الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الأساليب اللغوية والبلاغية ودلالاتها التربوية والإيمانية في آية سورة الإسراء (2 ـ 3)

الأساليب اللغوية والبلاغية ودلالاتها التربوية والإيمانية في آية سورة الإسراء (2 ـ 3)

القرآن أمرنا أن نحدد أعمالنا بدءاً وختاماً وأن نجعل المسجدين نصبَ أعيننا ونحرص عليهما خص الله نبيه محمد بأمور لم يُدخِل أحداً معه فيها، وهو بيان لرفعة ومكانة الرسول من أنبياء الله ورسله

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
.. وقوله:(من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) فيها تحديد المرحلة، وأنها بدأت من مكان طاهر إلى مكان طاهر، وأنها ربطت بين أكبر المساجد في الأرض، وأن المسجد الأقصى من ممتلكات ومآثر المسلمين، وليس لغيرهم فيه شيء، كما المسجد الحرام تماما بتمام، فهو إعلان تام من رب العالمين بوراثة المسجدين: الحرام والأقصى، ودخولهما في حوزة أهل الإسلام، و(أل) هنا وهنا عهدية ذهنية، وكمالية، أي هما المسجدان المعروفان لدى كل مسلم، وهما الكاملان في مفهوم ودلالة المساجد التي حددها الله، وجعل شد الرحال إليها مستحباً، يضاف إليها المسجد النبوي الشريف، والتعبير في الصفة بالمصدر:(الحرام) ليدل على بلوغ حرمة المسجد منتهاها، وأن حرمتها ثابتة تامة أزلية إلى يوم الدين، ووصف المسجد الأقصى بأفعل التفضيل هنا ليس لفضله فقط، وإنما خرج أفعل عن حده، وبابه ـ كما يقول فضلاء النحاة ـ فثمة مساجدُ أبعد، ولكنه وصف لحال كانت موجودة، وهو بالفعل في أقصى مكان بالنسبة للمسجد الحرام، فأفعل التفضيل هنا خرج عن بابه، وقد علَّمنا القرآن بذلك أن نحدد أعمالنا: بدءاً وختاماً، وأن نجعل المسجدين نصبَ أعيننا، وأن نبدأ منها، وننتهي إليها، ونحرص عليها، وهو كناية عن رحلة الطهر والتسبيح والطاعة والولاء لله والخضوع لقدسيته، ثم يجيء امتداد التركيب بالوصف المشتمل على اسم الوصول وصلته:(المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) حيث ترى أن القرآن الكريم هنا لم يقل: الذي باركناه، ولا قال: باركنا ما حوله، وإنما أطلق البركة:(باركنا حوله)؛ لتعم البركة كل شيء حالٍّ الآن أو بعد الآن لأنه لو حدد المبارك فيه، وزال لسبب ما، زالت البركة، ولكنه كما نرى أنه قال:(باركنا حوله)، فكل ما حول المسجد بورك فيه، سواء وقت نزول الآيات، وحصول الحادثة، وإلى الآن، وحتى يوم الدين والجزاء، والناظر المدقِّق يرى استمرار بركة القول الكريم، فالبركة حاصلة في كل شيء، وليست محددة بشيء، فهي بركة مادية، ومعنوية، وفكرية، وثقافية، واجتماعية، وبيئية، وحضارية، بركة في البيوت، والشوارع، والأنفس، والحدائق، وفي كل ما يباع، وما يشترى، ولعل إسناد المباركة في:(باركنا)، وبنون العظمة (نا) يبين قدرها، وسموها، وثبوتها، واستمرارها ، والهاء في (حوله) تعود على المسجد الأقصى، فالبركة يراها الغادي والرائح والزائر والمقيم والمواطن والوافد، ويراها الخلق أجمعون.
بركة تتبعها بركة
وهي في الوقت نفسه كناية عن أن الله إذا تولَّى شيئا بالبركة طُرِحت فيه، وتوالدت، وتتابعت، واستمرت، وازدادت يومًا بعد يوم، وبركة تتبعها بركة، وخيرَ عيش في ظله يتدفق الخير، ثم جاء أسلوب التعليل:(لنريه من آياتنا)، يذكر القرآن علة الفعل الإلهي، فعلة الحادثة والإسراء والمعراج، كله حاصل لهذه الإراءة، وإراءة لكل هاتيك المرائي التي شاهدها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في رحلته، وهو يعلمنا أن أفعال الله معللة، وليست اعتباطاً ولا سبهللاً، كما يُعلِّمنا كذلك الدقة ومنهجية العمل: أن يكون له بدء وانتهاء، وغاية وحكمة، وعلة وسبب، وهدف وغاية يسعى صاحبها لتحقيقها، وليست الأعمال تأتي هدرا أو اعتباطاً، أو قتلاً للوقت، وإهداراً له دونما هدف، أو غاية من الغايات.
فرق بين (رأى) و(أرى)
فاللام هنا للتعليل، والهدف هنا هو التمكين والإراءة ومن ثم فالفعل (نُري) مضموم النون من الرباعي:(أرى) الذي أصله:(أرأى)، وحذفت عينه، وهي الهمزة ،ف(نُرِي) بوزن (نُفِل)، حيث حذفت الهمزة المقابلة للعين لكثرة الاستعمال ، وكثرة الاستعمال تجيز الحذف ـ كما هو في علم أصول النحو، وثمة فرق كبير بين (رأى)، و(أرى) حيث إن الأولى (رأى) تدل على قدرة الشخص على الرؤية، والثانية (أرى) الماضية الزمن تدل على أنه لم يكن يَرى ثم أصبح بعد الإراءة، والاقتدار عليها يَرى ولذلك لما مضى الرسول الكريم في رحلة المعراج، وكان في كلِّ مرة يسأل سيدنا جبريل ـ عليه السلام ـ عن كل مرئية، فيفسرها له ويشرحها سيدنا جبريل ـ عليه السلام ـ حتى وصل إلى سدرة المنتهى التي انتهت إليها كلُّ شؤون البشر، ولا أحد يتعداها، عدل التركيب، فصار:(لقد رأى من آيات ربه الكبرى)، فصار بإراءة الله له إياها رائياً وحده، ففي أول سورة الإسراء التي تمثل رحلة الإسراء، ضُمَّ حرف المضارعة (لنُريه)، وفي سورة النجم صارت بفتح الياء في المضارع:(لقد رأى من آيات ربه الكبرى) بفتح الراء، والفعل ثلاثي، وهو يدل على عطاء الله الكبير لنبيه الكريم، وتمكينه حتى صار يرى بنفسه، من غير احتياج لأحد، ولا لإراءة من جبريل ـ عليه السلام، والهاء في:(لنريه) تفيد الاختصاص، فالرسول وحده الذي اختصه الله بذلك، أي لم ير أحد من الآيات غيره، أي لم يُرِ الآيات أحدا إلا إياه، ولم يُشرِك معه في الرؤية سواه ، يعني ما رأى إلا هو وحده تلك المرائي، في تاريخ الأنبياء الطاهر المطهر، ثم يأتي أسلوب التناوب الدلالي:(من آياتنا) أي بعض آياتنا، فـ (من) تفيد التبعيض والجزئية، وليس هناك محل لإراءته كل الآيات، والإضافة للتشريف، ونون العظمة ترشح ذلك وتقويه (لنريه)، والمفعول به محذوف، أي لنريه الكثير من تلك الآيات، أو لعل (من) اسمٌ بمعنى بعضٍ، فيكون هو المفعول ، ولا حذف، أو المفعول ـ كما سبق ـ محذوف، تقديره: لنريه شيئا من آياتنا، فتكون (من آياتنا) صفة للمفعول المحذوف، في محل نصب، ويكون من باب الإيجاز بالحذف، وكما نرى فإن في الآية محذوفاتٍ كثيرةً، تفيد السرعة واليسر في زمن الرحلة، كما أفادتها في اللغة، وفي سرعة الأداء اللغوي، ولعل أصل الكلام، لو لم يكن ثم حذف:(أسبح سبحان الله الذي أسرى بعبده سيرا ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه شيئا من آياتنا)، ولكن لغة القرآن الكريم حَذَفَتْ كثيرًا من ذلك اعتمادًا على ذكاء السامع، وحسن فطانته، ويقظة قلبه، ثم يأتي أسلوب التوكيد المؤكَّد:(إنه هو السميع البصير)، ثلاثة ألوان من التأكيد، الأول استعمال (إنَّ)، والثاني مجيء الجملة الاسمية، والثالث ورود ضمير الفصل، يأتي كلُّ ذلك دفعا لشك هؤلاء، أو تشكيكهم، فجاءت (إنَّ) لتزيل الشك الحاصل، أو لتؤكد شيئا موجوداً، أيْ أنه هو وحده لا شريك له السميع البصير، واختارالله تقديم السمع على البصر على عادته لأن من يسمعك أقرب ممَّن يراك، فالإنسان الذي تسمعه أنتَ، يكون أقرب إليك ممن تراه، وهو كناية عن المعية الملازمة سمعا ونظرا، فهو أسلوب يشعر بالطمأنينة والأمن والأمان، والقرب الباعث على استقرار القلب، وهدوء النفس، كما أنه ذكر السمع والبصر