الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / استصغار الذنوب (2)

استصغار الذنوب (2)

خطر الذنوب على الفرد والمجتمع يكمن في كونها مبعدة عن الله وعن رحمته من الأساليب المهمة للتخلص من المعاصي التفكير بمخاطر وعواقب المعصية

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
استكمالاً لهذا الموضوع عن (استصغار الذنوب) الذي تم نشر الحلقة الأولى منه قبل اسبوعين .. نواصل معك عزيزي القارئ الحلقة الثانية منه، حيث إن خطر الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع يكمن في كونها مبعدة عن الله تبارك وتعالى، وعن رحمته، ومقربة إلى سخطه والنار عياذاً بالله، وأي فلاح يرجوه العبد بعد أن سخط عليه ربه تبارك وتعالى وكلما استمر العبد في فعل المعاصي والذنوب ابتعد عن ربه أكثر، ولذلك جاءت النصوص الكثيرة تحذر من الذنوب، وتبين عقوباتها وإن الذنوب والمعاصي تضر وضررها في القلوب ضرر السموم في الأبدان، وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟.
مضرة بالقلب والبدن
وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة مما لا يعلمه إلا الله، فمنها: حرمان العلم لأن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور، ولما جلس الشافعي بين يدي مالك ـ رحمهما الله ـ وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته وتوقد ذكائه وكمال فهمه فقال:(بلى، قلت: كيف يصنع بأولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان) وعن عبدالله بن عمر:(كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله فأقبل علينا رسول الله بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى أعلنوها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة ، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم) ـ ابن ماجه، وعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال:(إنكم تعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، وإن كنا لنعدها على زمن رسول الله للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه وظلمة في القبر، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخل.
حرمان الطاعة
إن المعاصي توهن القلب والبدن لأن الفاجر وإن كان قوي البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة، فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم العامرة بالإيمان والتقوى، ومنها حرمان الطاعة، فالذنب يصد عن طاعة تكون بركة، فتنقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة، كل واحدة منها خير من الدنيا وما عليها، كما إن الذنوب والمعاصي تضر في الحال والمآل، وأن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان، وإن الله قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بظلمة المعصية، ومنها حرمان الرزق كما أن تقوى الله مجلبة للرزق، فترك التقوى مجلبة للفقر، ومنها وحشة يجدها العاصي بينه وبين الله لا يقارنها لذة أصلاً، ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة.
وشكا رجل إلى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه فقال له: إذا كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس. ومنها الوحشة التي تحصل بين العاصي وبين الناس، خصوصاً أهل الخير منهم، حتى تقع الوحشة بين أهله وولده وبينه، وبين نفسه. ومن آثار الذنوب تعسير الأمور فلا يتجه العاصي لأمر إلا ويجده مغلقاً دونه أو متعسراً عليه بخلاف من اتقى الله، فإن الله يجعل له من أمره يسراً، ومنها ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل وقال سليمان التميمي: إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته، ومن خان الله في السر هتك الله ستره في العلانية.
التفكير بعواقب المعصية
ومن الأساليب المهمة للتخلص من المعاصي التفكير بمخاطر وعواقب المعصية، فلماذا لا تضع مخططاً تحسب فيه العواقب الوخيمة للمعاصي والتفكير بالنتائج السلبية للعمل السيء حتى تتمكن من ترك هذا العمل، يقول تعالى:(وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النمل ـ 90)، كذلك ينبغي أن نفكر بالنتائج الإيجابية لترك المعصية، وتأملوا معي هذه الآيات الرائعة التي تلخص لنا سر التخلص من المعاصي والسيئات والوسائل التي تدخلنا الجنة، عسى أن نكون منهم:(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ، وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد20 ـ 24)، ويجب ألا ننسى أهمية الدعاء فإن الدعاء هو العبادة، وهو الطريق السهل لحل المشاكل أن تدعو الله وأنتَ موقن بالإجابة، يقول تعالى:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة: 186].ومن الأدعية المهمة التي دعا بها أنبياء الله تعالى، دعاء سيدنا يونس: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء ـ 87)، فإذا أردت أن يخلصك الله من المشاكل والهموم والمعاصي فعليك بهذا الدعاء وغيره من أدعية القرآن والسنة، مع اليقين بأن الله سيحل مشاكلك ويبدلك خيراً منها بل ويبدل سيئاتك بحسنات، يقول تعالى:(إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان ـ 70)، اللهم اجعلنا من الذين تبدل سيئاتهم حسنات، إنك على كل شيء قدير.فاتق الله عبد الله، وتب إليه توبة نصوحاً بإتْبَاعِ كل الذنوب بالاستغفار فقد أخرج الإمام مسلم من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة)، وخذ بأسباب المغفرة إذ ليس هناك أجل، ولا أحسن من الاعتراف بالذنب والندم عليه والاستغفار فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:قال الله:(يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيك بقرابها مغفرة)، فالتوبة التوبة قبل فوات الأوان، قبل أن لا ينفع الندم .. وفقنا الله تعالى لطاعته، والإقلاع عن الذنوب والمعاصي، ورزقنا توبة نصوحاً تكفر بها أعمالنا السيئة بمنِّه وكرمه.

إلى الأعلى