الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : مع من يكون الحوار؟!

باختصار : مع من يكون الحوار؟!

زهير ماجد

البابا فرانسيس في مصر وعلى ظهره حمل ثقيل يصعب تبديده وهو الخوف على المسيحيين في مصر وغيرها .. في هذه الحالة لا يملك غير الدعوة إلى الحوار، وفي الأساس أن لا مشكلة بين المسلمين والمسيحيين، ولم يبرز ما يدعو إلى التنابذ بينهما، هنالك إذن وضع معقد للغاية عنوانه الإرهاب، البابا السابق سماه بالإرهاب الإسلامي فسقط قبل أوانه، أما البابا الحالي فرانسيس فلديه فقه الفقراء، وحال رعيته التي ثمة من يرسم الشر لها، وبعد أن كانت أساسية، ها هي تتقلص في فلسطين إلى الحد الأدنى، وفي العراق تصل إلى نقطة الخطر بما يشبه الرحيل الجماعي، وفي غير مكان عربي تسعى للخروج من مساقط رؤوسها، وهي التي كانت عبر التاريخ شقيقة الرحلة الطويلة مع المسلمين.
منذ زمن ما قبل هذا الجحيم العربي الذي يدخل عامه السابع، كانت هنالك حوارات إسلامية مسيحية، قطعت أشواطا في التفاهم على مبادئ، وكان أحد رموزها الراحل اللبناني هاني فحص، يخبرنا عن التفاهم بين الطرفين وفي أساسه أن لا أزمة بينهما، هنالك فسحات من الأمل يجب أن تتكرس في كل فترة بحيث يعاد تلميع العلاقة والتفاهم كي لا يدخل طرف مدمر بينهما.
هذا جرى في لبنان، بل في هذا البلد الصغير، وبين كل العالم العربي المسلم، نجد المسيحيين يحكمون وهم دعاة التعايش مع المسلمين، بل هم من يدعون إلى اللقاء الحواري بكل جمالياته. وأعرف أن في لبنان دعاة حوار، وأنا كنت من الذين تساءلوا كثيرا عن أبعاده وفي الأصل لا خلاف يستدعي الحوار سوى إغناء العلاقة التي هي غنية وروحية متقدمة.
لا شك أن البابا فرانسيس جاء على عجل إلى مصر وفي خلفية زيارته تلك المذابح بحق مسيحيي مصر قبل مدة وجيزة. مخاوفه هي مخاوف المسلمين أيضا، أفكاره لا تختلف عن أفكار المسلمين الداعية إلى الانصهار التام، قلقه يتساوى مع قلق المسلمين أيضا، آماله رآها في كلام ووجوه المسلمين، بأن لا خوف على المسيحيين، فالمسلمون أيضا يتعرضون للقتل والذبح والإرهاب لا يفرق بين مسلم ومسيحي، كل من ليس معه فهو ضده، وهذا المنفلت من كل قيمة إنسانية ودينية وأخلاقية وضميرية واجتماعية لا يملك أصلا معنى الحوار، بل ما تعنيه تلك الكلمة السحرية من أمل مقيم في النفس التواقة إليها. هو إذن لا يعترف بأي آخر، الفتوى الوحيدة التي يحملها في صدره وعقله قتل الآخر ومسح وجوده من على خريطة الحياة، سواء كان مسلما أو مسيحيا، فهو بالتالي يسعى إلى صناعة مجتمع جديد أصله الكراهية وبثها كعلم قائم بديل عن كل شأن إنساني متعارف عليه.
كل من قابله البابا فرانسيس في مصر وجد في وجهه وفي قلبه وعقله ما جاء من أجله، ولهذا فإن المطلوب هو الصمود المسيحي والمسلم أمام غيمة سوداء عابرة سوف تعبر ولن يكون لها مكان، بل المطلوب مزيد من الانصهار بين طرفي المجتمع الذي يشكلون فيه طرفا واحدا مقابل شذاذ الآفاق .. إن جو الإرهاب الذي يفرضه هؤلاء لن يستمر، فالعالم العربي يقاتلهم اليوم وهم في مراحلهم شبه النهائية، وغدا يأفل تاريخهم الجهنمي وإن كنا لن نشهد نهايات لأفكارهم التي بثوها داخل مجتمعاتنا. ليست هي المرة الأولى التي تتعرض فيه المنطقة إلى هذا الوبال، بل جميعهم مروا عليها وبقيت على صمودها وواقعها الطيب.

إلى الأعلى