هنا ليدل على أن ما يراه الرسول يراه ربه، وما يسمعه الرسول يسمعه ربه، وأنه سيرى لم يكن قد رآها من قبل، تبين له طبيعة الحياة وما سيحدث فيها من ابتلاءات، ودور المؤمن فيها، وما سيراه من كل أصحاب الديانات، وما سيبتلى به من ابتلاءات وضرورة التجلد لتبعات الدعوة، وتكاليف الإيمان، والعواصف الهوج التي ستقابله في دنيا الحياة، وماذا عليه أن يفعل تجاهها، وغيرها من المرائي الكثيرة التي لا يتسع المقام لتذكرها والدوران حول دلالاتها ورموزها وعطاءاتها، وهذه الأمور التي سيراها ربما أفزعت فؤاده، وأدخلت على نفسه الخوف والرهبة والوجل، فعندما يكون في معية ربه، وأنه يراه ويسمعه، ويبصره، فهو عندئذ يرى ويسمع بكليته، دونما خوف أو وجل أو تردد أو رهبة، كما قال تعالى لسيدنا موسى وأخاه هارون عندما قال لهما:(اذهبا إلى فرعون فقولا إنا رسولا ربك ..)، (قالا: ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) فقال سبحانه:(لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) فطمأنهما، فصارا بقلبيهما الجريء، ونجحت مهمتهما، وصعقَا فرعون، وعلَّماه كيف تعمل العقيدة الصحيحة في عالم ممتلئ بالإرعاب، والإرهاب، والتهديد المصحوب بعلو الصوت، ورعد الحديث، وبرق اللفظ، وتلبُّد الجمل، وتداخل وتدافع وهدير العبارات، وغيظ الحروف، ومن ثم جاءت:(وهو السميع البصير) لأنها أدعى إلى السماع الكامل، والرؤية التامة، كما أنه من باب آخر كناية عن الحب الشديد من الله لرسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وأنه خصه بأمور لم يُدخِل أحدا معه فيها، وهو بيان لرفعة ومكانة الرسول الكريم في السلسلة الطاهرة من أنبياء الله، ورسله، ثم إن الآيات قد تضمنت أسلوبًا آخر هو أسلوب الالتفات، حيث بدأت الآية بالغائب:(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)، ثم انتقلت إلى أسلوب المتكلم:(باركنا)، (لنريه من آياتنا) ، ثم انتقلت الغائب:(إنه هو السميع البصير)، وانتقلت كذلك من الجمع: ( لنريه من آياتنا) إلى المفرد:(إنه هو السميع البصير) لتدل على المعية والمصاحبة من جانب، ولتدل على أنه ـ جل جلاله ـ هو المتفرد وحده بتلك الصفات لا ينازعه فيها أحد، ولقصر هاتيك الصفات عليه ـ عزّ في سماه ـ من جانب آخر، حيث جاء ضمير الفصل (هو) في:(إنه هو السميع البصير) ليكون تأكيداً، وتخصيصاً، وعمقَ توحيد، وكمالَ إقرار، وشمولَ جلال، بكمال صفاته، وكمال تنزيهها، نسأل الله ـ جلّ في علاه وعزّ في سماه ـ أن يرزقنا كمال الفهم عنه، وجلال القرب منه، وأن يقفنا على جلال الإسراء والمعراج، وكمال فهم رؤاها ودقة وسعة تفسيرها، والإفادة منها في هذا الواقع الذي تمرُّ به أمتنا، وأن يجعل المستقبل للإسلام وأهله، وأن يمكِّن لدينه، وسنة رسوله، وأن يرزقنا الاستمساك بحبله، والاعتصام بدينه، ويجعلنا ممن اختارهم لنشر قيم الإسلام، وأخلاقياته، وضوابطه، وتعليماته، وأن يشرفنا بالقبول ، إنه خير مأمول وأكرم مسؤول، وصلى الله وسلم وبارك على صاحب الذكرى العطرة، وعلى آله وصحبه أجمعين، وكل عام وأنتم بخير، والحمد لله رب العالمين.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Dfgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى