Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

إشراقات عمانية

سعود بن علي الحارثي

يتحدث التاريخ عن قصص وأحداث لا حصر لها تصور تسامح العمانيين وقدرتهم على التعايش واحترام الآخر، فالإمام ناصر بن مرشد هدد وتوعد البرتغاليين إن لم يستجيبوا له برد أموال ووقوفات الشيعة التي سلبوها بصحار، وتكشف لنا العديد من الدراسات عن مناظرات ومراجعات موثقة لعلماء عمان مع نظرائهم في دول أخرى وإخوانهم في عمان من مختلف المذاهب يظهر تعاونا مشتركا في إعداد المؤلفات الفقهية

التاسع عشـر: التسامح الديني :
تكمن قوة التاريخ ودوره في المراجعة والتقييم والاستفادة من دروسه ومقارناته وأحداثه في تجاوز المثالب والتغلب على التحديات، والأخذ بالمفيد منها في تحقيق النهضة والتحديث والتطوير وتجنب الوقوع في الأخطاء، ووضع كل وسائل الحماية لضمان الوصول إلى الغايات السامية والمصالح الكبيرة. وباستثناء بعض الصراعات التي شهدتها بلادنا سابقا فإنه وبحمد الله لم يسجل التاريخ العماني صراعا أو نزاعا أو خلافا نشب على أسس دينية أو مذهبية تعصبية طوال القرون والعقود الزمنية التي توالت على البلاد منذ أن دخل العمانيون طواعية إلى الإسلام، كما لم تشر الأحداث التاريخية والبحثية إلى أية أعمال تطهيرية أو تصفيات أو اضطهاد تم على أسس مذهبية أو دينية أو عرقية في أي منطقة من مناطق البلاد، وعندما كانت عمان في أوج قوتها وسطوة نفوذها وعظمة إمبراطوريتها وقد اتسعت مظلتها السياسية والتجارية والبحرية فضمت بين جناحيها بلدانا ومدنا وشعوبا وبحارا شكلت في مجملها جسر تواصل وتعاون بين قارتي آسيا وإفريقيا، أحدثت تعايشا سلميا بين بشر ينتمون إلى لغات وأديان ومذاهب وأعراق قل نظيره في صور ومشاهد رائعة سجلت للعماني قدرته على التحاور والإسهام الحضاري والتعاطي مع مختلف الأعراق والثقافات والمذاهب والديانات، وشكلت كذلك منارة علم أسهمت في تحقيق التطور في شموليته وتقديم نموذج إنساني متميز في رقيه وتحضره يستحق أن يستفاد منه ويحتذى به في وقت تعصف فيه رياح الفتن والصراعات والضيق بالآخر ومحاولة إقصائه ونبذه بالأمتين العربية والإسلاميـة، وقد أورد الباحث فرهاد دفتري في كتابه الشامل والواسع (الإسماعيليون تاريخهم وعقائدهم) ما يؤكد على الحرية الدينية والتسامح الذي أظل بمظلته هذه الطائفة التي وجدت فيه خيارا للهجرة من الهند إلى إفريقيا الشرقية فرارا من الاضطهاد الذي أنهكها هناك (كان البهرة الداووديون، هم والخوجة النزاريون، من بين أوائل المهاجرين الآسيويين إلى إفريقيا الشرقية، ولاقى الاستقرار الدائم للإسماعيليين البهرة والخوجة في إفريقيا الشرقية خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر تشجيعًا عظيمًا من السلطان سيد سعيد (1220- 1273/1806 – 1856)، من سلالة بو سعيد الإباضية، سلطان عمان وزنجبار. وكان السلطان سعيد مهتمًّا بالتجارة وتطوير القاعدة التجارية لممتلكاته الإفريقية. وشجعت سعيدًا في متابعته لذلك الهدف… هجرة التجار الهنود إلى زنجبار مانحًا إياهم الحرية الدينية. وكون البهرة، الذين قدموا من مقاطعتي كتش وكثيوار بنحو رئيسي، أكبر مجموعة من المهاجريين الهنود، بعد الخوجة في زنجبار. وتكثفت حركة الإسماعيليين الهنود العاملين في التجارة إلى إفريقيا الشرقية بعد سنة 1256- 1840، عندما حول السلطان سعيد عاصمته من مسقط إلى زنجبار) .. واليوم فإن المساجد والأماكن الدينية من معابد وكنائس ومزارات في مدينتي مسقط ومطرح تقف شاهدا ومؤكدا على هذه الحقيقة، مساجد للسنة وأخرى للشيعة ومساجد للإباضية تمارس دورها التعبدي، وعمارها من مختلف المذاهب يؤدون شعائرهم وصلواتهم وكأنهم مذهب واحد في أي مسجد كان وهي أبهى صور التسامح، ومعابد لديانات أخرى ظلت لقرون وعقود من الزمن ترمز لقيم التسامح الديني والتعايش المذهبي وتظهر قدرة العماني على الانسجام والتفاعل والتلاقي مع مختلف الفئات أيا كانت انتماءاتها وما تؤمن به من أفكار وعقائد، وفي القرى والمناطق العمانية الأخرى يصلي الإباضي خلف السني والسني وراء الإباضي في انسجام تام وشعور بالطمأنينة وروح مفعمة بالإيمان والإحساس بقيمة الإسلام وبرسالته السمحة التي لم تأتِ إلا من أجل أن يعيش الإنسان في طمأنينة وسلام، وأن يعيش البشر متحابين في ود وحميمية وتعاون، (إذ نجد صورا فريدة من التعايش المذهبي والتسامح الديني بين السنة والإباضية والشيعة علماء وعامة، ويكفيك شاهدا الآن مؤلف هذا الكتاب وهو من مخرجات تلك الفترة إذ لم يجد غضاضة في الترجمة لعلماء صحار على اختلاف مذاهبهم والتحديث بمعارف كل وشمائله) من مقدمة كتاب بهجة الناظرين في تراجم فقهاء صحار المتأخرين، للأستاذ عبدالله بن قاسم القاسمي، والكتاب للشيخ علي بن إبراهيم المعيني. وفي القرى البعيدة والمناطق الداخلية استقبل أهلها أقواما من أعراق ومذاهب متعددة فلم يجدوا إلا الترحيب والود ولم يجبرهم أحد على ترك معتقداتهم مقابل الإقامة في وقت كانت فيه القبائل وشيوخها أصحاب السلطة في اتخاذ القرار بشأن ذلك، ولم يشعروا بأي ضيق أو اضطهاد وأقاموا جيلا بعد جيل حتى يومنا هذا. ولم يتحدث التاريخ كذلك عن محاولات عمانية للتدخل في شؤون الآخرين أو توجيه قوة أو شن معركة بهدف غزو أرض خارج الحدود العمانية لأسباب دينية، ولم يحدث ذلك حتى عندما كانت عمان في أوج قوتها عندما تمكنت من طرد البرتغال من المنطقة بأسرها أو عندما كانت امبراطورية تجوب أساطيلها البحار، وكانت مساهمات العمانيين المعروفة في نشر الإسلام تمت في مجملها من خلال التجارة والهجرات المتتالية وعبر الحوار، ويقف إعجاب أولئك الذين دخلوا الإسلام طواعية بأخلاق العمانيين وصدقهم وسلوكهم المتزن وما اتسموا به من روح التفاؤل والود والتسامح عاملا رئيسيا في اقتناعهم برسالة الإسلام. ويتحدث التاريخ عن قصص وأحداث لا حصر لها تصور تسامح العمانيين وقدرتهم على التعايش واحترام الآخر، فالإمام ناصر بن مرشد هدد وتوعد البرتغاليين إن لم يستجيبوا له برد أموال ووقوفات الشيعة التي سلبوها بصحار، وتكشف لنا العديد من الدراسات عن مناظرات ومراجعات موثقة لعلماء عمان مع نظرائهم في دول أخرى وإخوانهم في عمان من مختلف المذاهب يظهر تعاونا مشتركا في إعداد المؤلفات الفقهية، وكان حماد بن سالم البسط الشيعي تلميذا للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي. وتشير المصادر كذلك إلى وجود الشيعة في صحار في زمن الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي، وأن لهم علماء ودعاة على مذهبهم، وانفتح فقهاء عمان على (فقه المدارس والمذاهب الإسلامية الأخرى، وظهر ما يعرف بالدراسات الفقهية المقارنـة، فحلقات العلم في عمان تناولت بالدرس كتاب الإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر النيسابوري من فقهاء الشافعية، فصنف العلامة أبوسعيد الكدمي كتابا أسماه زيادات الأشراف). وقد وصف رئيس البعثة الهولندية باد تبرج الذي أرسلته حكومة بلاده سنة 1672م، إبان عصر الدولة اليعربية لعقد اتفاقية تجارية مع العمانيين، عرب عمان بأنهم يتصفون (بالتهذيب والود والكرم والنخوة في تعاملهم مع بعضهم البعض ومع الغرباء أيضا، وتصرفاتهم في غاية النزاهة إلى درجة مبالغ فيها، ولا يؤخذ أي قرار مباشرة قبل عرضه على الجميع)، وتشير المصادر الأثرية إلى (وجود النصارى بمزون وأن لهم كنيسة بها…)، من كتاب الثقافة الإسلامية الذي أصدره مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم. وعبر القرون الماضية زار عمان مئات الرحالة والسياح والمكتشفين والمبشرين من دول أوروبية جابوا جبالها وقراها وصحاريها وكثبانها الرملية ودخلوا المنازل والمجالس والمضافات وقصور السلطان والتقوا بعدد كبير من العمانيين رجالا ونساء وبمختلف الأعمار والمستويات الاجتماعية وتحاوروا معهم وأصدروا عشرات الكتب ومئات الشهادات بعد ذلك، لم تشر إلى أي حادثة أو مشهد تعرض فيه أحدهم إلى اعتداء أو ازدراء أو موقف عدائي من أي عماني كان، بل العكس هو الصحيح فقد كانوا يجدون الاحترام وكرم الضيافة والتعاون، وتحدث هؤلاء الرحالة عن تسامح العمانيين وكرمهم بقدر كبير من الإعجاب فهذا وليم جفورد بالجريف الذي زار عمان في العام 1863م يقدم شهادته على النحو التالي: (بناء على تجاربي وخبراتي، أرى أن العمانيين ألطف العرب مزاجا وأحسنهم وفادة وأحلاهم ودا؛ مجمل القول إنهم أفضلهم دماثة وأدبا، بلغ تسامحهم مبلغا لم يعرف في أي مكان حتى في أوروبا؛ إذ تجد تشكيلة متنوعة من الأعراق والأعراف والأديان، فهناك اليهود والمسيحيون والمحمديون والهندوس، كل يعبد الله بالطريقة التي يرتضيها، يلبس الذي يراه الأنسب له، ويتزوج دون قيد ويرث، ويقبر موتاه أو يحرقهم كما يحلو له، لا أحد يسأل، لا أحد يسبب ضيقا أو إزعاجا، ولا أحد يقف عائقا أمام أحد)، وهذا روبرت مجنان الذي زار مسقط أول مرة في 820م، يرى بأن عمان (بلاد الأمان) و(غير متعصبين وغير متشددين) حتى أنهم كانوا يشاطرون غير المسلمين الطعام. وهذا رحالة آخر يقدم شهادة عن العمانيين تعزز سابقاتها، فهم (لا يقدسون وليا وليس لهم دير أو رهبان أو دراويش ويكنون عظيم الاحترام للعدالة، ويبدون كامل التسامح للأديان الأخرى) ويبدي جيمز ريموند ويلستد الذي زار عمان في 1835م إعجابه بالسيد سعيد بن سلطان وتسامحه ومما قاله (إن أهم ما تتسم به حكومة هذا الأمير هو بعدها عن ضروب القمع والعقاب العشوائي وسعة صدرها لكل المعتقدات وتسامحها معها…) هذه الشهادات من كتاب عمان في عيون الرحالة البريطانيين للدكتور هلال الحجري. وهنا على أرض عمان وفي أيامنا الحاضرة تنشأ الصداقات العميقة والعلاقات الوطيدة وتتبادل الأسر والأفراد مشاعر الحب والود والزيارات، ويقومون بواجبات العزاء وحضور المناسبات المختلفة مع بعضهم البعض، وينطلقون في مناقشات وحوارات مختلفة، ويعملون في المؤسسات الحكومية والخاصة، وينشئون أعمالا مشتركة تجمعهم المواطنة والحب والوفاء لعمان، يمارسون شعائرهم الدينية بحرية مطلقة وفي أجواء مثالية من التسامح دون أن يؤثر ذلك على جمال الصورة التي أشرنا لها، ويتحرك الأجانب من عاملين وسياح وباحثين على مختلف دياناتهم ومذاهبهم بكل حرية في القرى والجبال والأودية ولم تسجل بحمد الله وفضل وعي العمانيين حادثة واحدة تسيء إلى ثقافة التسامح والحرية في البـلاد. وهو ما جعل عمان مضربا للمثل في محيطها في كتابات العديد من العلماء والأكاديميين والإعلاميين والأدباء والسياح الذين زاروها فدهشوا لتلك الصورة الرائعة التي قدمها العماني عن نفسه، وما كان لذلك أن يتحقق لولا أن ثقافة المجتمع وتاريخه وقيمه أسست لهذا المبدأ ولهذه الأجواء الحضارية منذ أن دخل العمانيون طواعية في الإسلام وهو ما نفخر به مدى الدهر. يقول السير دونالد هولي الذي عمل سفيرا لبريطانيا في عمان خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي (إن الأخلاق الحميدة والأدب الجم وحسن السلوك، هي مناقب متوارثة لدى أهل عمان بصورة طبيعية وعفوية بدون تكلف، إنها تتمثل في البشاشة التلقائية والوقار والأدب الذي يبدو حتى عند الأطفال والصبيان وهم يجلسون في حضرة والدهم فـي البيت، كما يبدو على سلوكهم في كرم الضيافة وإكرام الزائر…) . ويقول الرحالة بكنجهام الذي زار عمان في أوائل القرن التاسع عشر (قوم يدخلون على النفس الشعور بالثقة، ويوحون إليك بروح الصداقة والاحترام). من كتاب سيل من شعاب العشق للكاتب مكي الحاج عربي. ومما يروى عن سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي يقول: (كنت في اجتماع لافتتاح مسجد لجماعة عمانية في الجزيرة الخضراء وحضر في ذلك الوقت نائب الرئيس التنزاني السابق الدكتور/ عمر على جمعة وألقى خطابا على الجمهور وكان فيما قاله في هذا الخطاب: ليس بيننا وبين هؤلاء القوم .. أية مشكلة كانوا حكامنا في وقت من الأوقات حكموا بلادنا ولو شاءوا لحولونا جميعا إلى مذهبهم، ولكن لم يقف تسامحهم عند هذا الحد بل إنهم يتركوننا وحرياتنا في اختيار المذهب الذين نختاره، بل كانوا بجانب ذلك – أيضا – يبنون المساجد ويسلمونها لنا، هو مثال في التسامح الذي يجب أن يحتذى…). وفي مقال للمفكر الإماراتي الدكتور سعيد حارب نشرته صحيفة العرب القطرية يقول: (الإخوة العمانيون بمختلف مذاهبهم يعيشون حالة من الانسجام والتعاون بعـيدا عـن التعصب المذهبي والصـراع الطائـفي…). وتأكيدا على هذا التسامح وثقافة الوئام التي عاشتها وتعيشها عمان نشر الباحث السعودي منصور النقيدان في جريدة الاتحاد مقالا بعنوان(عمان .. العدل سر الوئام). فيما يقول الأستاذ الدكتور إبراهيم بركات عن عمان بأنها (تلك السلطنة التي تقبع شامخة في أهم مناطق العالم الاستراتيجية، وأشدها غليانا، وأوسعها مطمحا، وأعمقها جذورا، وبحكمة سلطانها الأحكم، تنأى عن إسفاف المسفين، ورذالة السفهاء والطامعين، والخوض في شؤون القاصين والدانين، وعن أن تكون امعة لذوي الأغراض الذاتية، والأيديولوجيات المارقة، دولة قليلة الحجم في سكانها، قوية الاحترام بمبادئها، ضئيلة الكميات في مواردها، كبيرة المردود بعدل حاكمها…). وعن الأمن الذي تشهده عمان والذي بات مضرب المثل لزوار السلطنة والمقيمين فيها يعبر الكاتب عن ذلك في كلمات مختصرة ولكنها معبرة (فعمان بلد تجوب أرجاءه وربوعه، فلا يأخذنك رهب لأمنه وأمانه..)، وعن إسهامات العمانيين التاريخية والحضارية يقول (على مر التاريخ شارك العمانيون في النهضة العلمية العالمية..). والنصوص والشهادات في تسامح العمانيين من الكم بحيث يصعب الوقوف عليها كلهـا وتناولهـا .

Saud2002h@hotmail.com


تاريخ النشر: 30 أبريل,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/190317

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014