السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: في الـدعـاء وشـروطه وآدابه (156)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: في الـدعـاء وشـروطه وآدابه (156)

الإنـسان أخـو الإنـسان أيّاً كانت الصلة بـينهـما، أما الإنسان مـع الله فـمـملـوك مـع مـالك مـطـلـق
اسـتجابة الله لـك تعـني أن يـحـقـق لـك هـدفـك، ولـيس مـن لـوازم ذلك أن يحـقـق الله لـك حـرفـية ما طـلـبت

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالمين والصـلاة والسـلام عـلى سـيـد الـمـرسـلـين، وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـديث عـن الـدعـاء، تصـور: ولله الـمـثـل الأعـلى: أن رجـلاً قـد أسـاء إلى مـسـؤول ذي شـأن كـبيـر، وجـاء في الـوقـت ذاته يـسأله قـضاء بـعـض حـوائجـه دون أن يـبـدأ فـيعـتـذر عـن إسـاءته وسـوء تـصرفه، فـلا السـائل يـعـد منـطـقـيا في سـؤاله، ولا الـمـسؤول يـتـوقـع مـنه أن يـستجـيب لـطـلـبه، والإنـسان أخـو الإنـسان أيا كانت الصلة بـينهـما، أما الإنسان مـع الله فـمـملـوك مـع مـالك مـطـلـق، ومخـلـوق مـع خـالـق قـادر عـالم حـكـيـم، وعــبـد ذلـيـل مـع مـعـبـوده الـواحـد الأحــد الـمـعـبـود بالحـق.
فـكـيف يـقـبـل دعـاؤه مـع الـواقـع والـمـنـطـق أن يـدخـل العـبـد رحـاب الله عـز وجـل، وهـو مـثـقـل بالأوزار التي ارتكـبها في حـقـه خـالـقه ورازقـه عـز وجـل، دون أن يـبـدأ فـيلـقـي تـلك الأوزار والـمـعـاصي والآثـام عـن كاهـله، بــتـوبة صـادقة نـصـوح، ثـم يـطـلـب مـنه تحـقـيـق قـائـمة طـلـباته؟.
الــتـورط في العـصيان
فالله طـلب مـنا ألا نعـصيه فـعـصـيناه، ثـم يطـلـب الله مـنا بـعـد الــتـورط في العـصيان أن نتـوب إلـيه فـنـأبى، ومـن خـلال عـصـيانـنا وإصـرارنـا عـلى العـصـيان، وعـزمـنا عـلى الاسـتمـرار، تسـول لـنـا نـفـوسـنا الأمـارة بالـسـوء أن نـتـقـدم إلى الله بـقـائـمة طـلباتـنـا ، ثـم نـأخـذ ونـلحـف في الطـلـب ، ثـم نـتـمـادى ونأخـذ بـلا شـعـور تعـقـلي أو منـطـقي فـنـعـتـب عـلى الله أنـنـا دعــونـاه فـلـم يـستجـب دعـاءنـا خـلافـا لـما قـد وعـد الله به مـن إجـابة الـدعـاء، حـيث قال:(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غـافـر ـ 60).
أيـعـقـل أن يـقـدم عـلى هـذا إنـسان ذي إنسانية مسـتيقـظـة تـعـقـلـية، إن هـذا العـمـل يسمى طـلـباً، ولا يـرقى لأن يسمى دعـاء، كـما قـد أوضـحـت ولكي يتحـول الطـلب إلى دعـاء، لابـد مـن تـوافـر شـرطين: أولهـما يـقـظة الـقـلب والـمشاعـر إلى مـناجـاة الله تعالى في تـذلل وخـضـور وانـكسار حقـيـقـية، وثانـيهـا الـتـوبة الصادقة الـنصـوح إلى الله تعالى مـن سـائـر الـذنــوب والآثـام، والله عـز وجـل إنما وعــد باسـتجـابة الـدعـاء لـمـن دعـاه مـؤمـنـاً حـقـاً مـوقـنـاً صـادقـاً، ولـم يـعـد باسـتجـابة ما يسمى طـلـباً فـقال:(ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ).
تـوبة صـادقة
وهــذا هـو السبب في أن الإنسان كـثـيراً ما يـدعـو الله لـنفـسه فـيسـتجـاب له، ويـدعـو لـعـامة الـناس فـلا يـستجـاب له، إذ أن مـن الـيسير عـنـدما يـدعـو أحـدنا لـنـفـسه أن يـقـدم بـين يـدي دعـوته تـوبة صـادقة نـصـوحـاً لله عـزوجـل مـن جـمـيع سـيئاته وآثامه وأوزاره، ولـكـن لـيـس مـن الـيسير أن يتـحـقـق هــذا الشـرط عـنـدما يـدعـو أحـدنا للـمـجـتـمـع بأسـره، إذ الـمجـتـمـع مـليء بالتائـهـين والعاصـين والـمستكـبـرين والـمسـتهـترين ، ودعـاؤنا لهـم جـميـعـا تبـقـى اسـتـجـابته سـبـحانه مـعـلـقة عـلى شـرط الـتـوبة، عـلى أن يـمـثـل في تـوبة الـداعي وتـوبة مـن نـدعـو لـهـم، ولـكـن أنى لـنـا بـتـوبة الكـثـرة مـن هـؤلاء الـتائهـين والعـاصين؟.
وإذا دعـوت الله عـز وجـل أن يــدفـع الـشـدة عـن الـمجـتـمـع الـذي أنا فـيه، وأن يمـدنا بمـزيـد مـن العـطـاء والـرخـاء، ولـكـن قـبـل كـل شـيء عـلينا أن نـذكــر الأمـة التي تـدعـو لها أن يــتـوب أفـرادها وفـئـاتها عـن الـمعاصي والـظـلـم، وأن يتحـقـقـوا بالشـروط التي لا بـد مـنها لاسـتجابة الـدعـاء، فـإن هـم أقـلـعـوا عـن الـمعـاصي التي ارتـكـبـوها وتحـقـقـوا بالشـروط، فهـنا وجـب عـلـينـا الـقـيام بالــدعـاء إلى الله لهـم لـيـستجـيب دعـاءنـا، فإن أعـجـزنـا هـذا الأمـر فـنـدعـو الله لأنفـسـنا بـعـد التـقـييـد بالشـروط ، يـستـجـب الله لـنـا.
يحـقـق الـمـطـلـوب
فإذا تحـقـقـت الشـروط والأحـكام والآداب الـمـطـلـوبة كلها، فـإن الله سيـسـتجيب الـدعـاء بـلا شـك، ويحـقـق الـمـطـلـوب، ولـكـن إيـاك أن تـتصـور بأن الاسـتجـابة تعـني أن يــحـقـق الله لـك حـرفـيا ما طـلـبته مـنه، بـل اعـلـم الاســتجابة التي وعـد الله بهـا عـباده أعـم وأوسـع مـن ذلك، وقـد تـكـون الاجـابة عـدم الإجـابة، لأن الله أعـلـم بما صـلح العـبـد في دنـياه وأخـراه، خـيرة الـمـولى لـعـبــده خـير مـن خـير العـبـد لـنفـسـه، لـعـلـمه وحـكـمته بما يـصلح العـبـد.
إن اسـتجابة الله لـك تعـني أن يـحـقـق لـك هـدفـك، ولـيس مـن لـوازم ذلك أن يحـقـق الله لـك حـرفـية ما قـد طـلـبت، لـظـنـك أنه السـبيـل الـذي يـوصلك إلى هـدفـك، وقــد وقـع لي عـنـد ما تصـورت وطـلـبـت مـن الله تعالى شـيئا بمـواصـفات معـينة، ظـنا مـني أنها هـي الضمانة للـهـدف أو الخـير الـذي ابـتـغـيه، ولـكـن الله الـذي يـعـلم غـيب السـمـاوات والأرض، ويعـلـم ما قـد تأتي به الـتـقـلبات والأحـداث ، فـهـو يـعـلـم أن هــذا الـشيء الـذي طـلبـته وتعـلـقـت به لـظـني أنه يتضـمـن الخـير الـذي ابتغـيه، وهـو عـنـد الله العـالـم بـكل شيء، لا ينـطـوي في الـواقـع عـلى هــذا الخـير، بـل ربـما كان سـببا لـنـقـيضه، فـيصرف الله عـني حــرفـية ما طـلـبت، لـطـفـاً مـنه ورحـمة بي ويـحـقـق لي الهــدف الـبعـيـد الـذي ابتـغـيه بـوسـيلة أخـرى لـم تـكـن تخـطـر مـني عـلى بال، وهـذا هـو مـعـنى قـول الله عـز وجـل:(.. وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البـقـرة ـ 216).
الالحاح في الدعاء
وكـم في حـياة كـل مـنا نـماذج تجـسـد هـذه الحـقـيقـة التي أقـولها، كـم مـن إنسان تعـلـق قـلـبه بمهـنة مـن الـمهـن أو بـوظـيفة مـن الـوظـائـف يخـيـل إلـيه أنها تحـقـق له أهــدافه وأحـلامه، وبات يـدعـو الله ويـلحـف في الـدعـاء أن تـتـحـقـق له تلك الـوظيفة، وانتـظـر ثـم انتـظـر ولـكـن دون أن تـتحـقــق له تـلك الـوظـيفة أو ذلك الشيء حتى خـيـل إلـيه أن الله لـن يسـتجـيب دعـاءه مهـما ألـح في الطـلـب، وما هـي إلا أيام حـتى هـيأ لـه أسـبابا أخــرى أوصـلـته إلى بـغـيته مـا لـم يـكـن يحـتسب، وتأمـل في الأسـباب التي اخـتارها الله تعالى لـه، وإذا هـي خـير لـه مـن الـوظـيفة التي كان قـد تعـلـق بها، بأضعـاف مـضاعـفة، فـاخـذ يحمد الله أن صرفه عـما كان متعـلـقاً به، وأكـرمه الله بما لم يـكـن يخـطـر مـنه عـلى بال .. وأني لأذكــر ولا أنسى أنني في كـثـير مـن الأيام الخـوالي مـن عـمـري تعـلـقـت بـرغـائب خـيـّل إلي أن ســعـادتي مـتـوقـفة عـليها، واخـذت أدعـوا الله وأسـأله لـيـل نهار وألـح في الـدعـاء أن يـحـقـقـها لي، ولـكـنها لـم تـتـحـقــق، وقـبـل أن ينال الشيـطان مني فـرصة إسـاءة الظـن بالله تعالى، عـوضـني الله عـن تـلك الـرغـائب بما هـو خـير منها.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى