قنوات جديدة للتواصل مع المتلقي، وذلك عن طريق تحويل الأثر الفني التشكيلي المحسوس بمفهومه التقليدي المتعارف عليه إلى صورة فوتوغرافية للتمكن من نشرها وتداولها على مواقع الويب وتحديدا مواقع التواصل الاجتماعي كفضاء جديد للإعلام والعرض وكأداة مميزة في عملية التواصل بين الأفراد والشعوب والحضارات.
فهل بمجرد تحول الأثر الفني التشكيلي من حالته المادية المحسوسة (لوحة فنية منجزة بخامات مادية محسوسة، منحوتة، خزفية، حفر…الخ من اشكال الفنون) الى صورة فوتوغرافية تعرض على مواقع الويب مؤشر لتعميم وتعميق التواصل والشفافية بين الباث والمتقبل أم أنها تعمق ازمة الفنان وتكرس للقطيعة بين الأثر الفني والجمهور أكثر فأكثر؟
وللتوضيح هنا نحن نتحدث عن الاثر الفني التشكيلي المادي الملموس وليس عن الفن الرقمي او الفن الزائل أو أي نوعية من الفنون التي تكون فيها الصورة او الفيديو آلية او عنصرا من عناصر الاشتغال وبالتالي فتوضيح المفهوم هنا جدا مهم، حتى نقف على أهمية الاشكالية والمبحث المطروح.
• مواقع العرض الفني الافتراضي :
عبر مواقع الفيسبوك وماي سبيس وتويتر ويوتيوب وانستغرام وغيرها، ومن خلالها وجد الفنان نفسه محاطا بمئات وآلاف من المتابعين سواء من أهل الاختصاص او خارجه بعد أن كان يعاني من العزلة، فموقع الفيسبوك على سبيل الذكر لا الحصر هو الأول عالميا يضم أكثر من مائتي مليون مستخدم فعال فهو يتيح للمستخدمين عامة وللفنانين خاصة إنشاء صفحاتهم الشخصية التي تصبح بمثابة قناة خاصة توثق يومياتهم وابداعاتهم بحيث يستطيع الفنان تحميل أعماله الفنية كما يتيح له الموقع مساحة لكتابة المقال وتطبيقات لخلق التظاهرات والإعلام بموعدها كالمعارض والندوات الفكرية والورش الفنية بتحديد الموعد والمكان ومن ثمة إرسال الدعوات إلكترونيا عن طريق هذه المواقع الذي يذكر من تلقاء نفسه المدعو بالموعد عندما يحين وقته. كما يسمح لقائمة الأصدقاء بالتعليق والتفاعل مع الأعمال والمنشورات الفنية بكل حرية وإبداء الرأي حولها وكذلك مشاركتها على صفحاتهم. كما أصبح من أولويات الفنان اليوم إحداث موقع رسمي على الويب بمجرد دخوله تجد صفحة استقبال يكون للفنان الحرية في ابداع تصميمها وتحتوي عادة كل روابط مواقع الفنان على مواقع التواصل الاجتماعي ومحتويات الموقع من سيرة ذاتية فيديوهات توثق لنشاطاته، صور لأعماله الفنية مرتبة حسب التقنية او باسم المعرض، نصوص نقدية كتبها او كتبت حول اعماله كما توفر محرك بحث صغير بمجرد كتابة الباحث ما يروم ايجاده حتى يتسنى له الدخول مباشرة اليه. أمام كل هذه المغريات والحلول البديلة اتخذ الفنان من هذه المواقع وسيلة لتذليل كل الصعوبات التي يعيشها على أرض الواقع وأصبح تفاعله معها يومي وشبه متواصل.
• هيمنة الصورة في عالم يختصر بشاشة إلكترونية :
لقد وضع التفاعل اليومي للفنان مع مواقع الويب بمختلف انواعها، أمام منطق هيمنة الصورة، وحسب رأي ديبور أمام “تراكم ضخم من الفرجات” هي ترسانة ضخمة من الصور المؤثرة على المتلقي والفنان في نفس الوقت شعارها الذكاء في التعامل من خلال الربح الاوفر للوقت والمادة والجهد. التفاعلية، المشاركة، اتاحة الفرص المتساوية امام الجميع. إذا على هذا النحو تبدو الصورة في ظل تطور تكنولوجيات الاتصال لغة تواصل بين الفنان والمتلقي
• مساوئ العرض الفني المستنسخ عبر مواقع التواصل الإجتماعي :
تفتقد النسخة المنقولة من العمل الفني عنصرين هما :
1- الزمان
2- المكان
فخامات العمل الفني وطبيعته لا تظهر في النسخ المطبوعة التي تشير إلى زمانه ومكانه، وتظهر ظروف إنتاجه، وموقعه في التاريخ.
فلا شك أن الزمان والمكان هما محوران أساسيان للتفكير الجمالي، باعتبار أن هذين البعدين يحكمان الوضع التاريخي لأي منتج من المنتجات البشرية، فهذا الوجود المتفرد للعمل الفني يظهر من خلال الأصل الذي يعكس التغيرات التي صادفته من وقع الظروف الطبيعية عليها عبر الزمن، وهذا ما ظهر في الأعمال المصورة التي تنتمي لعصر النهضة مثلا، ولا يمكن التعرف على التغيرات الأولى إلا بالرجوع إلى النسخة الأصلية، سواء بالتحليل الكيميائي أو بالأشعة، ولا يمكن- بالطبع- القيام بهذه التحليلات على النسخ المصورة من الأصل.
كما يؤدي استنساخ العمل الفني في صورة”الكترونية” إلى اختفاء مفهوم الأصالة في العمل الفني، لأنه ليس له وجود في أسلوب الاستنساخ الآلي.
اعتماد الفنان الذي بات اليوم شبه كلي على هذه المواقع كبديل عرض وهذا واضح من خلال تركيزه على هذه الفضاءات اكثر من الفضاءات الحقيقية بحيث اصبح من الطبيعي اليوم ان نشاهد العرض الاول للأعمال الجديدة على هذه المواقع الافتراضية قبل قاعات العرض الحقيقية، وهذا من شانه ان يغني المتلقي عن التنقل لمواكبتها خلال العرض الحي والاكتفاء بمتابعة كل جديد واني ينتجه الفنان على جهازه الالكتروني.
ظاهرة إعداد البحوث العلمية الأكاديمية انطلاقا من صور لآثار فنية على الانترنت، فإذا بنا إزاء عالمين: عالم فعلي “أضحينا لا نعرفه، وآخر وهمي نؤمن به ونتعامل وفق ما يفرضه علينا دون أن يكون حقيقيا”، ومن هذا المنطلق فللصورة في هذا السياق منحى يغالط حيث تلعب ادوارا في إزاحة الأثر الفني والاحلال محله ليتولد لدينا واقع جديد للأثر الفني واقع يحجب الكثير عن عيوننا وحواسنا الأخرى حيث يقوم بالإخفاء والتستر على الكثير من الخصائص المميزة للأثر الفني لتصبح وكأنها جدار سميك يعزلنا عن الجمال الملموس ويشدنا الى عالم آخر يأتي جاهزا الى ايدينا فيمنعنا من بذل المجهود والوقت والمادة ويقدم لنا كل الإغراءات ليحلّ محلّ الحقيقي.
كما أن أغلب الملتقيات والتظاهرات الفنية التي تقام في كل مكان اليوم تعتمد على ما ينشره الفنان على مواقعه من صور لأعماله ووفقها تتم توجيه دعوات المشاركة وهذا من شأنه أن يخلق الكثير من المغالطات لان ما تقدمه هذه الصورة الفوتوغرافية لا يعكس ما ينتجه الفنان بالضرورة كما لا يمكن من خلالها الحكم على المستوى التقني والجمالي للأثر الفني وهذا ما يفسر التباين الذي يظهر لدى العديد من الفنانين بين ما ينشرون على مواقعهم وما ينجزونه مباشرة خلال هذه الملتقيات، فهناك الكثير ممن يوقعون فقط على أعمال ينجزها لهم غيرهم ويسوقون لأنفسهم من خلالها على هذه المواقع، كما تتيح هذه المواقع امكانية التلاعب بمحتوى الصورة من خلال التحكم في مستويات الاضاءة والتباين وأخذ تفاصيل مختلفة لعمل واحد ونشره على أساس مجموعة من الأعمال بحيث يظهر الاثر مخالفا لماهو عليه في الحقيقة، أو العكس صحيح قد تخفي الصور جماليات وقدرات الاثر الحقيقية والتي نكتشفها ونحس بالفرق بينها وبين الصورة عند اللقاء مباشرة بالاثر الفني.
الخلاصة :
في هذا الاطار الافتراضي الذي تحوّل فيه ومن خلال الأثر الفني الفعلي الى صورة فوتوغرافية نافذة المفعول والسلطة نحتاج الى مزيد من الحذر ومزيد من الارتياب فلهذه الصورة سلطتها وسلطتها مزدوجة حيث يقول ديبراي” فما يرينا العالم هو أيضا ما يعمينا عن النظر إليه.”
بما معناه ان الصورة الفوتوغرافية تغالط المتلقي على الفضاء الافتراضي اذا وقع اعتمادها كبديل للأثر الفني، بما ان جدلية العمل الفني تكتمل بثالوث أزلي هو الفنان، الأثر الفني والمتلقي ولا يمكن الاستغناء عن أحد من هذه المكونات اذا كنا نروم الارتقاء الى حقيقة العملية الفنية، ونشر صورة فوتوغرافية للعمل الفني لا يمكن أن يكون بديلا عن العرض الفني الحي فبدون التلقي المباشر للاثار الفنية لا تكتمل العملية الابداعية، لأن هذا العرض يقلص من الأبعاد الحسية والجمالية للأثر ويحرم المتلقي من اختبار “رهبة المتأمل” وذلك الشعور الذي لا يمكن أن ينتابه سوى في مواجهة أثر فني فعلي حي، وفي المقابل عندما يكون المتلقي في حضرة الأثر الفني تلك اللحظة تتيح له الاقتراب أكثر من العملية الابداعية وتحسس المادة وحيثيات وتفاصيل الاثر والتقنية والموضوع دون وسيط، تلك اللحظة تلغي المسافات بين المتلقي والأثر وبين الفنان والمتلقي هذا الاخير الذي تجعله ينصت الى وجود الأثر الحقيقي وخصائصه التشكيلية والجمالية الحية وفتح حوار مع خلفياتها الفكرية من خلال ما سيصله خلال حضور العرض الحي من تفاعلات ومعلومات وأحاسيس خاصة. كما أن اعتماد هذا النوع من العرض كبديل عن العرض الحقيقي في ظاهره تواصل وتبادل وانفتاح وفي باطنه ردود فعل الية وتعاليق متداولة وخاطفة، في حين يختلف الأمر بمجرد الوقوف أمام الأثر ومواجهته ليصبح الحوار حوله حقيقيا وبناء والتواصل أكبر والتفكير والتأمل أعمق.
من هذا المبدأ فمواقع التواصل الإجتماعي عبر “الأنترنت” لن تضحى البديل الأمثل عن العرض الفني في أروقة فنية معدة خصيصا لعرض الأعمال الفنية، وفق برنامج ثقافي له اعتباراته، لتحقيق مبدأ الالتزام بطقوس عرض العمل الفني، وتحقيق معادلة التأثير والتأثر في قاعدة الإشتغال على القيم الجمالية.
وبغية تحقيق هذا الهدف الأسمى تتجدد الدعوة الى توسيع دائرة فضاءات العرض والارتقاء بوسائل الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة لأداء أدوار فعلية وفاعلة في تحريك الجمهور وترغيبه وجذبه الى قاعات العرض المختصة لأنها السبيل الوحيد للتمتع بفضائل الفن التشكيلي والحكم على معاييره الفنية والتمتع بمختلف أبعاده التشكيلية والجمالية والفكرية مكتشفا أصالته، في دائرة ثقافة تشكيلية تتسع آفاقها، دون إهمال الدور الإعلامي لمواقع التواصل الإجتماعي في الاقتراب من المتلقي وحثه على التفاعل مع العمل الفني وملامسته عن قرب، بمعنى يجب أن يظل دوره مجرد اعلام للتواصل مع المتلقي بمعنى التأكيد على الدور الاعلامي والدعائي، وحثه على التفاعل مع الأثر الفعلي وملامسته عن قرب وبالتالي خلق ثقافة تشكيلية لديه من خلال جعله في تعطش دائم لملاقاة الأثر الحقيقي وعدم التركيز على هذه المواقع كفضاء عرض بديل والاحتفاظ دائما بالجديد لفضاء العرض الحقيقي والاعتماد على الاساليب الإيحائية والترغيبية أثناء العملية الدعائية بحيث يستفز المتلقي ويسحبه الى مواجهة حقيقة الأثر.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى