الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فضائل شعبان

فضائل شعبان

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: الليل والنهار يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود، سبحان من يقلب الأزمان والدهور، وجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً .
لله في أيام دهره نفحات، والبصير العاقل من يعرض نفسه لنفحات الله ورحماته، فكلنا محاويج لرحمة الرحمن الرحيم وكرم الودود الكريم، روي الطبراني عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ، يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ).
منح وعطايا
من رحمة الله بهذه الأمة أن جعل فيها منح وعطايا يتجدد بها الإيمان في القلوب، ونحن في شهر كريم يسبق شهر رمضان وهو شهر شعبان، وبالنظر إلي السيرة نسأل سؤالاً: ما هو سر اهتمام النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذا الشهر، وما هذه اليقظة التي يتابع بها حركة الزمن والشهور والأيام، فالناس غارقون في هموم الحياة وربما لا يدري أحدهم أين هو الآن وأي شهر هو فيه: أهو في ربيع أم رجب أم شوال أم المحرم سطوة هموم المعاش قد تصيب الإنسان بغيبوبة ويفاجأ أن الزمن قد مر كسرعة البرق فإذا هو يستقبل رمضان، ولكن العابد اليقظ والمحب المشتاق ما هكذا يتعامل مع ربه، وهذا هو النبي (صلى الله عليه وسلم) يعلم أمته أن تراقب الزمن وتراقب وقتها وحالها مع الله، تقول عائشةُ ـ رضي الله عنها:(مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ فِى شَعْبَانَ) ـ متفق عليه .
أحوالنا هي أعمالنا
ما هو سبب صيامه في شعبان؟ إنه شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله فينظر الله فيها وتأتي الفيصلة بالأحوال حسب أعمال العباد، فأحوالنا هي أعمالنا، ومن سنن الله في خلقه أنه لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم، فمن أراد صلاح أحواله فليبدأ بصلاح أعماله، روى النسائي عن أسامة ـ رضي الله عنه ـ قال:(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْراً مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عملي وَأَنَا صَائِمٌ).
أي أعمالنا سترفع إلى الله؟ وهل ما مضى في عامنا نحب أن نلقي الله به؟ إن أحسنا فالله يحب المحسنين، وإن أسأنا فالله يحب التوابين، والخوف كله من الغفلة ألا يحسن الإنسان عملا يبيض وجهه أمام ربه، وألا يتوب من ذنوبه الماضية ليمحو الله بحسنة جديدة ذنوبا قديمة .
والأعمال لا يقيمها إلا الله، فلا تحقرن من المعروف شيئاً فلا ندري أي أعمالنا مقبول عند الله، روي مسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت:(جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: إن الله عز وجل قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار).
عائشة ـ رضي الله عنها ـ ما أعجبها في المرأة ثيابها البراقة ولا ذهبها وحليتها وإنما أعجبها مشهد الرحمة التي أودعها الله في قلوب الأمهات، وحينما يقال: إن الله أرحم بعبده من الأم بولدها فتذكر مشاهد الرحمة التي أودعها الله في قلب كل أم والله حتي في قلوب الدواب العجماء وبعض العقارب تضع صغارها بعد الولادة علي ظهرها فيأكلون من جسدها حتي تموت الأم ليحيا أولادها، كل هذه الرحمة حولنا هي فيض قطرة من بحر رحمة، جزء واحد من مائة جزء، فكيف تكون رحمة الله التي يرحم بها عباده يوم القيامة، اللهم يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ارحمنا رحمة من عندك تغنينا بها عن رحمة من سواك، ولا تكلنا إلي أنفسنا ولا إلي أحد من خلقك طرفة عين، فإنك إن تكلنا إلى أنفسنا تكلنا إلي ضعف وعورة وظلم وخطيئة، إنا لا نثق إلا في رحمتك.
كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يقلب بصره في السماء وفي صدره رغبة لا يبديها تأدباً مع الله، فلا يريد ان يقترح على ربه شيئاً إلا أن يُوحى إليه فيه شيء، فقد كان يرغب في تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام أول بيت وضع للناس، فعلم الله رغبة نبيه (صلى الله عليه وسلم) وحقق له مراده وجاء تحويل القبلة في شهر شعبان ونزل قول الله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره).
موسم للمغفرة
خص الله شهر شعبان بليلة طيبة مباركة هي ليلة النصف منه وجعلها أيضاً موسما للمغفرة والعفو والرحمة، كم ربنا يحب العفو والمغفرة؟ لا تكاد تخلو أزمان العام من أوقات للمغفرة، ولماذا نذهب بعيدا: أليس في كل ليلة ينادي ربنا: هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من كذا هل من كذا حتي يطلع الفجر، هذه أوقات التجلي فأين المسلم وقتها؟ أهو مستيقظ يصف قدميه بين يدي ربه يذرف دموعه يقول: يارب، أم هو غافل يغط في نوم عميق؟! هذه هي غنيمتنا من الدنيا، وإذا كان الناس يفرحون بمال أو أرباح أو جائزة فهذه والله هي الكنوز الباقية التي ينبغي أن تفرح بها القلوب وتسعد بها النفوس (قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا هو خير مما يجمعون).
روى ابن حبان والطبراني عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(يَطَّلِعُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ).
المستثني من المغفرة أصحاب القلوب القاسية التي اسودت بالبغضاء والأحقاد والضغينة، فلا تراه يسامح أحدا ولا يعفو عن زلة أحد بل دائم الغضب ينتصر لنفسه، ووالله الحياة من أولها إلي آخرها تمضي كالبرق الخاطف ولا تساوي غضبة ولا همّاً ولا حزناً، ألسنا تاركوها وراحلون؟ فعلام الخصام علي متاع قليل زائل لن يدوم في يد أحد لأنه ملك لله الواحد الأحد؟.
من أراد أن يعفو الله عنه فليعف عن الناس، ومن أراد أن يغفر الله له فليغفر للناس زلاتهم، ومن منا لا ذنب له؟ ومن منا لا خطيئة له؟ (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) .
الشحناء سرطان وداء عضال ما دخل قلبا إلا أفسده، ولا تمكن من نفس إلا أظلمت، وهو الداعية إلي قطيعة الأهل وهجر الأقارب والجيران والأرحام، وهو مانع من المغفرة عند عرض الأعمال على الله، روى مسلم عن النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِى كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً إِلاَّ امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا – أيْ أَخِّرُوا – هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا).

* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر

إلى الأعلى