الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أساطير السياسة الإسرائيلية وإسكات التاريخ العربي الفلسطيني

أساطير السياسة الإسرائيلية وإسكات التاريخ العربي الفلسطيني

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. تعرض الكثير من الكتاب والدارسين المتعرضين بالنقد والبحث والتمحيص لهذه المرحلة من التاريخ الحضاري القديم على أرض الطهر والرسالات فلسطين إلى الاغتيال والاضطهاد، وخصوصا أولئك الذين تمكنوا من فهم أبعاد تلك الحقائق المزورة والتي طالما أخفتها كتب التاريخ اليهودية والغربية الصهيونية،”
ـــــــــــــ
كثيرة هي المحاولات الصهيونية لتزيف التاريخ وطمس الحقائق على ارض الطهر والرسالات فلسطين، وعلى رأس تلك الحقائق التاريخية المراد تزييفها وتحريف معالمها، تأتي قضية الأرض والوطن، أي فلسطين ارض فلسطينية عربية خالصة أم هي ارض يهودية الأصل، وبالطبع فإن ذلك لن يكون من السهل التعرف عليه في ظل هذا الكم الهائل من الدراسات والأبحاث الغربية واليهودية التوراتية المتفردة بكتابة وصياغة التاريخ الفلسطيني ككل، والتاريخ الفلسطيني القديم على وجه الخصوص، وذلك في ظل الندرة المعرفية العربية عن التاريخ العربي على الأرض الفلسطينية وخصوص القديم منه، وهو ما تعتمد عليه الدراسات المعاصرة في إثبات ملكية الأرض وأصولها التاريخية، وذلك بهدف تثبيت حق اليهود التاريخي على هذه الأرض الفلسطينية العربية المسلمة، وتضييع القضايا العربية ما بين صراع التاريخ والايديولوجيا والسياسة.
لذا فقد خرجت العديد من الدراسات الغربية واليهودية المعاصرة، والتي تشير إلى مناصرة تلك الفكرة القائلة بأن لليهود حق الأرض والمنشأ والوطن التاريخي على هذه الأرض العربية الغالية، وأنهم هم أصحابها الأصليون والتاريخيون، وبناء على تلك التواريخ المزورة والحقائق المشوهة والوقائع المحرفة تم إسكات التاريخ العربي الفلسطيني على هذه الأرض الغالية على كل إنسان مسلم وعربي، حيث تمت عملية كتابة التاريخ القديم لفلسطين منذ البداية (على أيدي الغربيين في أحضان التوراة، فهي التي شكلت المرجعية التي تكاد تكون وحيدة لهذه العملية بحيث أسدل ستار كثيف على ماضي فلسطين القديمة فلا يرى إلا من خلال ما تقصه عنه الحكايات التوراتية، وبهذا المعنى فإن تاريخ فلسطين القديم ليس إلا تاريخ اليهود فيها، أما ما يخرج عن الإطار اليهودي فليس له إلا وظيفة واحدة هي أن يكون ملحقاً بهذا الإطار أو حاشية ثانوية للمتن الأصلي، دون أن يمتلك الحيثية التي تؤهله للتعامل معه مستقلاً بنفسه، متخلصاً من صفتي الإلحاق والتبعية، وهذه الحالة هي التي ينطبق عليها وصف الأستاذ وليد الخالدي بأنها “اعتقال التاريخ الفلسطيني بالعهد القديم (التوراة) أو هي في الحقيقة “إسكات التاريخ الفلسطيني” وفق تعبير كيث وايتلام ).
وقد كانت مشكلة النقاشات الدائمة، وخصوصا التاريخي منها، حول هذه القـضية ـ أي قضية الأرض وأصولها التاريخية ـ وبالتالي جل القضايا السياسية المعاصرة والتي يعتمد عليها للتوصل إلى الحسم في الكثير من الخلافات التاريخية والسياسية بين العرب واليهود من جهة، والفلسطينيين والصهاينة من جهة أخرى تنبع من اختلاق إسرائيل القديمة على أنها الأساس الحضاري والإنساني والتاريخي لهذه الأرض العربية، وذلك بناء على تلك الدراسات التاريخية المتوفرة، والتي كان أغلبها بأقلام يهودية وغربية خالصة، والتي أثبتت بناء على تلك الدراسات المحرفة، أن هذه الأرض التي يعيش عليها الفلسطينيون اليوم هي ارض يهودية خالصة، وانه لا حق للفلسطينيين في الادعاء بحق التجذر التاريخي والحضاري على هذه الأرض وهذا الوطن العربي، وان فلسطين مجرد تابع حضاري وجغرافي لما يطلقون عليه بإسرائيل القديمة في التاريخ.
وقد تعرض الكثير من الكتاب والدارسين المتعرضين بالنقد والبحث والتمحيص لهذه المرحلة من التاريخ الحضاري القديم على ارض الطهر والرسالات فلسطين إلى الاغتيال والاضطهاد، وخصوصا أولئك الذين تمكنوا من فهم أبعاد تلك الحقائق المزورة والتي طالما أخفتها كتب التاريخ اليهودية والغربية الصهيونية، (ومن أشهر أعلام هذا التيار المتحرر توماس طومسون الذي فقد وظيفته كأستاذ جامعي عام 1993 في إحدى الجامعات الأميركية بسبب آرائه الثورية تلك، وهو صاحب كتاب التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي، وكيث وايتلام صاحب كتاب اختلاق إسرائيل القديمة .. إسكات التاريخ الفلسطيني، والكتابان مترجمان للعربية وغيرهم كثيرون ولتصبح بعد ذلك أسفار التوراة التاريخية على محك علم الآثار أسفارا لا تاريخية ألفت في أواخر العصر الفارسي / أوائل العصر الهلينستي كأخيولة أدبية استعانت بتأميم بعض من الأساطير والملاحم البطولية والأحداث السياسية بالمنطقة وقامت بتوليفها في شكل خاص لتعكس المزاج النفسي والاجتماعي لمؤلفيها لتبرير الشرعية السياسية لكيانهم بفلسطين (مقاطعة يهودية) في مرحلة ما بعد السبي تحت الحكم الفارسي بحيث توحي بوجود كيان متماسك موهوم لهذه الجماعة المسماة ببني إسرائيل منذ فجر التاريخ).
لذا فإننا ومن خلال هذا الطرح، سنحاول اختصار نقاط التزوير التاريخي والتي اعتبرها اليهود والغربيون الصهاينة، المرجعية التاريخية والسياسية لهم، للتعريف بملكية الأرض والوطن العربي الفلسطيني، ومنها اعتبار جل المطالبات العربية لملكية هذه الأرض باطلة، وقد وجدنا ضرورة أن يكون لكل أصحاب الأقلام العربية المعاصرة كلمة ما في هذا الشأن، ودور في إثبات الهوية العربية على هذه الأرض التاريخية العربية ولو باختصار، وكتابة التاريخ الحاضر الغائب على تلك الأرض العربية الغالية، وان كان بمجرد إعادة صياغة للتاريخ والأفكار، وخصوصا ما كان غائبا أو مغيبا منها عن أبناء هذا الجيل، وعلى وجه الخصوص تاريخ فلسطين العربية القديم، والوقوف في وجه التحريف والتزييف الصهيوني للتاريخ العربي ككل، والفلسطيني بوجه خاص.
كون هذه الأرض العربية الفلسطينية هي لب الصراع العربي مع إسرائيل، وهي الحاضر التاريخي والماضي الحضاري لكل المسلمين والعرب في هذا العالم، ومن دون التمسك بهذه الأرض كأرض عربية تاريخية وجغرافية خالصة لن يكون للمسلمين والعرب أي قضية أخرى تستحق الوقوف عليها أو مناقشتها بشكل مطلق، كما أننا ومن دون إعادة الاعتبار للتاريخ الفلسطيني وللوجود العربي على هذه الأرض، لن نتمكن من فهم بعض الأبعاد المغيبة عن هذه القضية، وخصوصا البعد المكاني والزماني اللذان كان دائما لب المشكلة واصل المعضلة التاريخية مع اليهود، ومنها انطلقت جل خلافاتنا وصراعاتنا السياسية والاقتصادية والحضارية المعاصرة مع المستعمرة الإسرائيلية وقادتها السياسيين في الوقت الراهن.
فبداية ينكر كتاب التاريخ اليهود المكان على التاريخ الفلسطيني، (فرغم إجماعها على تسمية هذا المكان باسم فلسطين إلى جانب العديد من الأسماء التوراتية نجد أنها لا تعترف بأن شعباً يسمى الفلسطينيين كان يسكن هذه الأرض، حيث ترى هذه الدراسات أن هذه الأرض (فلسطين) كانت ضيقة وفقيرة وقاحلة وعند قدوم الإسرائيليين إليها اتسعت وأصبحت غنية مخضرة)، أي أن هذه الأرض كانت ارضا معدمة ومهملة وبلا شعب، فلما جاؤوا إليها أحيوها وطوروها وأصبحوا شعبها، ويؤكدون أن هذه الأرض لا يصلح لها إلا الإسرائيليون، وبالتالي فإن أحقيتهم لهذه الأرض نابعة من وجودهم الأصلي على ارض معدمة لا وجود للحياة فيها من جهة، وكونهم كانوا الجنس الذي أصلحها وأعاد إليها الحياة، وبالتالي فإن أي جنس آخر قد يأتي بعد ذلك إلى هذه الأرض، لن يتعدى كونه لاجئا تاريخيا عليها، وهو ما أشارت إليه جولدا مائير في تصريح لها لصحيفة صنداي تايمز بتاريخ 15/ يونيو / 1969 بقولها: ليس هناك شعب فلسطيني … ولم يكن الأمر أننا جئنا وأخرجناهم من الديار واغتصبنا أرضهم، فلا وجود لهم أصلا.
كما تنكر تلك الدراسات كذلك البعد الزمني للوجود العربي الفلسطيني وذلك من خلال إنكارهم للوجود التاريخي لهذا الشعب بشكل مطلق كما سبق واشرنا، على اعتبار التاريخ الكائن قبل وجود الشعب اليهودي هو حقبة مغيبة من التاريخ، ولا يمكن اعتبارها جزءا منه، بل هي فترة “ما قبل التاريخ” رغم أن تاريخ إسرائيل لا يمثل إلا شريحة بسيطة في نسيج التاريخ الفلسطيني الواسع (إلا أن الدراسات التوراتية تجاهلت التاريخ الفلسطيني كاملاً، واعتبرت أن تاريخ فلسطين مرتبط ارتباطاً كاملاً بوجود إسرائيل، وبدلاً من تقسيم التاريخ إلى الحقب المتعارف عليها كالعصر البرونزي، والعصر الحديدي، نجد أن هؤلاء الدارسين يقسمون التاريخ الخاص بفلسطين إلى فترات مأخوذة عن التوراة العبرية، فهم يعتبرون الفترة التي سبقت وجود إسرائيل فترة “ما قبل التاريخ” وبذلك فهم يتجاهلون الكنعانيين رغم أنهم يسبقون الوجود الإسرائيلي بأكثر من ألف سنة، أما فترة وجود الإسرائيليين الأولى فيسمونها “فترة تاريخ إسرائيل الأول” وهذه المرحلة تشمل عصر الآباء وعصر الخروج والغزو والاستيطان، ثم تأتي مرحلة مملكتي داود وسليمان الموحدتين، وممالك إسرائيل ويهودا المقسمة ثم المنفى ثم الإصلاح ومن خلال ذلك فالدارسون التوراتيون لا يعترفون أن تاريخاً صنع على هذه الأرض قبل وصول الإسرائيليين، فالتاريخ مرتبط بهم، والحضارة أيضا نتاج وجودهم).
ولو قبلنا نحن كعرب تلك الادعاءات المبنية على امتلاك الأرض لليهود منذ قرون ـ ببعديها المكاني والزماني للتاريخ العربي في فلسطين ـ لكان كذلك للمكسيك حق من ذلك المنطلق في أجزاء من الولايات المتحدة الاميركية، وللأسبان حق في المكسيك، وللعرب حق في اسبانيا، لذا فإننا مطالبون كعرب بإعادة الاعتبار لتلك الحقبة الزمنية من التاريخ الفلسطيني القديم، وإعادتها إلى أصلها التاريخي والجغرافي، وإعادة كتابتها من جديد بكل إتقان ومهنية تاريخية، وذلك حتى تتبين الحقائق المشوهة، ويتمكن الجيل العربي القادم من معرفة حقيقته التاريخية على هذه الأرض وانتمائه العربي والتاريخي والحضاري إليها، مع التركيز على مرحلتين حاسمتين وهما مرحلة نشوء الحضارة، (ومرحلة بدء التدوين التاريخي، وذلك يقتضي أيضاً بمواصلة الدراسة التاريخية للفترة الفارسية والهلنستية لأنه حتى في هذه المراحل يوجد إنكار للتاريخ الفلسطيني، وذلك عن طريق التحرر من سيطرة الدراسات التوراتية والتوراة العبرية المتخصصة في هذا الشأن، والبدء في البحث والتقصي في الجامعات العربية والأكاديمية حول هذه الحقبة الزمنية من التاريخ الفلسطيني من الناحيتين المكانية والزمانية، وغيرها من الوسائل الحديثة كالتنقيب والكشف عن الآثار، وذلك بهدف استخلاص تلك الحقائق المغيبة للأصول الفلسطينية العربية في هذه الفترة من التاريخ، وبذلك فقط سنتمكن نحن العرب والمسلمين من فهم أبعاد أهم قضايانا المصيرية العربية والإسلامية الراهنة، وهي القضية الفلسطينية العربية، وتاريخها القديم والمتجذر في أصله وعروبته.

إلى الأعلى