الإثنين 19 نوفمبر 2018 م - ١١ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / تجارب دولية ومحلية في الاستثمار الاقتصادي الثقافي “2-2″

تجارب دولية ومحلية في الاستثمار الاقتصادي الثقافي “2-2″

2. مدينة البليد الأثرية ومتحف اللبان .. من موقع مهجور إلى متنزه أثري مشهور:

تقع مدينة البليد الأثرية بمحافظة ظفار على الشريط الساحلي لولاية صلالة في المنطقة الواقعة بين الدهاريز والحافة، وهي إحدى المدن الأثرية المسجلة في قائمة التراث العالمي منذ عام 2000م كونها من أقدم المدن الاثرية الساحلية في السلطنة.
وتعود أقدم البقايا الأثرية التي تم اكتشافها في موقع البليد إلى العصر الحجري القديم، وحتى وقت حديث كانت مدينة البليد موقعا مهجورا بالكامل ومليئا بالأحراش وقد وصفها لأول مرة عالم الآثار كارتر في عام 1846، أما المؤرخ الإنجليزي مايلز فقد ذكر في عام 1883 أن البليد كانت في فترة من الفترات مأهولة بعدد كبير من السكان ويوجد بها نشاط زراعي واسع حسب دراسته للموقع.
وأكد المسح الأثري في عام 2009م والذي أجري في محافظة ظفار التصور العام للبليد والمنطقة المحيطة بها حيث تم اكتشاف أساسات لمنازل ومساجد وقنوات لري المزروعات ومقابر تشكل مدينة متكاملة تم بناؤها بإبداع هندسي محكم وجميل.
رغم علامات الاستفهام عن الأسباب التي دفعت سكان المنطقة لهجرة مدينة البليد تقريبا في عام 1300م ـ مثلما تشير إليها بعض الدراسات المتخصصة بالموقع ـ إلا انه يعتبر اليوم بعد أن تم انشاء متحف أرض اللبان في عام 2007م، من أهم المتنزهات الأثرية في السلطنة والمنطقة استقطابا للزائرين، وكيف لا وهو يعتبر المتنزه الأثري الأول على مستوى شبه الجزيرة العربية يقدم خدماته للزوار.
لقد كانت مدينة البليد وحتى عام 2007م حسب المعلومات الواردة من مكتب مستشار صاحب الجلالة للشؤون الثقافية، موقعا مهجورا لا يستقبل أي زائر، وبعد العمل المنظم على مراحل وإنشاء متحف أرض اللبان في الموقع نفسه عام 2007م وتحويله إلى متنزه أثري وسياحي، بدأت الوفود السياحية تتوافد على المكان حيث تشير الإحصائيات الموثقة رسميا بأن المتنزه استقطب منذ بداية افتتاحه وحتى عام 2016 م، أكثر من 621 ألف زائر أغلبهم من الأجانب.
وهنا سأعرض مثالا لعدد الزوار الذين تم توثيق زيارتهم بشكل رسمي في الموقع لعام 2016 م فقط من باب التوضيح والتأكيد على أن هذا الموقع تم العمل فيه بشكل جاد ومدروس منذ الصفر لتحقيق الاستثمار الثقافي فيه والذي نريده اليوم أن يفعل في أغلب المواقع الأثرية للمساهمة برفد المجتمع والدخل القومي للبلاد.
- العمانيون حتى نهاية سنة 2016م، بلغوا 47233 زائرا.
- الأجانب حتى نهاية عام 2016م، بلغوا 70662 زائرا.
بالإضافة إلى كل ما سبق استطاع المعنيون والمشرفون على هذا الموقع استقطاب الاستثمارات التي استفادت منها الحكومة العمانية في الربح مناصفة، كمشروع المستثمر ورجل الأعمال محمد البرواني الذي قام باستثمار الموقع وبناء فندق متميز من فئة خمسة نجوم بتكلفة تجاوزت 23 مليون ريال عماني وصافي أرباحه تعود مناصفة بينه وبين الحكومة بعد الانتهاء من فترة السماح التي لا تتجاوز عادة الست سنوات حسب الاتفاق، وهذا جانب مهم في التخطيط للاستثمار الثقافي والاستفادة من كل الفرص الاستثمارية الراغبة في بذل الأموال في سبيل الحصول على ميزة المكان وخصائصه.

4. المتحف الوطني .. صرح شامخ يحكي عظمة التاريخ العماني عبر مختلف العصور:

يعتبر المتحف الوطني في قلب العاصمة مسقط من أبرز الصروح الثقافية التي تبرز تاريخ عمان منذ آلاف السنين عبر العصور والحضارات المختلفة التي تعاقبت على هذه الأرض الطيبة وحملت اسم مجان ومزون وعمان بفترات تاريخية مختلفة تحفظها تلك الآثار الشامخة والمقتنيات الثمينة التي يحويها المتحف الوطني لإبراز الشواهد والمقتنيات الأثرية التي تحكي تاريخ وتراث وثقافة وفنون أهل عمان والحفاظ عليها بأفضل الطرق والمعايير المتبعة في مجالات الإدارة المتحفية وإدارة المقتنيات والعرض.
ولقد أقيم المتحف الوطني بناء على التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بإنشاء معلم ثقافي يحتضن مفردات التراث الثقافي العماني بموجب المرسوم السلطاني رقم (62 / 2013) الصادر بتاريخ 20 نوفمبر لعام 2013م على مساحة تبلغ 13,700 متر مربع منها 4000 متر خصصت لقاعات العرض الثابت وعددها 15 قاعة متحفية منها قاعة الأرض والإنسان، وقاعة التاريخ البحري، وقاعة السلاح، وقاعة المنجز الحضاري، وقاعة الأفلاج، وقاعة العملات، وقاعة ما قبل التاريخ والعصور القديمة، وقاعة عمان والعالم الخارجي، وقاعة عظمة الإسلام، وقاعة عصر النهضة، إلى جانب قاعة مخصصة للمعارض المؤقتة تم تصميمها وفق الضوابط والمعايير المتبعة عالميُا لهذا النوع من المنشآت.
ويحتوي المتحف على أكثر من 7000 مقتنى متوزعة على قاعات العرض الثابت، وقد تم العمل في المتحف بكل اتقان حتى الانتهاء منه وافتتاحه للزوار في 30 من يوليو عام 2016م.
ويطبق هذا المتحف منظومة المخازن المفتوحة والتي تتيح للزائر التعامل مع القطع المتحفية بشكل مباشر تحت إشراف خبير متخصص، أما بقية القاعات فإنها ستمكن الزائر من التفاعل مع مقتنيات تم ترميمها وتأهيلها وعرضها وإبرازها بشكل متكامل.
لقد تم اختيار موقع المتحف بعناية فائقة فالساحة التي يتواجد فيها المتحف بقلب مدينة مسقط هي ساحة قصر العلم أي القريبة جدا من قلعة الجلالي والميراني وهي الساحة التي أستطيع أن أطلق عليها ساحة الشهداء، وكيف لا وهي من كانت تشهد أمجاد أهل عمان في قتال الغزاة البرتغاليين الذي ارتكبوا أبشع الجرائم بحق الأهالي حتى استطاع العمانيون تحرير عمان والمنطقة بأسرها من حكمهم الغاشم والاستيلاء على قلعة الجلالي والميراني آخر معاقلهم في مسقط بعد تضحيات كبيرة قدمها العماني من أجل وطنه.
ويتميز المتحف الوطني بأنه أول مبنى عام في السلطنة يراعي بشكل مثالي ذوي الإعاقة، وهو أول متحف في الشرق الأوسط يقوم بتوظيف لغة (برايل العربية) في التعريف بالمقتنيات الأثرية للمكفوفين وذوي الإعاقة.
يستطيع أن يشاهد الزائر للمتحف أكثر من ستة آلاف مفردة وتحفة أثرية تحويها قاعات العرض الثابتة، والتي تؤرخ لمختلف الحقب التاريخية لعمان منذ بداية الاستيطان البشري وحتى الوقت الحاضر.
وتتوزع مقتنيات المتحف بين التحف الأثرية والصناعات الحرفية والمخطوطات والوثائق والمراسلات والمطبوعات القديمة والطوابع البريدية ومجسمات للسفن والمراكب وأدوات الملاحة البحرية والأسلحة التقليدية والمجسمات المتحفية للقلاع والحصون والمباني التاريخية والمقتنيات المتصلة بالعمارة والآلات والأدوات والمعدات الزراعية وما يتصل بالأفلاج والنقود والعملات الورقية والمعدنية والخزف والأثاث والفنون التطبيقية والصور الفوتوغرافية والفنون التشكيلية والآلات والأدوات الموسيقية إضافة إلى مفردات التراث غير المادي وهي ما يتصل بالطعام والشراب والشعر والقصص والرقص والغناء الشعبي إضافة إلى التسجيلات المرئية والصوتية وغيرها.
ولقد أستطاع المتحف منذ افتتاحه أن يجذب إليه آلاف الزوار من المواطنين والأجانب والمقيمين بالإضافة إلى طلاب المدارس والكليات والجامعات.
وفي إحصائية معتمدة رسمية من إدارة المتحف الوطني فإن أعداد الزوار وصلت منذ افتتاحه وحتى الآن خلال سبعة أشهر تقريبا الى 51,544 زائرا من مختلف الفئات العمرية ودول العالم، ويعتبر هذا الرقم من المؤشرات الجيدة جدا والذي أتى بعد جهود مخلصة للاستمرار في دعم الاستثمار الثقافي من خلال كل مكونات المتحف ، حيث استطاعت إدارة المتحف وبدون الإعلان عن الأرقام الربحية إلى التقليل من نسبة الاعتماد على التمويل الحكومي التي كانت تمثل 90% خلال السنة المالية 2016، وبنسبة 85% خلال 2017م على أن يتم العمل لأن تصل إلى 60% في غضون 5 سنوات قادمة.

* أمثلة لبعض المقترحات المعنية بالاستثمار الثقافي في السلطنة:

1 – استحداث مهرجان للسفن العمانية في مدينة صور ويتم اختيار التوقيت في فترة الرياح الموسمية التي كان يقوم من خلالها العمانيون وخاصة نواخذة مدينة صور بالسفر نحو القارة الهندية والأفريقية، ويتم من خلال هذا المهرجان تنمية صناعة السفن والمجسمات التي تميز السفن العمانية عن باقي دول المنطقة فلدينا أنواع عديدة للسفن المشهورة منها: البغلة، والغنجة، والبوم، والسنبوق، والجلبوت، وابو بوز، والبتيل، والهوري، والبدن، وغيرها، ونستطيع من خلال هذه الحرفة الحفاظ عليها وتمكين المجتمع للاستفادة من مردودها الاقتصادي وتحويلها لسلعة تستقطب كل الزائرين في هذا المهرجان.
كما يتم في هذا المهرجان محاكاة أمجاد النواخذة وتوديع الأهالي للبحارة المسافرين إلى القدر المجهول لأسابيع أو أشهر عديدة في مشهد درامي مؤثر مع الفنون الشعبية المرتبطة بذلك ويمثل ما كان يحدث واقعيا حتى وقت قريب.
2 – التعاون بين وزارة التراث والثقافة المعنية بمهرجان الأغنية العمانية مع دار الأوبرا السلطانية مسقط ومحاولة مزج هذا المهرجان مع حفلات عالمية تستضيفها الأوبرا خصيصا لدعم المهرجان الذي يهدف لإبراز الفنون الموسيقية العمانية والفنان العماني على السواء وتحويل مادة المهرجان إلى سلعة اقتصادية ثقافية بدل الاكتفاء بتقديم مسابقة بين المشاركين.
3 – بما أن عادة مناطحة الثيران منتشرة بشكل كبير في منطقة الباطنة وتعتبر جزءا من عادات هذا المجتمع، ولأن هناك أعدادا غفيرة من المتابعين والزوار تصل نحو 60 ألف متفرج حول الحلبات في بعض المهرجانات التي ينظمها الأهالي بجهودهم الفردية، فمن الممكن جدا أن يتم التنسيق والاهتمام بشكل مرتب وأكبر بهذه المصارعة بإنشاء حلبة مصارعة حديثة على نمط المسرح الروماني وخاصة في ولاية بركاء لقربها من العاصمة أولا ولشهرتها كذلك في هذا المجال، ويتم تخصيص مهرجان سنوي معني بها وباشتراطات تهدف إلى تنظيم هذه اللعبة لحفظ سلامة الثيران المتصارعة والتي تباع بأغلى الأثمان بين أصحابها. ونستطيع حقا من خلال هذا المهرجان استقطاب آلاف الزوار سنويا لتميزها عن دول المنطقة.
كذلك لا ننسى أن هناك جدلا تاريخيا مثيرا في قضية مصارعة الثيران بين عمان وإسبانيا، وهناك احتمالية كبيرة بتأثر البرتغاليين بهذه العادة حينما استولوا على مسقط والمناطق الساحلية المجاورة لمدة تجاوزت الـ 140 عاما ونقلوها إلى اسبانيا والتي تشتهر أوروبيا بمصارعة الثيران بشكلها الدموي نقيض من يتم معنا هنا في السلطنة من مراعاة كبيرة وخاصة للحفاظ على سلامة هذه الثيران المتصارعة لمدة لا تزيد على 3 أو 4 دقائق.
4 – استثمار ساحة قصر العلم بالتعاون مع المتحف الوطني في إقامة عروض موسيقية عسكرية سنوية مستمدة من الفنون العمانية التقليدية في الشعر والغناء والتي كانت تستخدم في تحفيز العمانيين لمقاومة الغزو البرتغالي الدموي على عمان وأهلها إحياء لمعركة انتصار العمانيين على الغزو البرتغالي وطردهم من عمان نهائيا في عهد دولة اليعاربة وتحديدا الإمام سلطان بن سيف.
هذه الساحة مثلما أسلفت أعلاه نستطيع أن نطلق عليها ساحة الشهداء لما بذله كل عماني مجاهد من استبسال وتضحيات لفتح قلعة الجلالي والميراني والاستيلاء عليها وطرد البرتغاليين منها بما أنها كانت آخر معاقلهم الرئيسية في مسقط.
5 – إقامة مهرجان عمان الثقافي كل عامين من خلال الاستفادة القصوى من مركز عمان للمؤتمرات والمعارض والذي تم انشاؤها على أفضل التجهيزات التي نستطيع من خلالها الاستفادة منها في استضافة المؤتمرات العالمية وتذيل الموقع للاستثمار في تفعيل الفعاليات الثقافية المختلفة، فتجهيزات المكان بحق تستحق الإشادة من فنادق خمس نجوم وقاعات مخصصة للاجتماعات ومسرح ضخم وأنيق بأفضل التقنيات الحديثة.
ولقد استطاع المعنيون استقطاب بعض المؤتمرات العالمية لعام 2019م، منها مؤتمر عالمي في مجال الطب على مستوى دول العالم وغيرها من اجتماعات إقليمية لشركات باتت معروفة على مستوى القارة الآسيوية والأوربية.

أمثلة أخرى للاستثمار الثقافي في السلطنة يجب تنميتها بشكل أفضل:

1 – مهرجان مسقط، ومهرجان صلالة.
2 – صناعة الكتب بوزارة التراث والثقافة.
3 – صناعة الكتب في مؤسسة دار بيت الغشام.
4 – المتحف الوطني.
5 – القلاع والحصون كنزوى وبهلاء وجبرين والحزم.
6 – مركز عمان للمعارض والمؤتمرات.
7 – مهرجان الدن العربي لمسرح الطفل والكبار والشارع.
9 – بيت الصفاء الاثري بولاية الحمراء.
10 – متحف بيت الزبير.

المراجع :

1 – مواقع الانترنت المختلفة والوكيبيديا .
2 – جامعة السلطان قابوس كلية الآداب – قسم السياحة.
3 – قسم التسويق بدار الأوبرا السلطانية.
4 – مكتب مستشار صاحب الجلالة للشؤون الثقافية.
5 – جريدة الشرق الأوسط.
6 – صحيفة الوطن العمانية.
7 – وكالة الأنباء العمانية.
8 – وزارة السياحة.
9- إدارة المتحف الوطني.
10 – صحيفة ميدل ايست اون لاين.

* ورقة عمل مقدمة لمؤتمر “الاستثمار في الثقافة”“ الذي نظمه النادي الثقافي بالتعاون مع وزارة التراث والثقافة والجمعية الاقتصادية العمانية ومؤسسة بيت الزبير في الفترة (11-13 / ابريل / 2017 م)

نصر البوسعيدي

إلى الأعلى