Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

قراءة نقدية لكتاب أثر الفقه العماني في السلوك المجتمعي “التسامح نموذجا” لنبال خماش وأحمد النوفلي

أهميّة الكتاب
الكتاب في ذاته من الكتب الفريدة، ومن الأبحاث النّادرة الّتي جمعت بين الفقه العمليّ وبين علم الاجتماع كعلم ومباحث تأصيليّة، ولهذا أرى الكتاب مادّة خصبة للدّارسين في هذا الباب، والرّاغبين في البحث، ومن أراد البحث في هذا لا يمكن الاستغناء عن هذا الكتاب، وقراءته تدل على جهد بذل فيه المؤلفان وسعهما لتقديم رؤية اجتماعيّة للفقه والتّراث العمانيّ.
ولا يمكن بحال في هذه القراءة إعادة ما جاء في الكتاب، وممكن الرّجوع إلى خاتمة الكتاب الطّويلة؛ لأنّها اختصرت جميع ما جاء في الكتاب، والّذي يهمنا هنا أنّ الكتاب يركز على خمسة جوانب:
- أهمية التّجديد ونبذ التّقليد.
- الحديث حول التّسامح.
- الحديث حول الكياسة المجتمعيّة.
- الحديث حول المرأة ومكانتها وتملكها وحقها المجتمعيّ.
- الحديث حول قيمة التّعاون.
وسأركز في هذه الورقة على جانبين:
الأول: خطوط خارجيّة حول الكتاب.
الثّاني: جوانب نقديّة داخل الكتاب.
الجانب الأول: خطوط خارجيّة حول الكتاب.
وهنا أشير إلى ثلاثة نقاط مهمة في نظري:
النّقطة الأولى: درج العديد من الباحثين والكتاب في القراءات العامة للتّراث الفقهيّ أو الدّينيّ عموما على منهجين:
المنهج الأول: المنهج النقديّ الّذي يلتزم التّعامل مع المعرفة الفقهيّة بجانبيها الإيجابيّ والسّلبيّ، وعدم التّحرج من نقد الذّات أو التّراث.
المنهج الثّاني: المنهج الوصفيّ المركز في غالبه على الإيجابيات من الفقه أو التّراث، وربطه بالمفاهيم المعاصرة، وذلك لأنّ أهم مدرستين حول التّراث:
- مدرسة تقدس الماضي والتراث، وتنظر إليه أشبه بالملائكيّة والوحي المقدس.
- مدرسة تلغي التّراث، وترى التّراث رجوعا بالعقل إلى الماضي والعيش فيه، وأنّه ضدّ الحضارة والمدنيّة والتّقدم.
لهذا درج أصحاب هذا المنهج إلى تقديم إيجابيات التّراث، وتقديمها كرؤية ممكن الاستفادة منها.
ولهذا أرى أنّ كتاب “أثر الفقه العماني في السّلوك المجتمعيّ” نصنفه من أصحاب المنهج الثّانيّ؛ لأنّه يخلو من الرّؤية النّقديّة، فهو يقدّم رؤية وصفيّة للجانب الإيجابيّ من منظور الكاتبين، وإلا فالتّراث العمانيّ كأي تراث إنسانيّ يشمل الجانبين: الجانب المضيء، والجانب المظلم، وحتى في الجوانب الّتي ذكرها الكاتبان، فهناك جوانب إقصائيّة وجوانب سلبيّة في العلاقات المجتمعيّة، وهي إن كانت أقلّ من الجوانب الإيجابيّة إلا أنّها ليست قليلة، وأضرب سريعا مثالين في الجانب المجتمعيّ:
المثال الأول: تقسيم النّاس إلى ثلاثة، قسم المسلمين، وقسم أهل الكتاب، وقسم المشركين، فقسم المسلمين واضح، أمّا أهل الكتاب فلهم الإسلام أو الجزية، وأمّا المشركون فلهم الإسلام أو السّيف، فهنا لن أتطرق إلى قضية الجزية والّتي في نظري لا علاقة لها بالأفراد والسّلم المجتمعيّ، وهي مرتبطة بين الدّول والممالك وقت الاعتداء لإضعاف العدو، وذكرت في سورة براءة في سياق الاعتداء، ولأنّ الرّوم كتابيون نصارى، أمّا أفراد المجتمع فلا علاقة لهم والجزية، وهي ضريبة غالبا يأخذها القوي مقابل خدمة الضّعيف.
الّذي يهمني قضيّة غير الكتابيين وربطهم بالسّيف، لظواهر بعض الآيات المتشابهة، وعدم ردها إلى الآيات المحكمة؛ لأنّ الأصل آيات السّلم، وآيات القتل عارضة، ولهذا اضطر الفقهاء العمانيون إلى قياس الهندوس والمجوس بأهل الكتاب، فهذه من الجوانب الّتي تؤثر سلبا في الجانب المجتمعيّ، خاصة في عالم اليوم، وأصبحنا نعيش في قرية واحدة.
المثال الثّاني: قضيّة الولاية والبراءة، ومع محاولة الكاتبين في وضع الولاية والبراءة كاستخدام إيجابي في المجتمع، إلا أنّها أيضا أثرت سلبا نتيجة التّوسع في جوانبها، وجعل القضايا السّياسيّة قضايا دينيّة، وترتيب أحكام معقدة فيها، وجعلها أحدّ من السّيف، أثرت سلبا في السّلم المجتمعيّ، كما حدث مثلا في قضيّة الصّلت بن مالك في القرن الثّالث الهجريّ، وما ترتب من آثار سلبيّة نتيجة عزله.
عموما نعذر الكاتبين لأسباب أهمها لم نتعود على نقد الذّات، ونقد الماضي والتّراث ننظر إليه كأنه قدح في الإسلام أو في الشّخصيّة العمانيّة، هذا من جهة ومن جهة أخرى عدم وجود الدّراسات التّفكيكيّة النّاقدة للتّراث والتّأريخ العمانيّ، حتى على سبيل الدّراسات الأكاديميّة، وهي أقرب إلى الدّراسات الوصفيّة.
وهذا ما نعاني منه ليس في القراءة البحثيّة بل حتى في تحقيق التّراث، الّذي يعتمد على المنهج الكلاسيكيّ في إخراج التّراث، بما يضمّ من إيجابيات وسلبيات، والّذي نحن بحاجة أن يضاف إلى تحقيقه نقد التّراث ذاته، بما يوافق والقيم المعاصرة.
النّقطة الثّانيّة: لابدّ من التّفريق بين الإسلام وبين التّفسيرات الفقهيّة، ولهذا أجد أكبر خطأين في هذا:
أولا: اعتبار الإسلام ينطلق من بعثة النّبي محمد صلّى الله عليه وسلم، وهذا خطأ كبير يعارض حتى القرآن، سواء كان بمفهومه اللّغوي أو بمفهومه الجنسيّ، فالقرآن في العهد المكي يشير إلى وجود الحالة الطّقوسيّة تماما كالصّلاة والصّوم والزّكاة والحج والوفاء بالنّذور والعلاقة الأسريّة والمجتمعيّة، وجاء القرآن كجانب إصلاحي تقويميّ، وليس كما يصور كأن النّاس في حالة بهيميّة لا طقوس ولا نظام أسريّ ولا مجتمعّي.
ثانيا: الفقه ليس اختراعا عربيا؛ بل هو مما شارك فيه المجتمع الإنسانيّ ككل، والجزيرة العربيّة وقت بعثة النّبي عليه الصّلاة والسّلام كانت تعيش وفق ثقافات متداخلة، كالثّقافة اليهوديّة والصابئة والحنفيّة والمسيحيّة بأقسامها كالقسم الرّومانيّ، بجانب الثّقافات العربيّة الأخرى.
ولما نشطت التّرجمة تأثرت الثّقافة الإسلاميّة بالمنطق والفلسفة الإغريقيّة، ولهذا بدأت بعض العلوم تتكون في جانب منطقيّ تصنيفيّ، كعلوم اللّغة والآلة وأصول الفقه، ومن هذه العلوم الّتي تأثرت بالقانون الإغريقيّ لاحقا علم القواعد الفقهيّة والضّوابط الفقهيّة وتفريعاتها والّتي كونت علم المقاصد لاحقا.
فعندما نتأمل كتاب جونستنيان في الفقه الرّومانيّ والّذي دوّن قبل بعثة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بما يقارب سبعين سنة، حيث يتكلم عن القوانين الشّخصيّة، والقوانين الملكيّة، والمواريث والوصايا والهبات والالتزامات والأموال والدّعاوى والقضاء وغيرها، نجد التأثير الرّومانيّ على الفقه الإسلاميّ منذ فترة مبكرة، ولا يكون هذا التّشابه محل الصّدفة فقط.
ففي الكتاب مثلا نجد الكتاب أكثر من أربع وثلاثين ومائة قاعدة، تتشابه كثيرا مع القواعد الفقهيّة في التّراث الإسلاميّ كقاعدة التّابع تابع، واليمين على المدعي، والضّرر يزال، ولا عبرة بالدّلالة في مقابلة التّصريح، والمعلول يدور مع العلة وجودا وعدما، والعادة محكمة، واختيار أهون الشّرين، والمعروف عرفا كالمشروط شرطا، والعبرة في العقود المقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني، والأصل يتبعه الفرع، ولا ينسب لساكت قول، والأصل في الإنسان البراءة.
ما أريد أن أقوله هنا إنّ الدّراسات الإنسانيّة في الفكر الإسلاميّ لقراءتها لا يجوز أن تقرأ وكأنها بدأت من نقطة الصّفر، أو نزلت من السّماء هكذا؛ بل هي نتيجة توارث أفكار حضارات وأمم أخرى، تمازجت مع التّأصيل الدّينيّ، والتّنوير القرآني في العديد من المراجعات، مع بعض التّطبيقات النّبويّة، فكانت منظومة الفقه الإسلاميّ بقواعده وأصوله وأدلته وفروعه نتيجة اختلاط واستفادة من تراث ونتاج أمم أخرى أيضا، ولكي تكون الزّاوية سليمة لابدّ من قراءة تراث الأمم الأخرى لأنّه يؤثر جدا في فهم العقليّة الفقهيّة المسلمة ونتاجها الفقهيّ على مر التّأريخ زمنا ومكانا.
ولهذا لابد من التّفريق في العقل الجمعيّ بين الإسلام الّذي أراه لابد أن ينطلق من دليل قطعيّ أو عمليّ متفق عليه، وبين التّفسيرات الفقهيّة، فالثّانية نتيجة تجارب بشريّة، وهذا الفقه الّذي أمامنا هو تجربة بشريّة وليست الإسلام كنسبة إلى الله ودين قطعيّ، فهو أقرب إلى التّفسيرات والتجارب والتّأثر البشريّ.
النّقطة الثّالثة: الفقه سابقا كان مصطلحا عاما وواسعا، والفقيه يطلق على الخبير السّياسيّ والاقتصاديّ وعلى عالم العمارة والمواريث والتّركات والقانون وعلم الجنايات والحدود والأروش ونحوها، أمّا اليوم فنتيجة التخصص انحصر الفقه في جوانب معينة وعامّة أقرب إلى العبادات المحضة، لهذا عندما ننظر إلى التّراث الفقهيّ قد يتصور بعض الشّباب أنّ التراث الفقهيّ مجرد عبادات وبعض المجالات الأسريّة والقانونيّة والماليّة، بينما هو نظام مجتمعيّ شامل، وتجربة إنسانيّة شاملة، وهذا ما حاول الكاتبان إبرازه.
وهذا الخلل هو الّذي حدث في مؤسسات الافتاء اليوم، إذ غاب عنها الفقيه المتخصص في السّياسة والقانون والتّربيّة والاجتماع والاقتصاد والفلسفة، ممّا حدث من أخطاء إفتائيّة واضحة، وقصور في الإدراك الإفتائي، وتحويل العديد من القضايا المجتمعيّة والمدنيّة إلى قضايا دين لا قضايا رأي واسعة.
الجانب الثّاني: جوانب نقديّة داخل الكتاب.
أولا: عنوان الكتاب [أثر الفقه العماني في السّلوك المجتمعيّ] وفيه ملحوظتان:
الملحوظة الأولى: كلمة [العماني] مع أنّ عمان فيها المذاهب السّنيّة والشّيعة الإماميّة بجانب بعض الأديان الأخرى، وكان الأصل الإشارة، وقد يقول: لا توجد مصادر لهم، لكن القراءة المعاصرة تقدّم بعض الرّؤية، ثمّ هناك مثلا فتاوى العلامة حبيب بن يوسف الفارسيّ الصحاريّ المسقطيّ ت 1276هـ ممكن الرّجوع إليه، بجانب علماء ظفار، أو حتى علماء حضرموت لتأثر الفكر الظّفاريّ بهم.
فمن يقرأ الكتاب يدرك أنّه يقرأ للإباضيّة، وهم جزء من التّكوين العمانيّ، ولهذا أرى منهجيّا وأكاديميّا أن يكون العنوان: أثر الفقه الإباضيّ في عمان في السّلوك المجتمعيّ، وهذا لا خجل فيه، وهو أدق ـ في نظري ـ حسب مادة الكتاب، وليعلم القارئ أنّه يقرا للفكر الإباضيّ في عمان؛ لأنّ الفكر الإباضيّ أعمّ من عمان، ولكن إضافة: في عمان قيدا له.
الملحوظة الثّانية: (التّسامح نموذجا) كما أسلفنا أنّ الكتاب تحدث عن التّجديد ونبذ التّقليد، والكياسة المجتمعيّة، والمرأة، وقيمة التّعاون، وتحدث عن التّسامح في (32) صفحة فقط من (126) صفحة، فلماذا خصص التّسامح؟
ثانيا: في صفحة (8) قلتم: [ولقد بدأت هذه الصّلة بين العمانيّ واستجابته للعلم الفقهيّ منذ فترة صدر الإسلام]، وهنا وقعنا في ذات الخطأ الّذي أشرنا إليه سابقا، إذ لا يعقل أمّة عظيمة كعمان بتياراتها وأفكارها، لا فقه ولا قانون فيها، حتى يذهب جابر بن زيد ت 93هـ إلى البصرة، ثمّ يبدأ العمانيون تعلّم الفقه عن طريقه أو تلاميذه، ولكن ممكن: سادت الرّؤية الجديدة للفقه أو بعض معالمها التّصحيحية في الصدر الأول بعد البعثة المحمدية، ثمّ بدأت مدونات الفقه حسب المدرسة الإباضيّة في عمان.
ثالثا: في صفحتي (26- 27) قلتم: [وممّا ساهم في تعزيز هذه القيمة داخل المجتمع العمانيّ أنّ المجتمع بتاريخه الموغل في القدم لم يكن في أيّ من فتراته مجتمعا منغلقا على نفسه؛ بل العكس من ذلك تماما، فهو من النّاحية الانتروبولوجية التي تُعنى بالدراسة العلمية لماضي الإنسان وحاضره، وبحكم صلاته التجارية مع العديد من الحضارات، يعدّ من أكثر المجتمعات انفتاحا على الثّقافات الإنسانيّة ....].
والحقيقة في نظري أنّ الانفتاح في عمان كان انفتاحا تجاريّا وسياسيّا في بعض الأوقات، ولكن بحكم أنّ الدّولة الفقهيّة الّتي تميزت بالتّشدد نوعا ما، والّتي حكمت عمان في فترات، أو لتأثير الفقهاء في الدّولة كانت عمان في جوانب عديدة منغلقة، ولعلي أضرب مثلا الفلسفة والمنطق والتّرجمة والفنون بأنواعها، فنحن عندما نقارن بين الدّولة العباسيّة وانفتاحها العلمي والفلسفيّ والفنيّ لا نقارنها بعمان، ولا دولة الأندلس مع تشدد الأخير كفقه مالكيّ، إلا أنّ الحضارة والفلسفة والفنون نشطت فيها، وهذا خلافا لعمان، إلا إذا كان وجد ولم يدون أو أهمل كما في فترات النّباهنة!!
رابعا: في حديثكم عن التّسامح انطلقتم من بعض الكتابات المعاصرة ككتب أركون والجابريّ على اعتبار أنّ مصطلح التّسامح معاصر، إلا أنّ كتب اللغة والتّراث أشارت إلى جوانب منها ككتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيديّ ت 170ه بمعنى المساهلة.
أمّا بمعنى احترام عقائد الآخرين أيّ كتعريف له حده ومنتهاه فإنّي أراه متأخرا، ولا يكاد يستخدم بهذا المعنى لغويّا أو فقهيّا اصطلاحيّا، ويرى بعض الباحثين أنّ استخدامه بمعنى حريّة المعتقد يعود إلى القرن السّابع عشر الميلادي في أوربا.
والقرآن استخدم معنى أدق وهو التّعارف الّذي يحمل بعدين التعرف على الآخر والاعتراف به، ومنه التعايش المجتمعي وعدم الإكراه وحفظ النفس وحماية دور العبادة من معابد وكنائس وغيرها، لهذا كنت أحبذ الالتفاتة قليلا إلى المفهوم القرآني وهو أسبق في نظري وأدق من لفظة التّسامح.
خامسا: أشرتم في الصّفحة (40) إلى أنّ الفتوحات الإسلاميّة لم تكن رسالتها توحيد الفكر والسّلوك المجتمعيّ لدى الشّعوب، ومع تحفظي لكلمة الفتوحات؛ لأنّ العديد منها استعماري الهدف منها امتداد الدّولة والمصالح الماليّة، إلا أنّ العديد ممّا سميت بالفتوحات صاحبها ليس إكراها دينيا فحسب؛ بل حتى إكراه مذهبي، وفرض المذهب الواحد، وهذا له صوره المتعددة.
ثمّ لا أحبذ نسبة الفتوحات إلى الإسلام، وإنما إلى الدّول والشّعوب، فنقول الفتح العمانيّ والفتح العباسيّ والفتح العثمانيّ وهكذا، حتى لا ينسب الأخطاء العديدة في هذه الفتوحات ـ إن صح التّعبير ـ إلى الإسلام!!
سادسا: اقتبستم في صفحة (48) نصا من الضياء للعوتبي: من [دعا زوجته إلى مذهبه وتعريف الولاية لها فلم تقبل فليس له لعنها] وذكرتم هذا في سياق العنف اللّفظيّ، ولكن أتصور هنا اللّعن بمعنى البراءة، لا بالمعنى اللّفظيّ، حيث يطلق الإباضية على البراءة اللّعن، ولا يقصدون به الجانب اللّفظيّ حسب علمي، إلا إذا ذكر النّص في سياق اللّعن اللّفظي، فإذا ذكر في سياق الولاية أدركنا المراد به البراءة، كمصطلح الكفر المراد به كفر نعمة، ومصطلح التّكذيب المراد به الخطأ، كقول عائشة: كذب أبو الدرداء أي أخطأ.
سابعا: أشرتم صفحة (51) إلى نجاسة المشركين، وإنّ الفقه الإباضيّ تجاوز منذ فترة متقدمة أنّ النجاسة المقصودة في قوله تعالى: “إنّما المشركون نجس” هي نجاسة حسيّة واعتبرها نجاسة معنويّة، إلا أنّكم أشرتم إلى أهل الذّمة والمجوس، والحقيقة لا إشكالية مع أهل الكتاب لأنّ القرآن نص على جواز طعامهم ونكاح نسائهم، ولا المجوس لأنّ سلمان الفارسي منذ فترة مبكرة جعلهم كأهل الكتاب، والحقيقة أنّ المجوسيّة ليس ديانة وثنيّة، والمكوسي هو الحبر كما عند اليهود، والرّاهب كما عند النّصارى، ومنهم الزّرادشتيّة وهي من الأديان التي تؤمن بوجود إله للخير وإله للشّر، فهي لا تنكر وجود إله، وتؤمن باليوم الآخر، وبالثّواب والعقاب، وفق فلسفتهم في ذلك، ويعتبرون أنّ النّار والماء رمزية، فالنّار والماء رمز الحياة، كما عند بعض الفلاسفة الماء والتّراب والهواء والنّار.
وفي نظري لا توجد طائفة في الحقيقة في فارس تعبد النّار، والفرس غالبهم إمّا زرادشتيّ، والزّرادشتيّة لا يعبدون النّار كإله، كما أنّ الهندوس لا يعبدون البقر كإله، ومن الفرس مندائيون أو يزيديون، وهم موحدون أيضا.
ولكن الإشكالية في الوثنيين، وإن كانت الرؤية بالنجاسة المعنويّة تتعادل نسبا مع النّجاسة الحسيّة، إلا أنّ المراجعة القرآنية اليوم نحن فيه ملحة لكثرة الخلطة؛ ولأنّ الأصل في الإنسان الطّهارة، ولسياق الآيات الّذي يرى نجاسة الشرك والأصنام، وهي معنويّة وليست حسيّة.
ثامنا: في صفحة (65) أشرتم إلى القيم الإسلاميّة، وقبلها صفهة (64) أشرتم إلى قيمة العصبية والبداوة.
أمّا النّقطة الأولى في نظري القيمة مرتبطة بالجنس الإنسانيّ، فهي قيم يدركها العقل والفطرة الإنسانيّة ولا تتغير، ولهذا أحبذ عبارة (القيم الإنسانيّة) أمّا الإسلام واليهودية والنّصرانيّة وغيرها جاءت كجميع الرسالات بأدبيات واخلاقيات تعيد القيم وتصلحها، وإلا أصلا فهي قيم إنسانيّة كالعدل والصّدق والإحسان والحريّة وغيرها.
وأمّا قيمة العصبيّة والبداوة فلا أراهما قيمة أصلا، وهما من الأخلاقيات ومن مفرزات المجتمعات البشريّة، والعصبيّة والبداوة محكومة بالقيم الإنسانيّة الكبرى كغيرها من المفرزات.
تاسعا: قلتم في ص (73): [أمّا البراءة فتعني في دلالتها الابتعاد والنّفور عن مرتكبي المعاصي المخالفين في سلوكهم أو معتقدهم أي الأخذ بمبدأ الإقصاء].
وهذه ذكرتموها في في الكياسة المجتمعيّة، وفي نظري هذه من الأدبيات الّتي يجب أن تنقد عندنا، لأنّ الهجر ذكره الله تعالى في سورة براءة في آية: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.
والآية في سياق التّخلف في تبوك، مع كثرة المتخلفين إلا أنّه هجر الثّلاثة لمكانتهم العسكرية والاجتماعيّة، فهو هجر أقرب إلى الهجر التّأديبيّ لبعض الرّموز.
أمّا التوسع باسم البراءة أو الأقصاء فهو خطير، فيقصى كلّ مخالف للجانب الدّينيّ أو الفقهيّ بمعنى البراءة، خاصة وأنّ المفهوم أصبح عامّا كما لا يخفى لاتساع دائرة الرّأي وتحويلها إلى قضايا دين.
عاشرا: هناك جوانب كثيرة سلبيّة في الجانب المجتمعيّ كالغيبة المذهبيّة وجوانب المرأة لولا ضيق المقام لأشرت إليها، وأكتفي بما أشرت فقط للتّمثيل في ضرورة النّقد كالوصف تماما.

بدر بن سالم العبري
باحث وكاتب عمانيّ


تاريخ النشر: 30 أبريل,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/190199

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014